لا تخفى على أحد أهمية الرضاعة الطبيعية للأم والطفل، وما زالت شركات صناعة ألبان الأطفال تلهث وراء دراسة مكونات حليب الأم، وكلما اكتشفت جديداً أسرعت بتصنيعه وإضافته إلى منتجاتها، ولكن الفرق كبير بين ما صنعه الله وما يحاكيه البشر.

ومع معرفتنا بالفوائد الجمة لحليب الأم فقد لاحظ الكثير من العاملين في المجال الطبي مثل منظمة الصحة العالمية، أن الكثير من الأمهات ما زلن يفضلن الرضاعة الصناعية؛ حتى أن كمية المبيعات من حليب الأطفال قد زادت كثيراً في السنوات السابقة على عكس المتوقع والمرغوب فيه، فأطلقت المنظمة العالمية حملات توعية جديدة لحث الأمهات على العودة إلى الرضاعة الطبيعية.

للأسف الشديد فإن وطننا العربي كان ضحية لضجة إعلامية كبيرة وتسويق عنيف أن حليب الأطفال هو الدواء الساحر، وبدأ الأطباء والمستشفيات في التوصية به على نطاق واسع مقارنين إياه بحليب الأم، حتى بعدما تسبب خلطه بمياه ملوثة بالكثير من وفيات الأطفال. وحتى مع تنامي ثقافة الرضاعة الطبيعية في البلدان الغنية والمتقدمة ما زلنا نسمع في وطننا العربي عن استحسان لحليب الأطفال، وقد ساهمنا دون أن نشعر بازدهار صناعة بمليارات الدولارات تسيطر عليها بضع شركات فقط.

بالفعل هناك احتياج حقيقي للألبان المصنعة نتيجة بعض الأمراض التي تصيب الأم فتمنعها من الإرضاع أو تصيب الطفل فتجعله غير قادر على المص بشكل طبيعي، ولكن مع تطور العلم، تقلص عدد تلك الأمراض حتى أصبح لا يكاد يذكر في المحافل العلمية إلا في حالات معينة.



* ما توفره الرضاعة الطبيعية من فوائد لا توجد في غيرها
كلنا يعلم الفوائد الصحية للرضاعة الطبيعية للأم والطفل، وهي فوائد ليست فقط في سن الإرضاع بل تصاحب الطفل في حياته.

أولاً فوائد للطفل
تنخفض نسب الإصابة بالعديد من الأمراض، مثل:
- مخاطر الإصابة بالربو.
- سرطان الدم.
- السمنة في مرحلة الطفولة.
- التهابات الأذن والأمراض التنفسية.
- الإكزيما.
- القيء والإسهال.
- متلازمة موت الرضع المفاجئ (SIDS).
- مرض السكري من النوع الثاني.
- ارتفاع ضغط الدم.

ثانياً فوائد بالنسبة للأم
الرضاعة الطبيعية تؤدي لانخفاض نسب الإصابة بسرطان المبيض وسرطان الثدي، وتساهم في رجوع الرحم إلى حالته الطبيعية، وتؤدي لانخفاض خطر الإصابة بالسكتة الدماغية لدى النساء بعد انقطاع الحيض، وكلما زادت مدة الإرضاع كلما انخفضت نسبة الإصابة.

وتوصي منظمة الصحة العالمية بالرضاعة الطبيعية لمدة عامين، وأن لا يتم إدخال أي طعام للطفل إلا بعد الشهر السادس، أي "رضاعة حصرية".



* الجديد في فوائد الرضاعة الطبيعية
- مع اكتشاف الميكروبات النافعة التي تعيش في القولون والتي تصل إلى التريليونات، أدرك الباحثون الدور الحاسم الذي يلعبه حليب الأم في تكوين هذه الكائنات بكم وكيف مثالي، وهذا ما لا تستطيعه أفضل أنواع الحليب المصنع، وبدون هذه الكائنات تقل المناعة الطبيعية التي تحمينا من الكثير من الأمراض المعدية والحساسية والسرطان والتوحد وأمراض سوء الامتصاص.

