كارولين يافي مستشارة ومعالِجة معرفية سلوكية في قسم علم النفس بمركز ميدكير الطبي في جميرا بدولة الإمارات العربية، تتحدث في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها الوطن العربي حاليًا عن اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، موضحةً الأعراض النفسية والجسدية وكيفية التعامل معها بطرق علمية حديثة لضمان التعافي النفسي المستدام.
في ظل الظروف التي نعيشها اليوم، كثيرًا ما نسمع مصطلح اضطراب ما بعد الصدمة ، كيف يمكن تبسيط هذا المفهوم لنا طبيًا؟ وكيف يختلف رد الفعل الطبيعي تجاه الحزن عن هذا الاضطراب؟
يُستخدم مصطلح اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) لوصف حالة نفسية قد تظهَر لدى الإنسان بعد تعرّضه لحدَث صادم أو مشاهدته. وبعبارات طبية مبسطة، يَحدث هذا الاضطراب عندما يستمر الدماغ في التفاعل وكأن الخطر لا يزال قائمًا، رغم انتهاء الحدث فعليًا. وينعكس ذلك في صورة ذكريات مزعجة متكررة، وحالة من التأهّب واليقظة الزائدة، وصعوبات على المستوى العاطفي.
أما الفرق بينه وبين الاستجابة الطبيعية للحزن، فيكمن في أن الحزن يُعد رد فعل إنساني طبيعي ومؤقت على الفقد أو الصدمة، وغالبًا ما يتراجع تدريجيًا مع مرور الوقت. في المقابل، يستمر اضطراب ما بعد الصدمة لفترة أطول ويؤثر بشكل ملحوظ على الحياة اليومية، ما يتطلب في كثير من الأحيان تدخلاً متخصصاً للمساعدة على التعافي.
أما الحزن، فيُعد استجابة طبيعية لفقدان شخص أو شيء عزيز. وقد يتجلى في مشاعر الحزن العميق والاشتياق والألم العاطفي، لكنه غالبًا ما يمر ضمن مسار تعافٍ تدريجي وشخصي يختلف من فرد إلى آخر. وعلى الرغم من أن الحزن قد يكون شديداً في بعض الأحيان، إلا أنه لا يرتبط عادةً بحالة خوف مستمرة أو ذكريات اقتحامية مزعجة أو سلوكيات تجنب حادة، وهي السمات التي تميّز اضطراب ما بعد الصدمة.
وفي حين أن كلا التجربتين تُعدّان إنسانيتين ومشروعَتين، فإن اضطراب ما بعد الصدمة يتميّز بنمط محدد من الأعراض التي قد تتداخل بشكل ملحوظ مع قدرة الفرد على ممارسة حياته اليومية.
ما هي "العلامات الحمراء" التي إذا ظهَرت على الشخص بعد تعرضه لحَدَث قاسي، يمكننا القول إنه يعاني فعليًا من اضطراب ما بعد الصدمة وليس مجرد ضيق مؤقت؟
هناك بعض العلامات التي قد تشير إلى الحاجة للحصول على دعم متخصص، من بينها تكرار الذكريات الاقتحامية أو استرجاع الحدَث بشكل مفاجئ (فلاش باك)، والكوابيس المرتبطة بالصدمة، إضافة إلى ردود فعل عاطفية أو جسدية قوية عند التذكير بالحادثة. كما يُعد تجنّب الأماكن أو الأحاديث أو المواقف المرتبطة بالصدمة أمرًا شائعًا أيضًا.
تشمل المؤشرات التحذيرية الأخرى حالة من اليقظة المفرطة المستمرة، وصعوبة في النوم، وسرعة الانفعال، ومشكلات في التركيز، أو الشعور بالانفصال عن الآخرين. وعندما تستمر هذه الأعراض لأسابيع أو أشهر وتبدأ في التأثير على العمل أو العلاقات أو الحياة اليومية، فقد تكون دلالة على اضطراب ما بعد الصدمة، وليس مجرد توتر عابر قصير الأمد.
هل يقتصر اضطراب ما بعد الصدمة على الحروب والكوارث الكبرى فقط، أم أن هناك حوادث "يومية" قد تؤدي للإصابة به دون أن ندرك؟
لا يقتصر اضطراب ما بعد الصدمة على الأحداث الواسعة النطاق مثل الحروب أو الكوارث الطبيعية، بل يمكن أن يتطور نتيجة طيف واسع من التجارب الصادمة، بما في ذلك حوادث السير، أو الحالات الطبية الطارئة، أو الاعتداءات، أو الإساءة، أو حتى مشاهدة أحداث مفاجئة ومزعجة.
