يُعد Postpartum Depression أو اكتئاب ما بعد الولادة من أكثر الاضطرابات النفسية شيوعًا لدى الأمهات بعد الإنجاب، إذ تمر المرأة خلال هذه المرحلة بتغيرات جسدية وهرمونية ونفسية كبيرة قد تؤثر في مشاعرها وصحتها النفسية. وبينما تشعر بعض الأمهات بالحزن أو الإرهاق المؤقت في الأيام الأولى بعد الولادة، قد تتطور الحالة لدى أخريات إلى اكتئاب حقيقي يستمر لأسابيع أو أشهر ويؤثر في قدرتهن على رعاية أنفسهن وأطفالهن. ويؤكد المختصون أن التشخيص المبكر والدعم النفسي والعائلي يلعبان دورًا أساسيًا في التعافي وتحسين جودة حياة الأم والأسرة.، وللحديث أكثر عن اكتئاب ما بعد الولادة التقينا بالسيدة دانييل كيني مؤسسة Placenta Plus التي حدثتنا عن أن الوعي المبكر، والدعم الاجتماعي من أبرز الأمور.
ما الذي ألهمكِ لتأسيس Placenta Plus بعد تجربتكِ الشخصية مع اكتئاب ما بعد الولادة؟
لم تكن Placenta Plus في البداية خطة عمل بالنسبة لي، بل كنت أرغب فقط في تغليف مشيمتي، لكنني لم أتمكن من العثور على خيار آمن لذلك. كان هناك العديد من “الشركات” عبر الإنترنت، لكن بعد التدقيق اكتشفت أنها غير طبية، بل تمثلها سيدات يعملن من مطابخ منازلهن. أختي الكبرى متخصصة في علم الأحياء الدقيقة، وقد حذرتني كثيرًا بشأن استخدام هذه الخدمات.
لذلك قررنا أنا وأختي أن نتعلم العملية بأنفسنا، ونقوم بتغليف المشيمة بطريقة آمنة، واعتقدت أن الأمر سينتهي عند هذا الحد. لكن بعد خمسة أسابيع من ولادة طفلي، سافرت في عطلة مع العائلة والأصدقاء، ولم يكن أحد يعلم أنني استخدمت حبوب المشيمة لتساعدني في التعافي من اكتئاب ما بعد الولادة.
خلال الرحلة، كانت إحدى صديقاتي حاملًا في شهرها السادس بطفلها الثاني، ولاحظت اختلافًا كبيرًا في حالتي مقارنة بتجربتي السابقة مع الولادة، فسألتني عمّا فعلته، فأخبرتها الحقيقة، وفورًا طلبت مني أن أقوم بالأمر نفسه لها. وافقت، لكنني طلبت منها ألا تخبر أحدًا.
بعد ذلك قمت بتغليف مشيمتها، وأُعجبت كثيرًا بالتجربة ونشرت عنها على إنستغرام، وبعد دقائق فقط تواصلت معي Coleen Rooney وطلبت مني تقديم الخدمة لها أيضًا. عندها فقط بدأت أرى أن هذا يمكن أن يكون مشروعًا حقيقيًا تحتاجه النساء.
كيف أثّرت رحلتكِ مع اكتئاب ما بعد الولادة على رسالة الشركة وقيمها؟
كانت تجربتي مع اكتئاب ما بعد الولادة مظلمة للغاية، ولم أدرك في البداية أنني أعاني منه إلا عندما وصلت إلى مرحلة صعبة جدًا نفسيًا. الصورة التي كنت أمتلكها عن الحالة كانت مستمدة فقط مما كنت أشاهده في التلفزيون.
لم أواجه أي مشكلة في الارتباط بطفلي، ولم يكن لدي صعوبة في إدارة المنزل أو الاهتمام بالجميع، وهي الصورة النمطية التي غالبًا ما يتم عرضها. لكن المشكلة الحقيقية كانت في علاقتي بزوجي ووالدتي وأخواتي وأصدقائي. كنت أشعر بالريبة تجاه الجميع، وكنت أعاني من الأرق رغم الإرهاق الشديد، كما أنني فقدت شهيتي للطعام.
لماذا تعتقدين أن اكتئاب ما بعد الولادة لا يزال يُكتشف متأخرًا لدى كثير من النساء؟
أعتقد أن اكتئاب ما بعد الولادة يتم تجاهله لأسباب عديدة، أولها ضعف التوعية بالأعراض الحقيقية للحالة، تمامًا كما حدث معي عندما كنت أمتلك صورة إعلامية غير واقعية عنه.
