هل يمكن أن تكون النظافة ضارة؟

بمجرد أن يبدأ الطفل في الحبو والتعرف إلى حرية الحركة لأول مرة، تبدأ الأم من جهتها في ملاحظته ومتابعة كل حركاته بكل الحرص، حتى لا يمس أي شيء ملوث. فهي حرصت منذ ولادته على تهيئة بيئة نظيفة وآمنة تمامًا، خالية من الأتربة والأوساخ والجراثيم، مستخدمةً في سبيل ذلك كل المنظفات والمطهرات المتاحة والمنتجات المضادة للبكتيريا مثل الصابون والمناديل المبللة وجِل الأيدي. لكن على الرغم من ذلك نجد أن هناك زيادة مستمرة في أعداد الأطفال الذين يصابون بأمراض ومشكلات صحية مختلفة منذ سن صغيرة، فهل يعني ذلك أن كل هذه الوسائل غير كافية؟ أم يعني أننا نعد لأطفالنا بيئة أكثر نظافةً ربما مما يحتاجون؟


* الفرضية الصحية - Hygiene Hypothesis
تشير أبحاث عديدة إلى أن تعرُّض الطفل منذ ولادته إلى الميكروبات يساعده على اكتساب حماية أكبر من الإصابة ببعض الأمراض والمشكلات الصحية، مثل الحساسية وبعض مشكلات الجهاز التنفسي، بل يشير العلماء - في دراسة أُجريت مؤخرًا - إلى أن التعرض إلى الجراثيم يقلل من مخاطر إصابة الأطفال بسرطان الدم بالذات.

وسُميت هذه الفرضية بالفرضية الصحية، فهي تربط بين الحد من تعرض الأطفال إلى الجراثيم المختلفة مثل البكتيريا والفيروسات والطفيليات، وإصابتهم بمجموعة من الأمراض المختلفة سواءً في فترة الطفولة أو حتى بعد البلوغ. ومن الأمراض التي تم ربطها بعدم تعرض الأطفال للميكروبات في سن صغيرة: الإصابة بالحساسية والربو وداء السكري والزهايمر وبعض أمراض المناعة المكتسبة مثل التصلب اللويحي وبعض أمراض الجهاز الهضمي والإصابة ببعض أنواع السرطان مثل سرطان الدم.



* للجراثيم أهمية؟!
لماذا إذن اعتبر العلماء أن عمليات التنظيف والتطهير المستمرة لبيئة الطفل تضره أحيانًا أكثر مما تفيده؟

يحتوي جسم الإنسان على عدد ضخم من الميكروبات، يفوق حتى عدد الخلايا داخل جسم الإنسان. وتعيش هذه الميكروبات بشكل طبيعي على الجلد وداخل أعضاء الجسم المختلفة مثل الفم والأنف والمعدة والأمعاء، ويُعرف هذا المجتمع الهائل باسم "الميكروبيوم".

يلعب هذا الميكروبيوم دورًا مهمًا في الحفاظ على صحة الإنسان وتعزيز دور الجهاز المناعي وحماية الجسم من العدوى التي تسببها بعض الميكروبات والبكتيريا الأشد ضررًا. ففي بعض الدراسات تم إثبات أهمية الميكروبيوم في الحماية من معظم أمراض الجهاز الهضمي - مثل التهاب القولون وداء كرون وأمراض الأمعاء الالتهابية – وأيضًا من أمراض القلب وداء السكري من النوع الثاني والسمنة.

ولكن انتشار وسائل التنظيف الحديثة والمبالغة في استخدام المطهرات ومضادات البكتيريا أدت إلى الإضرار المستمر بالميكروبيوم، فعلى سبيل المثال يعاني الآن الكثير من الأشخاص البالغين في الدول المتقدمة من أمراض الجهاز الهضمي المختلفة بسبب القضاء على البكتيريا الموجودة داخل الجهاز الهضمي أثناء الطفولة.

ولهذا فإن تعرُّض الطفل منذ ولادته أثناء الحركة واللعب لبعض الأتربة والأوساخ، ثبت أنه يساعد جهازه المناعي بشكر كبير على الاحتكاك والتعامل مع البكتيريا والميكروبات أثناء تكوّنه في هذه السن الصغيرة، فمثلما يحتاج مخ الطفل إلى مؤثرات خارجية لتساعده على تعلم التفاعل والاستجابة بشكل طبيعي، يحتاج الجهاز المناعي أيضًا إلى التعرض للمثيرات المختلفة، والتي ستدعمه وستساعده على التكيف والاستجابة بشكل طبيعي وستساعده على المقاومة لدى تعرض الجسم إلى هذه الميكروبات لاحقًا.


* ما الحل إذن؟
الحل إذن هو عدم الإسراف في استخدام الصابون المضاد للبكتيريا وجل الأيدي والمطهرات وكل هذه المنتجات، والرجوع إليها عند الضرورة فقط وباعتدال، حتى لا تقضي على البكتيريا النافعة التي يحتاجها الجسم.

يجب أيضًا ترك بعض الحرية للطفل ليستكشف البيئة المحيطة به دون المبالغة في الخوف، ودون الإهمال في ملاحظته حتى ينمو بشكل طبيعي يقيه من كثير من المشكلات الصحية المحتملة.



المصادر:
Is Dirt Good for Kids?
How to Make Sure Your Kids Are Covered in Bacteria (and Why It’s So Important)
The human microbiome: why our microbes could be key to our health
آخر تعديل بتاريخ 19 يوليه 2018

إقرأ أيضاً

استشارة الطبيب

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث أولا في المواد المنشورة على موقعنا عن إجابة لسؤالك.
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.
الحد الأقصى للسؤال 500 حرف
سيتم إظهار الاسم والسؤال عند النشر
اشترك بالنشرة البريدية

شركاؤنا

  • المعاهد الصحية الأمريكية