صحــــتك

د. خالد الصفار: عواصف الدماغ.. كيف نفهم الصرع ونروض نوباته؟

إعداد وتحرير
د. خالد الصفار يتحدث عن الصرع
د. خالد الصفار يتحدث عن الصرع

ما الذي يحدث فعلياً داخل الدماغ أثناء  نوبة الصرع ؟ كيف تطورت خطط العلاج الحديثة؟ وهل يمكن لمريض الصرع أن يحيا حياة طبيعية كغيره؟ في حوار خاص يحدثنا د. خالد الصفار ، اختصاصي  الأمراض العصبية عن مرض الصرع .

ما هو الصرع ؟ ما هي أنواعه.. وماذا عن أسبابه المعروفة؟

الصرع هو اضطراب عصبي مزمن يتميز بوجود قابلية لحدوث نوبات متكررة غير مُحفَّزة. وينتج عن نشاط كهربائي غير طبيعي مفرط في الدماغ. ولا تعني الإصابة بنوبة واحدة بالضرورة وجود مرض الصرع؛ إذ يتطلّب التشخيص عادةً حدوث نوبتين أو أكثر غير مُحفَّزتين، يفصل بينهما أكثر من 24 ساعة.

تنقسم أنواع الصرع (أنواع النوبات) إلى ثلاثة أقسام رئيسية، وهي: النوبات البؤرية (الجزئية)، التي تبدأ في منطقة واحدة من الدماغ، وقد تكون مع احتفاظ المريض بالوعي أو مع اضطراب الوعي، وقد تنتشر أحيانًا لتتحول إلى نوبات توترية رمعية ثنائية الجانب. والنوبات المعمَّمة التي تصيب نصفَي الدماغ منذ بدايتها، وتشمل النوبات التوترية الرمعية (التشنجية الاختلاجية)، ونوبات الغياب التي تظهر بشكل شرود قصير مفاجئ، والنوبات الرمعية العضلية التي تظهَر بشكل حركات ارتعاشية مفاجئة، إضافة إلى النوبات التوترية أو الارتخائية التي قد تؤدي إلى السقوط المفاجئ.

أما النوع الثالث فهو النوبات ذات البداية غير المعروفة، حينما لا يكون من الممكن تحديد نقطة انطلاق النوبة بشكل واضح. تشمل أسباب الصرع مجموعة من العوامل المحتملة، من بينها الاستعداد الوراثي، وأورام الدماغ، والسكتة الدماغية، وإصابات الرأس، والتهابات الدماغ مثل التهاب السحايا أو التهاب الدماغ، إضافة إلى التشوهات الخَلقية في الدماغ، والاضطرابات الأيضية (الاستقلابية). ومع ذلك، في العديد من الحالات لا يمكن تحديد سبب واضح للإصابة، ويُعرف هذا النوع بالصرع المجهول السبب.

 

حدّثنا عن أعراض الصرع

تختلف أعراض الصرع باختلاف نوع النوبة، إلا أنها قد تشمل فقدانًا مفاجئًا للوعي، أو حدوث تشنجات وتيبس في الجسم، أو نوبات شرود قصيرة، أو حركات ارتعاشية مفاجئة في الأطراف. كما قد يعاني المريض من الارتباك أو التشوش الذهني بعد انتهاء النوبة. وفي حالات النوبات التوترية الرمعية، قد يحدث عضّ للسان أو فقدان السيطرة على المثانة.

 

كيف يمكن تشخيص الصرع ؟

يُشخَّص الصرع استنادًا إلى عدة عوامل أساسية، تبدأ بأخذ تاريخ طبي مفصل يتضمن وصفًا دقيقًا للنوبات من قِبل المريض أو الشهود، يليه إجراء فحص عصبي شامل. كما يُستخدم تخطيط كهربائية الدماغ (EEG) للكشف عن أي نشاط كهربائي غير طبيعي في الدماغ. ويُعد التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) الخيار المفضل لتحديد الأسباب البنيوية أو الهيكلية المحتملة في الدماغ. بالإضافة إلى ذلك، تُجرى تحاليل الدم لاستبعاد الأسباب الأيضية أو الاضطرابات الأخرى التي قد تؤدي إلى حدوث النوبات.