وقد تكون بعض المواقف التي تبدو عادية للآخرين صادمة بشكل عميق لشخص ما، وذلك تبعًا لتجربته الشخصية ومدى تأثيرها العاطفي عليه. ويرتبط هذا الاضطراب بدرجة الإحساس بالخطر والتهديد أكثر من ارتباطه بحجم الحدث نفسه.
ما الذي يَحدث داخل دماغ وجسد المصاب بحالة اضطراب ما بعد الصدمة ؟ وهل صحيح أن الجسد "يخزّن" الصدمة حتى لو حاول العقل نسيانها؟
يؤثر اضطراب ما بعد الصدمة على نظام الاستجابة للتوتر في الدماغ، حيث تصبح المناطق المسؤولة عن الخوف واكتشاف التهديد أكثر نشاطاً من المعتاد، في حين قد تتأثر المناطق المرتبطة بمعالجة الذاكرة وتنظيم المشاعر وتعمل بشكل مختلف. ونتيجة لذلك، يبقى الجسم في حالة تأهّب واستنفار مستمرين.
أما فكرة أن الجسم “يخزّن” الصدمة، فهي تعبير مجازي يُستخدم لوصف الكيفية التي يمكن أن تستمر بها آثار الصدمة في الظهور على شكل استجابات جسدية ونفسية، حتى بعد انتهاء الحدَث، نتيجة بقاء الجهاز العصبي في حالة استعداد دائم.
عندما يقول البعض إن الجسم “يخزّن” الصدمة، فإنهم يقصدون بذلك وصف حالة الاستجابة المستمرة للتوتر. إذ قد يستمر الدماغ والجهاز العصبي في التفاعل وكأن الخطر لا يزال قائمًا، حتى في بيئات آمنة.
وعلى الرغم من أن الذكريات لا يمكن محوها ببساطة، فإن الدماغ يمتلك قدرة كبيرة على التعافي والتكيّف من خلال العلاج المناسب والدعم النفسي الملائم.
لماذا قد تظهَر أعراض اضطراب ما بعد الصدمة بعد مرور سنوات على الحادثة الأصلية؟ وكيف يؤثر هذا التأخير على رحلة العلاج؟
قد تظهَر الأعراض في بعض الأحيان بشكل متأخر نتيجة التعرّض لضغوط حياتية جديدة، أو محفزات تذكّر بالحدَث الصادم، أو بسبب تغيّرات تدريجية في قدرة الفرد على التكيّف. ففي بعض الحالات، قد يتمكن الشخص في البداية من التعامل مع التجربة بشكل جيد، لكن الأعراض تبدأ بالظهور عندما تتعرّض مرونته النفسية لضغط متزايد.
أما من ناحية العلاج، فإن ظهور الأعراض المتأخر لا يقلل من فرص التعافي، بل يؤكد على أهمية التدخل المهني المناسب، حين يمكن من خلال الدعم النفسي والعلاجي مساعدة الفرد على فهم استجاباته وإعادة بناء آليات التكيّف بشكل صحي.
ظهور الأعراض بشكل متأخر لا يقلل من فعالية العلاج. ففي الواقع، يلجأ العديد من الأشخاص إلى طلب المساعدة بعد سنوات من التعرّض للصدمة، ومع ذلك يحققون تحسنًا ملحوظًا. كما أن إدراك ارتباط هذه الأعراض بتجربة سابقة غالبًا ما يمنح شعورًا بالوضوح والارتياح، ويُعد خطوة أساسية ومهمة في مسار التعافي.
ما هي أبرز البرامج العلاجية المتبعة حاليًا للتعامل مع اضطراب ما بعد الصدمة؟ وهل العلاج الدوائي ضرورة لا غنى عنها أم أن العلاج السلوكي يكفي؟
يرتكز علاج اضطراب ما بعد الصدمة بشكل أساسي على العلاج النفسي. وتُعد العلاجات الموجهة للصدمة، مثل العلاج السلوكي المعرفي (CBT) وعلاج إزالة التحسس وإعادة المعالجة بحركات العين (EMDR)، من أكثر الأساليب استخدامًا والمدعومة بأدلة علمية. وتساعد هذه الأساليب الأفراد على معالجة الذكريات الصادمة بطريقة منظمة وفي بيئة داعمة وآمنة.
