كثيراً ما يدور الجدل حول استخدام الفتيات الصغيرات والمراهقات لمواد الزينة ومساحيق التجميل بشكل أبكر عُمرياً وأكثر تكراراً من السابق يوماً بعد يوم، وبين موافق وممانع أو حتى محايد تختلف محاور الجدل ذاك.

* الجدل الدائر.. مع أو ضد
في مجتمعاتنا العربية، غالباً ما يسيطر المحور الأخلاقي الاجتماعي أو الديني في نقاش تلك الظاهرة، فمن الناس من يصر على التمسك بقواعد الزمن الماضي التي تنص على أن الزينة شأن الفتيات الكبيرات والنساء البالغات، وأن الاستخدام في عمر مبكر يعتبر معياراً لبدء انحلال المثل والقيم الاجتماعية الحميدة، بينما يعتبره معارضوهم عنصراً من عناصر التطور والحداثة، ونبذاً لأفكار قديمة متخلفة، وممارسةً لا مشكلة فيها البتّة، وترى من الناس أيضاً من يقف على الحياد السلبي بدعوى أن حل تلك المسألة لم يعد في اليد أمام الغزو الإعلامي واجتياح الفكر الاستهلاكي لغالبية عقول أفراد المجتمع ومنهم الأطفال، أما البعض الآخر فيناقشون الأمر في ما بينهم تبعاً للفتوى الشرعية في جوازه أو عدم جوازه، القلة القليلة فقط تعارض أو توافق تبعاً لمعرفتها ببعض المعلومات حول الآثار الصحية المترتبة على انتشار تلك الظاهرة.


* ظاهرة عالمية
مما لا شك فيه أن انتشار ظاهرة استخدام مواد الزينة ومساحيق التجميل على اختلاف صنوفها وأسمائها قد أصبح ظاهرة عالمية وليس محلية فقط، فقد أظهرت دراسة بريطانية صدرت في عام 2014 أن عمر البدء في استخدام تلك المواد بين فتيات المجتمع البريطاني قد انخفض إلى سن الحادية عشرة من العمر، وذلك العمر هو أقل بثلاث سنوات عما كان عليه قبل عقد واحد فقط.

بصراحة بتنا نرى حالياً أن طفلات بأعمار أصغر من ذلك العمر الذي أشارت إليه الدراسة يقمن باستخدام تلك المواد بمساعدة الأهل أو بدونها، وبمناسبة أو بغير مناسبة، حيث نرى أن كثيراً من الفتيات الصغيرات يمتلكن عُددهن الخاصة بالتجميل تماماً كما يمتلكن ألعابهن الطفولية.

إن اقتراب الأطفال إناثاً أو حتى ذكوراً من مواد التجميل التي تمتلكها الأم ومحاولة استخدامها هو سلوك طفولي نتذكره جميعاً، ويعتبر سلوكاً معرفياً طبيعياً في سني الطفولة الأولى، أما أن يصبح استخدام هذه المواد عادة منتظمة، وأن تصبح البنات بأعمار صغيرة جداً مهووسات بالظهور المزيّن فهو ما يحتاج للتوقف عنده لبرهة.


* الأسباب الكامنة وراء هذه الظاهرة
اقترحت دراسات عالمية أجريت خلال السنوات القليلة الماضية بعض الأسباب الكامنة وراء استخدام الفتيات لمواد التجميل في أعمار مبكرة جداً عما جرت عليه العادة في العقود السابقة، ومن أهم هذه الأسباب ما يلي:
1. ضغط الرفيقات من العمر نفسه واللواتي قد يسخرن ممن لا تضع مساحيق الزينة متهمين إياها بعدم النضج.
2. تقليد الأخوات الأكبر عمراً، مع تساهل الأهل بسبب الجهل بمواطن الضرر.
3. تراخي السياسات في المدارس التي تمنع وضع مساحيق الزينة أثناء ساعات الدوام الرسمي أو تغيرها كلياً في مدارس أخرى من باب إعطاء حريات أكبر للطلاب.
4. نظام صيانة الجمال، والذي تسوق له الجهات الإعلامية بكل صنوفها، والذي يُظهر أن الجمال هو نعمة يجب العناية بها باكراً ما أمكن عبر استخدام العديد من المنتجات الصناعية، كما يكرس للجمال مقاييس لا يمكن الوصول إليها إلا باستخدام مساحيق ومواد الزينة والقيام بعمليات التجميل الجلدية والجراحية.

يجب ألا ننسى أن بعض الشباب المراهقين قد بدأوا باستخدام مواد التجميل أيضاً، وأن هناك حقلاً إعلامياً وسوقاً لتلك المواد آخذين في الاتساع يوماً بعد يوم، بدءاً من المواد الخاصة بالحفاظ على البشرة، وانتهاء بالمواد الكيميائية التجميلية للجلد والشعر، والتي بدأ ينتشر استخدامها بين الفتيان في أعمار أصغر من المعتاد.

* دور الجهات العلمية
هنا يأتي دورنا كجهة علمية طبية تثقيفية، للتنويه والتنبيه إلى المشاكل الآنية المترتبة على الاستخدام الباكر لمساحيق ومواد الزينة، وللتوعية من المخاطر المستقبلية المحتملة لهذا الاستخدام.