- ليس هذا فحسب، بل تقوم الأم بإمداد الطفل بالخلايا المناعية الجاهزة لمحاربة الجراثيم المختلفة لمدة كافية، حتى يتطور الجهاز المناعي لديه، ويصير قادرا على الدفاع عن نفسه.

- بات من الشائع وجود حساسية من الأطعمة المختلفة، وينفق الآباء الأموال الكثيرة على اختبارات الحساسية لمعرفة الطعام المسؤول، ومن ثم قد يحرم الطفل من تناول هذا الطعام لأعوام وربما طوال حياته. وفي دراسة حديثة وجد أن الرضاعة الطبيعية بالكم والمدة الصحيحة أدت إلى خفض الإصابة بحساسية الطعام لدى الأطفال، وذلك لاحتواء حليب الأم على تركيبة فريدة من السكريات الأحادية (HMOs) التي تساعد في تقليل حساسية الطعام لدى الرضيع، والتي لا توجد في الحليب الصناعي.



- قد يصاب الطفل بعدم تحمل اللاكتوز أو الحساسية من ألبان الأبقار المعروفة شعبيا باسم "حساسية اللبن"، سابقا كان معظم الأطباء يهرعون لوقف حليب الأم نهائيا واستبدالة بحليب صناعي خال من اللاكتوز، ولكن الآن يقوم الطبيب بتعديل طعام الأم مع استمرارها بالإرضاع فإن تحسنت الأعراض أكملت الأم الرضاعة الطبيعية دون الحاجة لحليب الأطفال مع متابعة حثيثة لطعام الأم من قبل طبيب التغذية.

- ولكن من أعجب الفوائد ما نشر في بحث عام 2018، إذ أشار إلى أن الرضاعة الطبيعية ذات تأثير أعمق مما كنا نظن، لأنها تغير في تركيب الجينات فيصبح الطفل أكثر قدرة على مواجهة الضغوط البدنية والنفسية.

- كثر الحديث في السنوات السابقة عن علاقة الرضاعة الطبيعية بمستوى ذكاء الطفل، ولكن تأكدت هذه الفرضية حديثا، إذ تبين أن الأطفال الذين رضعوا من أمهاتهم أصبحوا أكثر ذكاء، وسجلوا معدلات أعلى في اختبارات معامل الذكاء (IQ) ممن رضعوا الحليب الصناعي؛ فحليب الأم غني بالعديد من المواد الكيميائية والهرمونات، وعوامل النمو التي تؤثر على حجم المادة البيضاء بالدماغ، وكفاءة التوصيل في الأعصاب، بالإضافة إلى كميات كبيرة من الكوليسترول، وهو هام لنمو الأعصاب وقد ارتبط بكفاءة الأداء الذهني لدى البالغين.




- يعمل الباحثون على إثبات العلاقة بين طول الأطفال مستقبلا والرضاعة الطبيعية، والنتائج الأولية إيجابية، خاصة مع التغذية الجيدة للأم، حيث يحتوي حليب الأم على التوليفة الممتازة في نوع المحتوى، ونسبة كل عنصر إلى الآخر، وكذلك فإن المرض المتكرر من مسببات قصر القامة لدى الأطفال، ولكن يشكل حليب الأم جدارا مناعيا شديدا ضد العدوى المتكررة، ما يعطي الطفل الفرصة في استهلاك العناصر الغذائية لنموه وتطوره، وما زال الأمر يحتاج لمزيد من الأبحاث.

- والأكثر من ذلك، عندما يرضع الطفل رضاعة طبيعية، يزيد احتمال قبوله لمجموعة كبيرة من النكهات الموجودة في الأطعمة الطبيعية والكاملة التي تأتي مما تأكله الأم فيتعلم أن يقبل مختلف النكهات، ولا يسبب المشاكل اليومية التي تشتكي منها الأمهات من تكرار رفض الأطعمة الصحية.

