اكتئاب الرضع.. هل هو حقيقي؟

قد يظن بعضهم أن الاكتئاب مرض نفسي لا يصيب إلا البالغين، ويجدون المبرر لذلك الظن في ضغوط الحياة النفسية، والتي قد تلعب دوراً مساعداً في ظهور هذا المرض، وهناك بعض آخر يعرف أن الأطفال أيضاً قد يصابون بالاكتئاب، وأن لذلك مسببات متعلقة بظروف النشأة الاجتماعية والظروف الاقتصادية، ويجمع الكل على أن الاكتئاب حتماً مرض يصيب البشر في مرحلة الإدراك للظروف الاجتماعية والاقتصادية أو حتى النفسية المحيطة؛ لذا يتوقع بأن الرضع دون عمر السنتين هم خارج مرحلة الإدراك اللازم، وليس لديهم مشاغل أو مشاكل وهموم سوى الأكل والرضاعة والنوم واللهو، وبالتالي فهم محميون من الاكتئاب.. ولكن!



* حقائق جديدة
غير متناسين أن حدوث الاكتئاب يتبع لعوامل استعداد داخلية مختلفة بين البشر تطلقها عوامل ومحرضات خارجية، وأن فرص حدوث الاكتئاب عند التعرض لظروف متماثلة هي فرص متفاوتة، لكن الحكم في هذا الموضوع يجب ألا يستثني الرضع دون عمر السنتين بعد اليوم في ضوء دراسات جديدة في ساح العلوم النفسية والسيكولوجية.

* حالة من واقع العمل
ما زلت أذكر الطفل الذي أحضرته إلى عيادتي خالته، وهي عاملة في إحدى قريباته كي أعاين حالته.

كان الطفل يبلغ من العمر حينذاك ثمانية أشهر فقط، وكانت الشكوى أن الطفل هادئ جداً، لا يحب اللعب كثيراً، ولا يهتم بالأشياء حوله كما الرضع الآخرون، ومن الصعوبة إثارة اهتمامه، حتى أنه هو نفسه لا يثير انتباه الآخرين بتصرفاته أو بكائه كما أقرانه، وأبدت استغرابها لكونه غير اجتماعي ولا يبدي انتباها للمثيرات حوله أو حتى يسعى لاكتشاف ما حوله.

وصفته أيضاً أنه في أغلب الأوقات لا يطلب المساعدة حيث يقوم بالجلوس لوحده لكن متجها بعينيه إلى لا شيء أو لا مكان، كما أنه لا يقوم بمحاولات للحركة من مكانه، ولا يطالب بشيء منتظراً أن تأتيه وجبة طعامه حتى لو تأخرت، ويبقى غير مكترث بمن أو ما يتحرك حوله، وطلبت مني في تلك الزيارة أن أتأكد من بصره وسمعه، كما أبدت خشيتها من إصابته بالتوحد.

هذا الطفل هو الثالث لأمه وأبيه اللذين أنجبا قبله بسنتين توأمين عانيا من نقص في الأوكسجين، ومشاكل في التنفس بعد الولادة نجم عن ذلك إصابتهما بالشلل الدماغي، ومشاكل في التغذية والنوم، لذا فالأبوان حسب ما قالته قريبتهم التي أحضرت الطفل مشغولان دائماً بهما، وأكثر بكثير من إنشغالهم بالأخ الأصغر، وهما مسروران بأن طفلهما الجديد لا يسبب لهما المشاكل، ويعتبرون هدوءه نعمة كونه طفلاً سهلاً لا يعذبهما كما الآخران.

هذه القريبة كانت تزور أم الطفل بشكل شبه يومي لمساعدتها في شؤون الأطفال والمنزل في فترة ما بعد الظهيرة والمساء لاحظت أن الصغير يبدو في بعض الأحيان ضجراً لكن دون بكاء، وحزيناً بغير دموع، وغير قادرعلى الاندماج في اللعب مع أهله والآخرين. أما أبواه فهما غير مهتمين فعلاً بما يحصل أو قد لا يريدان أن يروا في ذلك مشكلة فهم في غنىً عن متاعب جديدة قد يسببها الشك في حالة لا تبدو لهم غير طبيعية، فهم يرون أمامهم طفلا جيداً وبسلوك أكبر من عمره لهدوئه وحسن تصرفه أكثر من أن يروا ذلك سلبياً، لكن هي كانت تشعر بأن هناك شيئاً ما خلف ذلك الهدوء.