قد تكون الأدوية مفيدة في بعض الحالات، لا سيما عندما تكون الأعراض مثل القلق أو الاكتئاب أو اضطرابات النوم شديدة ومؤثرة. ومع ذلك، فهي ليست ضرورية في جميع الحالات، إذ يحقق العديد من الأفراد تحسنًا ملحوظًا من خلال العلاج النفسي وحده، بينما يستفيد آخرون من الجمع بين العلاجين. وفي جميع الأحوال، يتم تصميم خطة العلاج بشكل فردي بما يتناسب مع احتياجات كل شخص وظروفه الخاصة.
كيف يمكن لعائلة وأصدقاء المصاب بـاضطراب ما بعد الصدمة تقديم الدعم الحقيقي له دون الضغط عليه أو إشعاره بـ "الوصمة" النفسية؟
يكون الدعم الأكثر فاعلية عندما يتسم بالصبر والاحترام وخلوّه من الأحكام المسبقة. فإتاحة المجال للشخص للتعبير عن مشاعره وفق وتيرته الخاصة، دون إجباره على الخوض في تفاصيل التجربة الصادمة، يساهم في خَلق شعور بالأمان. كما أن الاستماع بهدوء وتقدير تجربته دون التقليل من شأنها غالبًا ما يكون أكثر أهمية من محاولة تقديم حلول فورية.
كما يمكن أن يساهم الدعم العملي، مثل المساعدة في المهام اليومية عند الحاجة، في تخفيف مستويات التوتر. ويُعد التشجيع اللطيف على طلب المساعدة المتخصصة، دون إلحاح أو ضغط، عاملًا مهمًا يُحدث فرقًا حقيقيًا. كذلك فإن الحفاظ على الروتين اليومي الطبيعي، والتعامل مع الشخص بكرامة واحترام، يساعدان في الحد من مشاعر العزلة أو الوصمة.
هل يمكن الشفاء تمامًا من اضطراب ما بعد الصدمة ؟ وما هي نصيحتكم للأشخاص الذين يعيشون في بيئات غير مستقرة لتعزيز مرونتهم النفسية؟
يحقق العديد من الأفراد تعافيًا ملحوظًا من اضطراب ما بعد الصدمة، لا سيما عند الحصول على الدعم المبكر والعلاج المناسب. ورغم أن بعض الأشخاص قد يواجهون تذكيرات متقطعة بالتجربة الصادمة، فإن هذه الأعراض يمكن أن تتراجع بشكل كبير، كما يمكن أن تتحسن جودة الحياة بصورة لافتة. ويُعد التعافي هدفاً واقعياً وقابلاً للتحقيق بالنسبة لكثيرين.
وفي البيئات التي تتسم باستمرار الضغوط، يمكن أن يساهم تعزيز المرونة النفسية في التخفيف من التأثيرات السلبية. ويشمل ذلك الحفاظ على الروابط الاجتماعية، والحرص على النوم المنتظم، وممارسة النشاط البدني، وطلب الدعم في وقت مبكر. كما أن تبنّي تقنيات السيطرة على التوتر، واللجوء إلى المساعدة المتخصصة عند الحاجة، يعززان الصحة النفسية على المدى الطويل. كذلك تلعب المجتمعات الداعمة والحوار المفتوح حول الصحة النفسية دورًا محوريًا في ترسيخ هذه المرونة.
كارولين يافي، مستشارة ومعالِجة معرفية سلوكية في قسم علم النفس بمركز ميدكير الطبي في جميرا. وقد حصلت على بكالوريوس الآداب من كلية إيميرسون في بوسطن، ودرجة الماجستير في العمل الاجتماعي من كلية ويلوك للتعليم والتطور البشري بجامعة بوسطن، في بوسطن، وشهادة في العلاج المعرفي السلوكي والتقييم والعلاج للصدمة النفسية، من جامعة بوسطن في بوسطن.
وقد أمضَت يافي سنوات مسيرتها المهنية المبكرة في تقديم المشورة والتدخل في الأزمات للمراهقين الذين كانوا في حاجة إلى عناية خاصة بسبب الصعوبات الانفعالية، والتغيب عن الدراسة، والفشل الدراسي، ومواجهة السلوكيات المسيئة لفظيًا وبدنيًا. وعملت في البداية أخصائية اجتماعية سريرية ثم معالِجة نفسية في منشآت متنوعة بالولايات المتحدة.
وبعد انتقالها إلى دبي، أمضَت فترة من الوقت كاستشارية سلوكية في مركز دوريس دوان-يونغ وخدمات كيدز إن موشن لعلاج الأطفال. وهي تتمتع بخبرة كبيرة في تقديم التقييمات السريرية والمشورة للبالغين والأطفال والمراهقين من خلفيات ثقافية واجتماعية واقتصادية متنوعة.



