قد تكون الأخبار السيئة الواردة عبر تغطية وسائل النشر المرئية ومنها التلفزيون عصية على فهم الأطفال، وخاصة تلك التي تغطي بالصور والفيديوهات حوادث القتل والموت والدمار، أو تنقل مقابلات مع الناجين أو المتضررين وبمشاهد وصور تكسر قلوب الكبار، فما بال قلوب الصغار؟

* الصور تطاردنا في كل مكان
الهروب من تلك القصص الحزينة والمؤلمة والمنتشرة كيفما اتجهنا في يومنا هذا صعب جداً، التلفزيون في البيت، الراديو في السيارة، صفحات المواقع الإلكترونية والصحف والمجلات في كل مكان.

الأبحاث الطبية أثبتت منذ فترة بعيدة أن تلك الأنباء قد تكون عامل رض نفسي كبير على البالغين بسبب تعرضهم لهذا المد المستمر من الأنباء السيئة، خاصة نشوب النزاعات البشرية، أو أعمال العنف التي تتم بدون أدنى إحساس بالذنب من قبل مرتكبيها.


* المشاهدة أخطر من حضور الحدث الصادم
من الأمثلة التي أثارت استغراب الدارسين للآثار النفسية الناجمة عن حادث تفجير قنبلة في أحد سباقات الماراثون قبل بضعة أعوام أن الأطفال الذين لازموا التلفاز لمشاهدة ذلك الحدث وتغطيته الإعلامية لمدة تجاوزت ست ساعات عانوا من الشدة النفسية والتأثر البالغ بقدر أكبر من الأطفال الذين شهدوا التفجير نفسه على أرض الواقع، وأن تلك الشدة النفسية أصابت حتى من لم يكن له أي معرفة بأي من المتواجدين في ساحة الحدث.

دراسة كتلك فتحت الباب للعديد من التساؤلات حول الآثار الكبيرة والجدية لمتابعة الأطفال لتغطية الأحداث التراجيدية حول العالم ولفترات طويلة.

الأطفال في الغالب يخافون من حدوث حدث أليم مماثل لهم، خاصة بعد مشاهدتهم لأخبار المعارك الحربية والهجمات الإرهابية أو تحطم الطائرات والفيضانات والهزات الأرضية، وهذا قد يثير لديهم ارتكاسات عاطفية حادة تتجلى بمزيد من القلق والتوتر عندهم؛ بكل ما يحمله ذلك من آثار آنية ولاحقة قد تكون طويلة الأمد وبعيدة المدى.



* كيف يمكن للأهل تفادي الضرر؟
إنه عصر أخبار الأربع والعشرين ساعة، والتي تنقل الأحداث الأليمة على مدار الساعة لكل فرد في المنزل حتى الأطفال، وقد تؤثر عليهم سلباً إذا لم ننتبه لخطورة ذلك، خاصة على الأطفال في عمر ما قبل المدرسة الذين هم في الشريحة العمرية الأكثر خوفاً من حدوث أحداث مماثلة لهم ولعائلاتهم لضعف قدرتهم على الربط الزماني والمكاني في هذا العمر، في حين أن الأطفال الأكبر عمراً يكونون أكثر قدرة على معرفة الأحداث البعيدة وتمييز الفرق بينها وبين القريبة، لذا يجب الانتباه التام لتلك الشريحة العمرية من الأطفال الذين هم ما دون السادسة، وعدم السماح لهم بمجالسة الكبار أثناء متابعة هكذا أخبار، أو حتى تجنب الصدفة في حصول ذلك.

وجد الباحثون أيضاً أن الأفلام التسجيلية بالخاصة قد تثير القلق لدى الطفل، وتعلق في ذاكرته أكثر من الصور الثابتة في الصحف المطبوعة، أو الأخبار المسموعة عن طريق المذياع.

لذا أفضت نتائج عدد من الدراسات على الأطفال الذين هم أكبر عمراً أنه لا يجب إخفاء الأخبار تماماً، وعدم السماح لهؤلاء الأطفال بمشاهدتها أحياناً بالصدفة، وكأنها سر من الأسرار، لكن يجب أن نحدد وقت المشاهدة بتغيير المحطة التلفزيونية بعد وقت قصير كي لا نظهر للأطفال فزعنا من مشاهدتهم لتلك البرامج الإخبارية فنعطيها أكثر من حقها، وفي نفس الوقت نكون قد قصرنا فترة المشاهدة، وهنا نحن نتحدث عن الأطفال في عمر المدرسة، وليس قبل ذلك السن طبعاً.