 

ما هو الفرق الجوهري بين "نوبة الصرع" و"مرض الصرع"؟

النوبة الصرَعية هي حدث سريري واحد يحدث بشكل مفاجئ ومؤقت نتيجة نشاط كهربائي غير طبيعي في الدماغ. أما الصرع فهو حالة طبية مزمنة تتمثل في وجود قابلية مستمرة لتكرار نوبات صرَعية غير مُحفَّزة. وبعبارة مبسطة: النوبة هي واقعة أو حدث عابر، بينما الصرع هو مرض يتسم بتكرار هذه النوبات.

يمكن أن يتعرض الشخص لنوبة صرعية واحدة دون أن يعني ذلك إصابته بالصرع، إذ إن حدوث نوبة واحدة لا يكفي لتشخيص المرض. أما الصرع فيشير إلى وجود استعداد مستمر ومتكرر لحدوث نوبات صرعية في المستقبل.

 

ما هي التصرفات "المنقِذة" التي يجب فعلها (والتي يجب تجنبها) عند رؤية شخص يصاب بنوبة صرع؟

عند حدوث نوبة صرعية، من المهم التحلي بالهدوء وملاحظة وقت بدء النوبة. وإذا لزم الأمر، ساعد الشخص برفق على الاستلقاء على الأرض لتجنب تعرضه للإصابة، ثم قم بإدارته على جانبه لتسهيل التنفس ومنع الاختناق. احرص على حماية رأسه بوضع شيء ناعم تحته، وأبعد أي أجسام صلبة أو خطرة من محيطه، مع فكّ الملابس الضيقة خاصة حول الرقبة. ابقَ إلى جانبه ولا تتركه بمفرده حتى يستعيد وعيه بالكامل ويعود إلى حالته الطبيعية.

يجب الاتصال بخدمات الطوارئ فوراً إذا استمرت النوبة لأكثر من خمس دقائق، أو إذا تكررت النوبات دون أن يستعيد الشخص وعيه بينها، أو إذا كانت هذه هي النوبة الأولى التي يتعرض لها. كما ينبغي طلب المساعدة الطبية العاجلة في حال وجود إصابة ناتجة عن النوبة، أو إذا كانت المصابة حاملاً، أو إذا كان المريض يعاني من مرض السكري، أو ظهرت عليه صعوبة في التنفس.

خلال النوبة الصرعية، تجنّب تماماً وضع أي شيء في فم المصاب، ولا تحاول تقييده أو تثبيته بالقوة، كما يجب عدم إعطائه طعاماً أو شراباً قبل أن يستعيد وعيه بالكامل. وتجدر الإشارة إلى أن معظم النوبات تتوقف تلقائياً خلال دقيقة إلى دقيقتين، ويقتصر دورك على حماية الشخص من الإصابة والأذى والتأكد من بقاء مجرى التنفس مفتوحاً إلى أن تنتهي النوبة ويستعيد وعيه بأمان.

 

هل تقتصر نوبات الصرع على التشنج الحركي فقط، أم أن هناك أشكالاً "خفية" للنوبات؟

لا تقتصر النوبات الصرعية على التشنجات الظاهرة فقط. فبينما تسبب بعض النوبات ظهور حركات ارتجاجية اختلاجية واضحة في الجسم (كما في النوبات التوترية الرمعية)، فإن هناك أنواعاً أخرى تكون غير تشنجية وقد تبدو “خفية” أو أقل وضوحاً، فقد تظهر على شكل نوبات تحديق قصيرة، أو فقدان مفاجئ للاستجابة، أو ارتباك وسلوك غير معتاد، أو حركات ارتجافية مفاجئة في أحد الأطراف، أو حتى أحاسيس غريبة مثل شمّ روائح غير موجودة، أو شعور مفاجئ بالخوف، أو الإحساس بحدوث هذا الموقف من قَبل (ديجافو).

قد تكون بعض النوبات الصرعية خفية ودقيقة في مظاهرها، لدرجة أنه قد يسهل الخلط بينها وبين أحلام اليقظة أو التغيّرات السلوكية العابرة.