كما أن المجتمع اليوم أصبح أكثر انشغالًا، ولم يعد هناك ذلك “المجتمع الداعم” من الأهل وكبار السن كما في السابق. بالإضافة إلى ذلك، يخشى الكثيرون من مصارحة الأم الجديدة بأنها قد تكون مصابة باكتئاب ما بعد الولادة.
بعد تشخيصي، أخبرني الكثير ممن حولي أنهم كانوا يعلمون بوجود مشكلة، لكن لم يصارحني أحد بذلك. لذلك أؤمن بأننا بحاجة إلى دعم الأمهات نفسيًا بشكل أوضح وأكثر صراحة.
كيف تشرحين مفهوم “الثلث الرابع” لشخص غير ملم به؟
في طب الأمومة، تعتبر الأسابيع ال 12 الأولى بعد الولادة هي “الثلث الرابع”، وهي بالنسبة لي من أهم المراحل في حياة المرأة. فالأم لا تنسى أبدًا تلك الفترة؛ والطريقة التي تُعامل بها خلالها والدعم الذي تتلقاه يتركان أثرًا كبيرًا.
أقول دائمًا لصديقاتي إن الأمر يشبه تعلم المشي من جديد داخل حياة مختلفة تمامًا، وتعلم كيفية تحقيق التوازن مرة أخرى مع ضرورة التحلي باللطف تجاه النفس.
لماذا تُعد فترة “الثلث الرابع” مرحلة حاسمة في التعافي بعد الولادة؟
الدعم والحب والاهتمام خلال هذه المرحلة عواملُ أساسية مهمة تشكل تجربة الأمومة مستقبلًا. وإنَّ العزلة في هذه الفترة، قد تُشعِر الأم بأن الأمومة تجربة وحيدة، بينما الحقيقة ليست كذلك.
حتى لو شعرت الأم أحيانًا بالوحدة، فإن وجود شبكة دعم جيدة حولها يحدث فرقًا هائلًا. لذلك أرى أن التواجد بجانب الأم الجديدة أمر بالغ الأهمية، وكذلك مشاركة التجارب الحقيقية والأخطاء معها، لتشعر أن هناك من يقول لها: “أنا هنا لأجلك”. وهذا يخفف كثيرًا من العبء النفسي المرتبط بـ اكتئاب ما بعد الولادة.
ما الذي يجعل Placenta Plus مختلفة باعتبارها الشركة الوحيدة في الإمارات التي تقدم الخدمة داخل مختبر طبي؟
كوننا الشركة الوحيدة التي تقدم تغليف المشيمة داخل مختبر طبي في الإمارات هو أمر مهم للغاية بالنسبة لنا، لأننا ندرك أن هناك مجتمعًا ضخمًا من الأشخاص الذين يعيشون بعيدًا عن أوطانهم وعائلاتهم.
الكثيرون يأتون إلى الإمارات لتحقيق أحلامهم وتأسيس عائلاتهم، لكنهم لا يملكون دعم الأسرة الممتدة بالقرب منهم. بالنسبة لي، كان هذا مرتبطًا بشكل مباشر بخطر اكتئاب ما بعد الولادة، لذلك اخترنا الإمارات لتكون أول مختبر دولي لنا.
كنا نعلم أننا نستطيع دعم الأمهات الجدد بأكثر الطرق أمانًا واحترافية.
كيف تضمنون معايير السلامة والنظافة الطبية خلال عملية تغليف المشيمة؟
السلامة والنظافة أمران أساسيان بالنسبة لي، ولن أتنازل عنهما أبدًا. لذلك فإن التدريب المستمر لي وللفريق أمر ضروري جدًا. كما أننا نراجع الإجراءات باستمرار ونبحث دائمًا عن طرق لتحسين الخدمة.
ما التغيرات التي لاحظتِها في طريقة تعامل الأمهات الحديثات الولادة مع مرحلة التعافي بعد الولادة مقارنة بما كان عليه الوضع قبل عشر سنوات؟
أعتقد أن الأمهات اليوم أصبحن أكثر قوة في اتخاذ القرارات المناسبة لهن. سمعت مؤخرًا أمًا جديدة تقول إنها لن تستقبل أي زوار حتى تشعر بالاستقرار مع طفلها، وأعتقد أن هذا أمر رائع.
إحضار طفل جديد إلى المنزل قد يكون مرهقًا للغاية، ومع ذلك تشعر بعض الأمهات بضرورة استقبال الضيوف. لذلك، أرى أن الأمهات أصبحن قادرات على اتخاذ قرارات مبنية على راحة صحتهن النفسية والجسدية، وهذا يساعد في تقليل خطر اكتئاب ما بعد الولادة.
