حوار مع الدكتورة لورين لاكاسينغ ، مؤلفة كتاب: "تقديم الحقيقة: لماذا تعاني خدمات رعاية الأمومة في هيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS) من الخلل؟ وكيف يمكن إصلاحها؟
يُوصف تقرير أوكندن بأنه أكبر مراجعة لخدمات رعاية الأمومة في تاريخ هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية (NHS). برأيك, ما هي أبرز نتائج هذا التقرير؟ وما أهميتها؟
في الواقع، لم يأتِ التقرير بجديد يُذكر، لكن إحدى النتائج اللافتة كانت رفض مسؤولين تنظيم الخدمات الخضوع للاستجواب. وتكمن أهمية ذلك في أن هؤلاء بصفتهم قادة، هم من يضعون أجندة العمل ويحددون أولويات الخدمة، كما وأنهم هم من يصدرون التوجيهات التي يلتزم العاملون في الخطوط الأمامية بتنفيذها.
ذكرت أن من حق الأمهات الشعور بالغضب، لكن هذا الغضب غالبًا ما يُوجَّه إلى الطرف الخطأ. فمن يجب أن يتحمل المسؤولية برأيك؟ ولماذا؟
الأزمة متعددة العوامل، ولا يمكن اختزالها في سبب واحد. فهي تشمل ضعف الاستعداد قبل الحمل، والرسائل غير الواقعية حول الولادة، والمعلومات المضللة المنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتجزؤ مسارات الرعاية، ونقص الكوادر الطبية ذات الخبرة في الخطوط الأمامية، إضافة إلى سوء تنظيم الخدمات الصحية.
لماذا ترين أن التركيز على أخطاء الأطباء أو الحوادث الفردية قد يحجب النظر عن المشكلات البنيوية الأعمق في خدمات رعاية الأمومة؟
تنشأ كثير من المشكلات بسبب الضغط على العاملين في القطاع الصحي لدفعهم إلى تنفيذ توجيهات وزارة الصحة والرعاية الاجتماعية البريطانية (DHSC)، وهيئة الخدمات الصحية الوطنية في إنجلترا (NHS England)، أو هيئة جودة الرعاية (CQC). بالتالي تُقدم الخدمات لغايات تحقيق الارقام والحصول على التقييمات، بدلًا من الارتكاز على النتائج السريرية الفعلية. عندما تكون الغاية هي الأرقام تتشوه الأولويات وتكثر الممارسات الغير سليمة، لذلك فإن المشكلة تكمن في النظام نفسه، وليس في الأفراد الذين يعملون داخله.
تؤكدين في كتابك أهمية الرعاية الصحية قبل الحمل. كيف يؤثر غياب هذه الرعاية على صحة الأم والطفل؟
النساء اللواتي يتمتعن بصحة جيدة، ويحافظن على وزن صحي، ويلتزمن بالأدوية والمكملات الغذائية، ويخططن للحمل مسبقًا، يحققن نتائج أفضل بكثير. لكن المشكلة الحالية تكمن في غياب نظام متكامل يدعم النساء لتحقيق هذه الاستعدادات قبل الحمل.
إلى أي مدى يمكن إرجاع أزمة خدمات رعاية الأمومة الحالية إلى تأخر النساء في بدء تلقي الرعاية خلال الحمل؟ وما الذي يمكن فعله لتشجيعهن على بدء متابعة الحمل في وقت مبكر؟
نحتاج إلى تحسين الرسائل التوعوية الموجهة للنساء حول الصحة الإنجابية عمومًا، والرعاية ما قبل الحمل على وجه الخصوص، وهو ما نسعى إلى تعزيزه من خلال مراكز صحة المرأة.
يعتقد كثيرون أن نقص التمويل هو السبب الرئيسي لأزمة خدمات رعاية الأمومة في هيئة الخدمات الصحية الوطنية. لماذا تعتقدين أن المشكلة أكثر تعقيدًا من مجرد نقص التمويل؟
التمويل ليس المشكلة على الإطلاق، وإنما تكمن المشكلة في كيفية إنفاق الأموال. فجزء كبير من الموارد يذهب الى مختصين سريريين يشغلون وظائف إدارية، وعدة مستويات بيروقراطية، والانشغال المفرط باستيفاء المتطلبات الإدارية، وإعداد عدد لا ينتهي من التقارير، وإدارة الشكاوى، وغيرها. وفي المقابل، لا يصل سوى جزء ضئيل من هذه الموارد إلى العاملين في الخطوط الأمامية الذين يقدمون الرعاية المباشرة للمرضى. وعلى الرغم من الزيادات الكبيرة في التمويل التي شهدتها المنظومة الصحية على مدى عقود، فإن جودة الرعاية لا تزال تتراجع.
كيف تؤثر قصر مدة المواعيد الطبية وتزايد الأعباء الإدارية في جودة وسلامة خدمات رعاية الأمومة؟
لأنها تنقل العاملين الصحيين من الخطوط الأمامية لتقديم الرعاية إلى وظائف مكتبية وإدارية.