 

ما هي أبرز "المحفزات" التي قد تؤدي لظهور النوبة لدى مريض الصرع؟

تشمل العوامل التي قد تزيد من احتمالية حدوث النوبات الصرعية لدى بعض المرضى ما يلي: عدم الالتزام بتناول الأدوية المضادة للتشنجات أو تفويت الجرعات، وقلة النوم أو الحرمان منه، والتعرض لإجهاد بدني أو ضغوط نفسية شديدة، إضافة إلى الحمى أو الالتهابات. كما يمكن أن تؤدي الأضواء الساطعة أو الوميض المتكرر إلى تحفيز النوبات لدى المصابين بالصرع الحساس للضوء، فضلاً عن الإفراط في تناول الكحوليات أو التوقف المفاجئ عنها. كذلك قد تلعب التغيرات الهرمونية، مثل تلك المرتبطة بالدورة الشهرية، دوراً في زيادة قابلية حدوث النوبات، إلى جانب انخفاض مستوى السكر في الدم.

ليس لدى جميع الأشخاص محفزات واضحة، لكن تجنب المحفزات الشخصية المعروفة يساعد في تقليل احتمال حدوث النوبات.

 

هل من مضاعفات؟

يمكن أن يرتبط الصرع بعدد من المضاعفات المحتملة، من بينها: الإصابات أثناء النوبات (مثل السقوط أو الحروق أو الحوادث)، وحالة الصرع المستمر (نوبة مطوّلة تستمر لأكثر من 5 دقائق)، والموت المفاجئ غير المتوقع في الصرع (SUDEP)، وصعوبات في الذاكرة أو التركيز، إضافة إلى القلق أو الاكتئاب، وكذلك القيود الاجتماعية والمهنية.

 

هل يمكن لمريض الصرع ممارسة حياة طبيعية (زواج، عمل، رياضة)؟

نعم. يمكن لمعظم الأشخاص المصابين بالصرع أن يعيشوا حياة طبيعية ومنتجة، بما في ذلك الزواج والعمل وممارسة الرياضة — خاصة عندما تكون النوبات تحت سيطرة جيدة.

الزواج والحياة الأسرية: لا يمنع الصرع الزواج أو إنجاب الأطفال. ومع الرعاية الطبية المناسبة، يمكن لمعظم النساء المصابات بالصرع أن يحظينَ بحمل طبيعي.

العمل: يعمل العديد من الأشخاص بنجاح في مجموعة واسعة من المهن. وقد تفرض بعض الوظائف الحساسة من ناحية السلامة قيوداً، وذلك بحسب مدى السيطرة على النوبات.

الرياضة: تُعدّ معظم الرياضات آمنة ومُستحسنة، بل إن ممارسة التمارين بانتظام يمكن أن تُحسّن الصحة العامة والرفاهية. ومع ذلك، قد تكون هناك حاجة لاتخاذ احتياطات في الأنشطة ذات المخاطر العالية (مثل السباحة بمفردك أو التسلق في أماكن مرتفعة).

ومع العلاج المناسب، والالتزام بتناول الأدوية، واتباع نمط حياة صحي، والمتابعة الطبية المنتظمة، فإن غالبية المرضى يعيشون حياة كاملة ومستقلة.

 

متى نعتبر نوبة الصرع حالة طارئة تستدعي الاتصال بالإسعاف فوراً؟

يجب اعتبار النوبة حالة طبية طارئة في الحالات التالية: إذا استمرت لأكثر من خمس دقائق، أو تكررت النوبات دون استعادة كاملة للوعي بينها، أو كانت هذه هي النوبة الأولى في حياة الشخص، أو إذا لم يستعِد المصاب وعيه أو تنفسه الطبيعي بعد انتهاء النوبة، أو في حال حدوث إصابة خطيرة أثناء النوبة، أو إذا وقعت النوبة في الماء، أو إذا كان الشخص حاملاً أو مصاباً بالسكري، أو يعاني من حالة طبية خطيرة.

 

ما هي آخر التطورات العلاجية؟ وهل "الشفاء التام" ممكن أم أن الهدف هو التحكم فقط؟

يتمثل الهدف الرئيسي لعلاج الصرع اليوم في السيطرة على النوبات بشكل آمن وتحسين جودة الحياة. يتناول معظم المرضى أدوية مضادة للنوبات، وقد يستفيد بعضهم من العلاجات الغذائية أو الجراحة. وتشمل التطورات الأحدث أدوية موجَّهة بدقة، وأجهزة لتحفيز الدماغ، وتقنيات تصوير متقدمة لاستهداف النوبات بشكل أكثر فعالية. وفي حالات نادرة، قد تؤدي الجراحة أو العلاج المبكر لدى الأطفال إلى تحرر طويل الأمد من النوبات، إلا أنه لا يوجد حتى الآن علاج شافٍ شامل. ولا تزال الأبحاث مستمرة في مجال العلاجات الجينية والعلاجات المُعدِّلة لمسار المرض، مما يمنح أملاً للمستقبل.