لماذا لا تزال الوصمة المرتبطة باكتئاب ما بعد الولادة موجودة حتى اليوم؟ وكيف يمكن تقليلها؟
أعتقد أن وصمة اكتئاب ما بعد الولادة لا تزال موجودة، لأنه كان يُقدَّم دائمًا على أنه دليل على أن المرأة “غير قادرة على التحمل”، بينما الحقيقة مختلفة تمامًا.
الأمر في الواقع مرتبط باختلال هرموني يحدث بعد الولادة مباشرة. فالمشيمة عضو مهم جدًا، والجسم يمدها بالكثير من الهرمونات طوال فترة الحمل لدعم نمو الطفل. وعندما تخرج المشيمة من الجسم بعد الولادة، يضطرب توازن الهرمونات بشكل كبير، وهنا قد يبدأ اكتئاب ما بعد الولادة.
لكن للأسف لا يتم شرح هذه الحقيقة للنساء بشكل كافٍ، لذلك تعاني كثيرات بصمت خوفًا من الأحكام الاجتماعية.
كيف يمكن لاتخاذ القرارات المبنية على المعرفة أن يمنح النساء القوة خلال رحلة التعافي بعد الولادة؟
اتخاذ قرارات واعية ومدروسة بشأن الحمل والولادة وما بعدهما أمر بالغ الأهمية، فهو يُشعر الأم بالقوة والثقة والراحة أثناء دخولها مرحلة الأمومة.
من وجهة نظركِ، ما أهمية الصحة النفسية مقارنة بالتعافي الجسدي بعد الولادة؟
بالنسبة لي، الصحة النفسية بعد الولادة هي الأهم على الإطلاق. أتذكر أن والدتي كانت تقول: “من السهل أن تُريحي ساقيكِ، لكن من الصعب أن تُريحي عقلكِ”، وهذه العبارة أثرت فيّ كثيرًا.
فخلال معاناتي مع اكتئاب ما بعد الولادة لم أكن أستطيع النوم، لأن عقلي كان يعمل بلا توقف. لذلك فإن الاهتمام بالصحة النفسية يساعد دائمًا في تحسين التعافي الجسدي أيضًا.
ما النصيحة التي تقدمينها للأمهات الجدد اللواتي لا يَحْظَيْنَ بالدعم الكافي أو يشعرن بالإرهاق الشديد خلال فترة ما بعد الولادة؟
أنصحهن بالبحث عن مجموعات الأمهات أو تجمعات الأطفال والتواصل مع أمهات يمررن بالتجربة نفسها. كما أنصحهنَّ بالتعبير عن مشاعرهنَّ للعائلة والأصدقاء بشفافية، لأنه أمر مهم جدًا.
في حياتنا السريعة اليوم قد لا يدرك الآخرون نوع الدعم الذي تحتاجه الأم الجديدة، لذلك من الضروري التحدث بصراحة. أنا شخصيًا أصبحت الشخص الذي يلجأ إليه الأصدقاء والعائلة للحديث عن مشكلاتهم، لأن تجربتي مع اكتئاب ما بعد الولادة علمتني أهمية التعبير عن المشاعر وعدم كبتها.
تعتبر Placenta Plus شركة بريطانية متخصصة في تغليف المشيمة (Placenta Encapsulation)، وهي ممارسة تتضمن طهي المشيمة وتجفيفها وطحنها ثم وضعها داخل كبسولات، لتتناولها بعض الأمهات بعد الولادة. وقد أطلقت الشركة خدماتها مؤخرًا في دولة الإمارات العربية المتحدة وتعاونت مع أكثر من 20 ألف عائلة. وهي الشركة الوحيدة في الإمارات التي تقدم خدمة تغليف المشيمة داخل مختبر طبي، مع التركيز على تقديم تجربة آمنة واحترافية خالية من التوتر للأمهات الجدد.
في ختام هذه المقابلة، يتضح أن تجربة ما بعد الولادة لا تقتصر على التعافي الجسدي فقط، بل تمتد لتشمل الجانب النفسي الذي قد يكون أكثر تأثيرًا على الأم. وتؤكد دانييل كيني أن الوعي المبكر، والدعم الاجتماعي، وفهم مرحلة الثلث الرابع بشكل صحيح، تلعب دورًا أساسيًا في الحد من آثار اكتئاب ما بعد الولادة وتحسين تجربة الأمومة.
وفي ظل تزايد الحديث عن الصحة النفسية للأمهات، تبرز أهمية كسر الصمت حول هذه المرحلة، وتشجيع النساء على طلب المساعدة دون خوف أو وصمة، لضمان بداية أكثر توازنًا وأمانًا لرحلة الأمومة.