من المهم طبعاً حماية أطفالنا من مشاهدة تلك البرامج لكن في الحقيقة لا نستطيع أن نشكل حاجزا تاماً في هذا العمر وهذه الأيام، وإن فعلنا فهذا سيثير استغراب الطفل وقد يثير لديه مزيدا من القلق ويعقد المشكلة، لذا ينصح بأن تحصل تلك المشاهدات وحتى للأخبار المقروءة في وجود الأهل، ليتسنى لهم مراقبة حالة الطفل ومدى تأثره والشرح والتعليق المبسط على بعض المشاهد المؤلمة بشيء من الواقعية، ولكن مع إجلاء الصورة له بأن خطراً مماثلاً سيبقى بعيداً عنهم كمثال، أو استغلال الفرصة لشرح أساليب الوقاية وطرق التصرف في حوادث أخرى كالزلازل والفيضانات، وتقديم النصح حول ما يجب فعله في حال التعرض لأخطار مشابهة لما يراه الطفل في التلفاز أو ما يقرأ عنه في الصحف.

إلى جانب ذلك يجب على الأهل أن يكونوا جاهزين للإجابة عن تساؤلات الطفل العديدة عن قضايا كبيرة كالحياة والموت والحرب والأحداث المهمة، وإصلاح بعض الأفكار الخاطئة في فهم الطفل ومدى استيعابه لما رأى ويرى أو ما سيرى.


ومن المهم أيضاً التحدث مع الطفل عن شعوره حيال رؤيته بعض المشاهد التراجيدية، وترك المجال له لتوضيح مشاعره بلغته الخاصة، وبناء أبجديته في شرح ما يدور في خلده بدل أن تتم تلك المحاورات بين الطفل وذاته، فيكون لبعض المشاعر تأثيرات سلبية على نفسيته لاحقاً.

من جهة أخرى يجب أن نركز في حواراتنا مع الأطفال على إيضاح أن الأمور السيئة واردة الحصول، لكن الأمور الجيدة واردة الحصول أيضا وبشكل أشيع، وأن بعض البشر هم مؤذون للآخرين، لكن الغالبية العظمى من الناس هم مصدر مساعدة للآخرين في الأزمات، وهذا مهم في تعليم الطفل كيفية استعادة التوازن العاطفي في مواجهة السيئ والجيد في حياة الإنسان.

في العادة، الأطفال يشعرون بالحزن والضيق المؤقت أكثر من تعرضهم لرض نفسي حقيقي لكن تكرار الأمر هو المقلق، لذا فمن النصائح الرئيسية في الحوار مع الطفل هو توضيح معنى وطريقة التعامل مع الخسارة كمفهوم عام؛ قد يشمل أحياناً خسارة ما نحب أو من نحب، وأن نوضح إلى جانب ذلك أن الحزن ظاهرة طبيعية، وأن الحديث عما يحزننا ويضايقنا هو أمر إيجابي، وأن البكاء كتعبير عن الضيق والحزن هو أمر جيد وليس سيئاً ونأخذ كمثال ما يقال للذكور في مجتمعاتنا بأن البكاء عيب عليهم وهو للفتيات فقط، وهذا على سبيل المثال لا الحصر والأمثلة كثيرة.



وفي محاولاتنا لتجنيب أطفالنا قدر الإمكان للمشاهدة المطولة لبعض الأفلام أو المواد الإعلامية التي تحدثنا عنها، وفهم أن منعها التام ليس مفيدا، يجب أن نأخذ بالحسبان أننا قد نكون مضطرين لاختراع أي فعالية أو لعبة أخرى تأخذ اهتمام الطفل في العادة، وأن هذا ضروري لمقاطعته وتحويل انتباهه بشكل غير مباشر، يتلو ذلك إغلاق التلفاز، والتوقف عن المشاهدة لممارسة اللعبة أو النشاط البديل عن تلك المشاهدة.
آخر تعديل بتاريخ 4 يوليو 2018

إقرأ أيضاً

استشارة الطبيب

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث أولا في المواد المنشورة على موقعنا عن إجابة لسؤالك.
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.
الحد الأقصى للسؤال 500 حرف
سيتم إظهار الاسم والسؤال عند النشر
اشترك بالنشرة البريدية

شركاؤنا

  • مؤسسة مايو كلينك
  • المعاهد الوطنية الأمريكية