* المشكلة في كثير من الأحيان في الأطباء
دائما ما نتهم الأمهات بأنهن السبب في استبدال الرضاعة الطبيعية بحليب الأطفال المصنّع، ولكن - للأسف الشديد - فإن معظم تلك الحالات سببها الأطباء، إما عن جهل وافتقار إلى الجديد في طرق الرضاعة الطبيعية، وكيفية تجاوز المشكلات، وإما نتيجة مشكلة في الضمير ومراعاة أخلاقيات المهنة.

* ماذا أفعل لو نصحني الطبيب بإدخال رضعة خارجية للطفل؟
عادة ما يكون السيناريو في عيادة الأطفال كالآتي:
- الأم: كيف حال طفلي يا دكتور.
- الطبيب: الطفل وزنه قليل – أنت أم سيئة.
- الأم: أنا أرضعه حينما يبكي ولا أقصر رغم التعب والألم الذي أشعر به.
- الطبيب: إذا سأكتب لك حليبا صناعيا، ولتعطه رضعة واحدة على سبيل المساعدة.. انتهى الحوار وبدأت المشكلة.



حيث أن الطفل كثيراً ما يفضل الحليب الصناعي - الذي لا يحتاج لمجهود في سحبه - أكثر من حليب الأم الذي يحرك عضلات الفم لدى الطفل ويحتاج إلى مجهود، والبعض يفضل الطعم المضاف في الحليب الصناعي، والأم تشعر بالراحة والحرية في أن تخرج وتترك الطفل مع من يرعاه، ويوما بعد يوم يجف حليب الأم، فيبقى الطفل على الحليب الصناعي فقط.

فى الحوار السابق كان لا بد من معرفة عدة معلومات قبل أن ننصح برضعة خارجية:
- أولا: هل وزن الطفل قليل مقارنة بمن يرضعون حليبا صناعيا أم بمن في عمره؟
لا بد أن يوضع الطفل على منحنيات النمو قبل أن نقرر إن كان وزنه طبيعيا أم لا، حيث إن الطفل الذي يرضع طبيعيا يكون وزنه عادة أقل من وزن الطفل الذي يرضع حليبا صناعيا، ولكنه بالتأكيد أكثر صحة وقوة.

- ثانيا: هل تجاوز الطفل الستة أشهر أم لا؟
حيث ينصح أطباء الأطفال والتغذية ومنظمة الصحة العالمية بإرضاع الأطفال حتى 6 أشهر رضاعة طبيعية حصرية دون إدخال أي طعام أو شراب آخر، ثم بعد الستة أشهر ندخل الأطعمة الأخرى تدريجيا مع بقاء الرضاعة الطبيعية لمدة عامين.

- ثالثا: ما سبب شكوى الأم من الألم والتعب؟
الإرضاع لا يجب أن يكون مؤلما بأي حال، ولا بد من اكتشاف مصدر الألم وعلاجه بدلا من الإسراع بكتابة رضعة خارجية، وكذلك فإن الإرهاق الشديد علامة على مرض أو علة بالأم، ولا بد من حلها سريعا قبل أن يتأثر الطفل.



* ماذا تفعل الأم إذا كتب لها الطبيب حليبا صناعيا؟
لا بد للأم من التعرف على مكان طفلها على جداول النمو، ثم تسأل عن الأسباب التى أدت إلى ضعف الوزن وكيفية علاج تلك الأسباب.

إن قرار إدخال الألبان الصناعية إلى طعام الطفل في الأشهر الستة الأولى ليس قرار الطبيب بمفرده، بل على الأم أن تتأكد من طبيب الأطفال وطبيب التغذية أو استشاري إرضاع، وحتى إذا استنفدت كل العلاجات وأجمع الأطباء على ضرورة الحليب الصناعي كان ذلك في مصلحة الطفل، ولا نكون حينها قد قصرنا في حقه.
آخر تعديل بتاريخ 25 يناير 2019

إقرأ أيضاً

استشارة الطبيب

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث أولا في المواد المنشورة على موقعنا عن إجابة لسؤالك.
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.
الحد الأقصى للسؤال 500 حرف
سيتم إظهار الاسم والسؤال عند النشر
اشترك بالنشرة البريدية

شركاؤنا

  • مؤسسة مايو كلينك
  • المعاهد الصحية الأمريكية