أولا: المشاكل الآنية
- أظهرت الدراسات أن مواد ومساحيق الزينة مسؤولة عن زيادة نسبة حدوث الأمراض الجلدية بأنواعها عند مستخدميها، ومنها الإكزيما والحساسية الضوئية والتحسس العيني والتهاب الملتحمة والقوباء والحكة وعسر التعرق.

- دراسة برازيلية صدرت أخيراً أظهرت أن 45 في المئة من مستخدمات مواد ومساحيق تزيين البشرة يعانين من مرض جلدي - واحد على الأقل - مرتبط باستخدام هذه المساحيق.

- الدراسة نفسها بينت أن 14 في المئة عانين من آفات حب الشباب الناتج عن استخدام مواد التجميل أو ما يطلق عليه حالياً ACNE COSMETICA.

ولا ننسى أن المراهقات بشكل طبيعي وبسبب التغيرات الهرمونية معرضات للإصابة بنسب أكبر بهذا النوع من حب الشباب؛ ويأتي استخدام مساحيق التزيين كعامل إضافي ليفاقم المشكلة.

وعند حدوث ذلك، وتحت ضغط ما نسميه إساءة تقييم الذات وإدراك صورة الجسم أمام الأقران، ستضطر الفتاة إلى وضع كميات أكبر لتغطية المشكلة؛ ما يؤدي لطبقات أكثر سماكة من المساحيق، وهو ما يعيق تهوية الجلد، ويفاقم المشكلة بشكل أكبر مع ما سيرافق ذلك من إرهاق للبشرة وفقدانها لرونقها وتألقها الطبيعي وشيخوختها المبكرة، وفي كل الأحوال ستتشكل حلقة مفرغة مؤذية تؤدي دائماً لوضع كميات أكبر من مواد التزيين.

- الأمر الأسوأ أن كثيراً من المراهقات يتشاركن مواد التجميل وأدواته في ما بينهن، وهذا ما يزيد في انتشار عدوى التهابات العيون والقرحات الفموية والحلأ البسيط (الهربس)، وإنتانات (عدوى) الجراثيم العنقودية، والأمراض الشائعة الأخرى.

- بالإضافة إلى ذلك تلعب مواد التجميل بحد ذاتها، وخاصة المحتوية منها على الدهون أو السوائل، دور الوسط الملائم لنمو الجراثيم ضمن العبوات بعد فتحها بمدة بسيطة (مثال: كريم الأساس، المسكرة، ملمع الشفاه).

ثانياً: المخاطر التالية (اللاحقة)
هناك مواد أربع أساسية تتواجد في معظم مستحضرات الزينة التقليدية، وهي phthalates, parabens, triclosan, and oxybenzone، وهذه المواد لها تأثير هرموني عابر للجلد، ويخشى من تداخلها الهرموني مع الهرمونات متغيرة المستوى في الأجساد النامية، وقد تم إثبات امتصاص هذه المواد الهرمونية عن طريق الجلد؛ حيث تم إخضاع مجموعات من الفتيات المراهقات اللواتي يستخدمن أنواعاً مختلفة من مواد التجميل للدراسة، وتحليل عينات البول الخاصة بهن، واكتشاف نسب عالية من هذه المواد في البول، مع انخفاض ملحوظ في نسبة هذه المواد في البول بالتحليل بعد أسبوع من التوقف عن وضع مواد التجميل.

وقد تم اقتراح بعض المخاوف من هذا التأثير الهرموني على الفتيات الصغيرات والمراهقات؛ لأنهن في طور النمو والتغيرات الهرمونية، كما عزت بعض الدراسات ارتفاع نسب حالات الاكتئاب بين المراهقات لازدياد مستويات هذه المواد في الدم، والمعروفة بصلتها بحدوث الاكتئاب.

وقد يقول قائل باستخدام ما يسمى المستحضرات الطبيعية والخالية من هذه المواد، وله نقول إنه بالإمكان انتقاء المستحضرات التي لا تتواجد ضمن مكوناتها (هذا في حال كتابتها على العبوة) مواد كالأوكسي بنزون والتركلوسان والبارابينز، ولكن ماذا بشأن مادة الفثاليتز حيث ليس شرطاً ملزماً التصريح عنها بالاسم لأنها تختبئ تحت كثير من المسميات العطرية.

الأمر المقلق والذي يجعلنا ندق جرس الإنذار، أن التجارب على الحيوانات وعلى رأسها الفئران أثبتت دور تلك المواد في تسريع نمو الأورام وانتشار الخلايا السرطانية، والتأثير على نوعية النطاف عند الذكور، وعلى تطور الأطفال والأجنة.

قد لا نمتلك في الوقت الحالي أدلة دامغة على جدية مخاوفنا من السرطان، ومشكلات الأجنة المرتبطة بمواد التجميل، وقد نحتاج إلى سنوات لإثبات ذلك عند الإنسان، لكن وببساطة نخشى إثبات ذلك متأخراً، لذا تبقى الوقاية الحل الوحيد الذي يمكن أن نمنحه للناس، والوقاية تبدأ من التوعية والله من وراء القصد.
آخر تعديل بتاريخ 10 أغسطس 2019

إقرأ أيضاً

استشارة الطبيب

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث أولا في المواد المنشورة على موقعنا عن إجابة لسؤالك.
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.
الحد الأقصى للسؤال 500 حرف
سيتم إظهار الاسم والسؤال عند النشر
اشترك بالنشرة البريدية

شركاؤنا

  • مؤسسة مايو كلينك
  • المعاهد الصحية الأمريكية