بيّن الفحص السريري للطفل أنه سليم السمع والبصر، لكن ما كان مثيراً فعلا للانتباه أنه قادر على التواصل البصري بشكل جيد لكنْ دونما اكتراث بالمؤثرات والمحفزات التي تهم الرضع في هذا العمر غالباً، وكان يتصرف فعلا كطفل أكبر من عمره، وهو جالس على سرير الفحص، لم أستطع أن أفسر هدوءه بعد طول مراقبة باحتمال إصابة بالتوحد لكنه بدا لي وكأنه حزين.

هل هو مكتئب؟ سألت نفسي وأجبتها: إنه رضيع صغير، وهذا احتمال غير عملي أو حتى محتمل من الناحية النظرية. لكنني خشيت من أية احتمالات نفسية أخرى ففضلت إحالته إلى صديق استشاري في الأمراض النفسية للأطفال لمشاركتي خبرته.



اتصل بي الصديق الاستشاري لينفي احتمال بداية التوحد، ويعبر عن شكه بوجود حالة الاكتئاب، وذكر أن الأبحاث الطبية النفسية في السنوات الأخيرة وضعت إطاراً لتعريف الاكتئاب أو احتمال حدوثه عند الرضع، وأن الطفل قد يكون مشمولاً في إطار ذلك التعريف تبعاً لظروفه الاجتماعية وسلوكه، وقال إن الاكتئاب بأعراضه الجلية قد لا يحدث فعلاً عند الرضع حتى بلوغ الشهر الثامن عشر من العمر، لأن ليس لديهم الاستطاعة العقلية الكافية قبل ذلك السن ليختبروا الاكتئاب، لكنهم يظهرون علامات كونهم غير سعداء (حزينين) غالب الوقت، وهذا عرض قد يتطور إلى اكتئاب خلال السنة الثانية من العمر، ومن العلامات الإضافية الباكرة للطفل غير السعيد هي الانسحاب والفشل في المشاركة الإيجابية.

* هدوء طفلك غير الاعتيادي قد لا يعتبر أمراً إيجابياً
قد تكون حركة الطفل الزائدة أثناء الصحو في سن الرضاعة والبكاء والمشاكسة من العلامات الصحية الجيدة، أما الأطفال الهادئون فقد يكونون جيدين بنظر أهلهم نعم، وغير متطلبين أجل، كما يبدون وكأنهم لا يكلفون من يعتني بهم انتباهاً كبيراً مع ميلهم للاضطجاع والنوم بهدوء ووحدهم وبدون إبداء توق للاستكشاف والبحث عن الأشياء من حولهم أو حتى تخريبها، لكن يجب الانتباه إلى أن الهدوء قد يعني حالة من الانسحاب، وقد يكون الرضع الانسحابيون مكتئبين فتراهم لا يبتسمون أو يضحكون كثيراً، وقد يبدون وهم جالسين محملقين أو ناظرين بعيداً، وقلما يندمجون مع الأشخاص من حولهم أو اللعب معهم.



* المشكلة والحل
يجب التنبه للأعراض التي ذكرت، باكراً ما أمكن، واستشارة الطبيب المختص الذي سيضع خطة لمعالجة المشكلة قبل استفحالها، ويقوم بدراسة ظروف الأسرة لتأمين الرعاية النفسية الصحيحة للرضيع، وقد تتضمن الخطة إيجاد طريقة - وبالتشاور مع الأهل - لتقليص المشاكل الأسرية والمنزلية والزوجية سواء في العلاقة العاطفية، أو الانشغال في العمل، أو في كل ما يؤدي إلى تناقص الوقت اللازم قضاؤه في رعاية الطفل، لأن الرضع حتى في أعمار باكرة جداً يتنبهون إلى نقص العناية، وإلى إحساس الحرمان، ويولدون رد فعل قد يقود إلى نتائج عكسية في المستقبل القريب والبعيد.
آخر تعديل بتاريخ 22 مايو 2018

إقرأ أيضاً

استشارة الطبيب

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث أولا في المواد المنشورة على موقعنا عن إجابة لسؤالك.
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.
الحد الأقصى للسؤال 500 حرف
سيتم إظهار الاسم والسؤال عند النشر
اشترك بالنشرة البريدية

شركاؤنا

  • المعاهد الصحية الأمريكية