ما الدور الذي تؤديه وسائل التواصل الاجتماعي والمعلومات الصحية المتداولة عبر الإنترنت في تشكيل توقعات النساء وقراراتهن خلال الحمل والولادة؟
تؤثر هذه المنصات بدرجة كبيرة، لكنها قد تكون شديدة الخطورة، لأن معظم محتواها يستند إلى تجارب شخصية وليس إلى أدلة علمية. وقد تدفع بعض النساء إلى فقدان الثقة بالمتخصصين الصحيين، واتخاذ قرارات علاجية أو خطط ولادة قد لا تكون مناسبة لحالتهن الطبية.
هل تعتقدين أن الصورة المثالية المتداولة عن "الولادة المثالية" خلقت توقعات غير واقعية قد تتعارض أحيانًا مع الحقائق الطبية؟
نعم.
كيف يمكن للعاملين في الرعاية الصحية تحقيق التوازن بين احترام خيارات المرأة أثناء الولادة، والتدخل الطبي عند حدوث مضاعفات؟
حق المرأة في اختيار الطريقة التي ترغب في الولادة بها حق أساسي. ويقتصر دور الفريق الطبي على تقديم المشورة، بينما تبقى مهمته النهائية دعم اختياراتها.
ما أبرز أوجه القصور في رعاية ما بعد الولادة، خاصة فيما يتعلق بالصحة النفسية للأم والتعافي بعد الإنجاب؟
تعاني خدمات الصحة النفسية المختصة بفترة الحمل والولادة من ضغط كبير، وهناك حاجة فعلية إلى تعزيزها. لكن كثيرًا من النساء اللواتي يواجهن صعوبات نفسية بعد الولادة كن يعانين بالفعل من اضطرابات نفسية سابقة للحمل، ما يعني أن المشكلة تمتد إلى ما هو أبعد من خدمات رعاية الأمومة وحدها.
لو أتيحت لك فرصة تنفيذ ثلاثة إصلاحات فورية لتحسين خدمات رعاية الأمومة وتعزيز سلامة المرضى، فما هي؟
1. مراجعة المهام الوظيفية لجميع العاملين الصحيين المؤهلين سريريًا الذين يشغلون وظائف غير سريرية.
2. إلغاء أنظمة الحوافز القائمة على الاعتبارات المالية، واستبدالها بمؤشرات تقيس النتائج السريرية وجودة الرعاية.
3. مطالبة المرضى بالإفصاح، في كل مرحلة من مراحل الرعاية، عن مصادر المعلومات التي يعتمدون عليها والعوامل التي تؤثر في قراراتهم.
بعد 30 عامًا من العمل في طب التوليد وطب الأجنة، هل ما زلت متفائلة بإمكانية إصلاح خدمات رعاية الأمومة في هيئة الخدمات الصحية الوطنية؟ وما الرسالة التي تودين توجيهها إلى الأمهات اللواتي فقدن ثقتهن بالنظام الصحي؟
نعم، لأن هذه الخدمة بالغة الأهمية ولا يمكن التخلي عنها. وأدعو الأمهات إلى التعامل باحترام مع العاملين في الخطوط الأمامية، فنحن أيضًا نتعرض للإساءة، رغم أن ذلك نادرًا ما يُسلَّط عليه الضوء في التحقيقات. فاللطف يولد اللطف. يمكن بكل تأكيد لأي شخص التواصل مع الفريق الطبي، ومناقشة قراراته، وطلب مزيد من المعلومات بطريقة مهذبة ومحترمة.
نبذة عن المؤلفة
الدكتورة لورين لاكاسينغ استشارية في طب التوليد وطب الأجنة ضمن هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية (NHS). تستند في كتاباتها إلى أكثر من ثلاثين عامًا من الخبرة السريرية في رعاية الأمومة، لتقدم رؤية من داخل المنظومة الصحية حول التحديات التي تواجهها خدمات الولادة في الوقت الراهن، وكيف تطورت هذه المشكلات، إلى جانب طرحها حلولًا عملية لبناء خدمات أمومة أكثر أمانًا وكفاءة، تليق بما يستحقه الجميع.
وفي أحدث مؤلفاتها، "قول الحقيقة: لماذا تعاني خدمات رعاية الأمومة في هيئة الخدمات الصحية الوطنية من الخلل؟ وكيف يمكن إصلاحها ؟"، تكشف الدكتورة لاكاسينغ ما وراء العناوين الإخبارية، وتوضح كيف دفعت السياسات والجهات المؤثرة المختلفة، من دون قصد، أصحاب المصلحة الرئيسيين إلى تبني أولويات متباينة، الأمر الذي جعل تحقيق تعاون فعّال للوصول إلى أفضل النتائج السريرية أمرًا بالغ الصعوبة.