 

هل من أنواع حمية او غذاء هو الأفضل لمرضى الصرع؟

نعم. يمكن لبعض الأنظمة الغذائية أن تساعد في السيطرة على النوبات لدى بعض الأشخاص المصابين بالصرع، خاصة عندما لا تكون الأدوية وحدها فعّالة بشكل كامل.

الأنظمة الغذائية الرئيسية:

  1. النظام الغذائي الكيتوني: نظام عالي الدهون ومنخفض جداً بالكربوهيدرات.
    يُجبر الجسم على استخدام الدهون كمصدر للطاقة (حالة الكيتوزية)، مما قد يُقلل من النوبات.
    يُستخدم غالباً لدى الأطفال، وأحياناً لدى البالغين تحت إشراف طبي.
  2. نظام أتكنز المعدّل: أقل صرامة من النظام الكيتوني، منخفض الكربوهيدرات مع السماح بكمية أكبر من البروتينات.
  3. علاج المؤشر الجلايسيمي المنخفض: يركّز على الكربوهيدرات التي تُطلق الطاقة ببطء للمساعدة في استقرار مستوى السكر في الدم.

يجب البدء بهذه الحميات الغذائية فقط تحت إشراف طبي مباشر، وبمتابعة اختصاصي تغذية لديه خبرة في التعامل مع حالات الصرع. كما أن اتباع نمط غذائي صحي ومتوازن، والالتزام بمواعيد وجبات منتظمة، والحفاظ على ترطيب الجسم، يُساهم في دعم صحة الدماغ بشكل عام.

 

د. خالد الصفار هو اختصاصي في قسم الأمراض العصبية في مستشفى ميدكير، الصفا. أكمل بكالوريوس الطب والجراحة، وحصل بعد ذلك على دبلوم في الطب، ثم درجة علمية في الطب الباطني، من جامعة بغداد بالعراق. وهو عضو كلية الطب بجامعة بغداد

يحمل درجة عليا ويشغل منصب عضو في الهيئة العراقية للاختصاص في علم الأعصاب. بالإضافة إلى ذلك، فقد كان عضوًا في الأكاديمية الأمريكية لعلم الأعصاب منذ عام 2005.

مارس د. خالد الصفار الطب، بما لديه من خبرة واسعة تتجاوز 40 عامًا، في العديد من المستشفيات المرموقة في العراق والشرق الأوسط. تخصص في تشخيص وعلاج اضطرابات الجهاز العصبي، بما في ذلك أمراض الدماغ والحبل الشوكى والأعصاب والعضلات مثل السكتة الدماغية والصرع وأنواع الصداع المختلفة ومرض الزهايمر. تمكّن من علاج مرضى يعانون من اضطرابات تؤثر على الدماغ والحبل الشوكى والأعصاب مثل مرض التصلب المتعدد والصداع النصفي والمرض المُزيل للمَيالين والورم الدماغي الحميد (ارتفاع ضغط الدم داخل الجمجمة مجهول السبب) والإعتلال العصبي السكري المؤلم، و المضاعفات العصبية التي تحدث نتيجة ارتفاع ضغط الدم وغيرها من العلل المرَضية بما في ذلك، إصابات الجهاز العصبي المركزي. ومن بين أشهر التقنيات والجراحات التي يستخدمها د. الصفار في العلاج هي: الجهد البصري المحرّض ودراسة التوصيل العصبي والتخطيط الكهربائي للدماغ.

آخر تعديل بتاريخ
19 مارس 2026
يرجى تحديد خانة الاختيار "التعليق كضيف" إذا كنت تفضل عدم تقديم اسمك وبريدك الإلكتروني.
Consultation form header image

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك الآن

 

  • ابحث على موقعنا عن إجابة لسؤالك، منعا للتكرار.
  • اكتب بريدك الإلكتروني الصحيح (الإجابة ستصلك عليه).
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • لن يتم إظهار اسمك عند نشر السؤال.

 

Age gender wrapper
Age Wrapper
الجنس
Country Wrapper

هذا الموقع محمي بواسطة reCaptcha وتنطبق عليه سياسة غوغل في الخصوصية و شروط الخدمة

This site is protected by reCAPTCHA and the GooglePrivacy Policy and Terms of Service apply.