في حوار لصحتك؛ يتحدث د. عماد الدين إبراهيم، المختص بعلاج أمراض الصدر، عن أمراض الجهاز التنفسي في الصيف التي قد نعاني منها خلال هذا الموسم، ومَن هم الأكثر عرضه لها، وكيف يمكن الوقاية منها ومواجهتها.
هل يمكن أن يسبب الصيف ضيقًا في التنفس، وهل تُعتبر أمراض الجهاز التنفسي خطراً على الصحة؟
تؤثر درجات الحرارة المرتفعة ومستويات الرطوبة العالية بشكل كبير على صحة الجهاز التنفسي، لأنها تسهم في تجفيف الأغشية المخاطية وتقليل قدرتها الطبيعية على تحريك الإفرازات داخل الممرات الهوائية. هذا الجفاف يؤدي إلى تحول الإفرازات من حالتها السائلة إلى مادة لزجة يصعب طردها من الجسم، مما يسبب انسداد القصبات الهوائية، وقد يؤدي إلى انخفاض مستويات الأوكسجين، الأمر الذي قد يُفاقم من الشعور بضيق التنفس والتعب العام.
مع ارتفاع نسبة الرطوبة، يصبح الهواء أثقل ويصعب استنشاقه، خاصةً لدى الأفراد الذين يعانون من أمراض تنفسية مزمنة مثل الربو أو الانسداد الرئوي المزمن، وتزداد بالتالي أمراض الجهاز التنفسي في الصيف حين تترافق موجات الحر الشديد مع انخفاض حركة الرياح، مما يؤدي إلى تراكم الأتربة والمُلوّثات الدقيقة في الأجواء، ويزيد من احتمالية التعرض لمسببات الحساسية والميكروبات المحمولة في الهواء.
وتُعد هذه العوامل بيئة مثالية لزيادة التهابات الجهاز التنفسي العلوي، مثل التهابات الأنف والجيوب الأنفية، فضلاً عن التهابات الرئة، خصوصاً تلك المرتبطة بالفطريات التي تنشَط في الأجواء الرطبة. ولذلك، يُنصح خلال فترات الصيف الحارّة بتوخي الحذر، وتجنّب التعرّض المباشر للهواء الرطب الساخن، والحرص على ترطيب الجسم داخلياً، واستخدام أجهزة تنقية الهواء عند الضرورة، مع مراجعة الطبيب في حال ظهور أعراض تنفسية غير معتادة.
ما أبرز المخاطر الصحية التي قد تواجهنا خلال أيام الصيف الحارة؟
تُشكّل أيام الصيف الحارة تحدياً صحياً كبيراً على مختلف فئات المجتمع، إذ تترافق مع عدد من المخاطر التي تستدعي الحذر والوقاية. من أبرز هذه المخاطر الإصابة بضربات الشمس والإجهاد الحراري، الناتجَين عن التعرض المباشر والمطوّل لأشعة الشمس، مما يؤدي إلى ارتفاع حرارة الجسم بشكل خطير، واضطراب الوعي، وفقدان السوائل والأملاح. كما يزداد خطر الإصابة بالجفاف نتيجة فقدان السوائل عبر التعرق إذا لم يتم تعويضها، الأمر الذي قد يؤثر على الكلى ووظائف الجسم الحيوية.
وتشهَد أيضاً هذه الفترة ارتفاعاً في معدل حدوث التسممات الغذائية بسبب فساد الطعام بسرعة في درجات الحرارة المرتفعة، ما يساهم في تكاثر وانتشار البكتيريا والفيروسات المسببة للإسهال والقيء. كذلك، يعاني كثيرون من الطفح الجلدي والتهابات الجلد، الناتجة عن التعرق والاحتكاك والرطوبة العالية، إلى جانب زيادة ملحوظة في التهابات الجهاز التنفسي بسبب الهواء المشبع بالرطوبة والغبار، لا سيما لدى المصابين بأمراض الحساسية والربو.
كما تُفاقم الحرارة المرتفعة أعراض الأمراض المزمنة كأمراض القلب والضغط والسكري، وقد تؤثر سلباً على الصحة النفسية مسببة شعوراً بالإرهاق الذهني والعصبية وانخفاض التركيز. للوقاية، يُنصح بتجنّب الخروج في ساعات الذروة، وشرب كميات وفيرة من الماء، وارتداء ملابس قطنية خفيفة، والحفاظ على بيئة داخلية باردة وجيدة التهوية من أجل الوقاية من أمراض الجهاز التنفسي في الصيف.
ما أعراض تهيج الجهاز التنفسي، وهل هي خطرة، وما أفضل سبل الوقاية والعلاج من أمراض الجهاز التنفسي في الصيف؟
يُعد تهيّج الجهاز التنفسي من الحالات الشائعة، خاصة خلال فصول الصيف الحارة، أو عند التعرض للمُلوّثات والروائح النفاذة والهواء المحمّل بالغبار والرطوبة. تتمثل أعراض هذا التهيّج في السعال الجاف أو المصحوب بالبلغم، وصعوبة التنفس أو ضيق في الصدر، واحتقان الأنف أو سيلانه، إلى جانب الشعور بالحكة أو الحرقة في الحلق والعينين، وتعتبر هذه من أبرز أعراض أمراض الجهاز التنفسي في الصيف. وقد تتفاقم هذه الأعراض لدى الأشخاص الذين يعانون من الربو أو التحسس الموسمي أو أمراض الرئة المزمنة.
وعلى الرغم من أن تهيّج الجهاز التنفسي في حد ذاته لا يُعد خطيراً في أغلب الحالات، فإن تجاهله أو عدم التعامل معه بالشكل الصحيح قد يؤدي إلى تفاقم الحالة، وربما تطورها إلى التهابات أكثر حدة مثل التهاب القصبات الهوائية أو الرئة، خصوصاً لدى الأطفال وكبار السن.
وتتمثل سبل الوقاية من أمراض الجهاز التنفسي في الصيف في تجنّب التعرض للهواء الملوّث أو الأماكن المغلقة ذات التهوية السيئة، واستخدام الكمامات عند الضرورة، والحرص على ترطيب الهواء داخل المنازل، بالإضافة إلى شرب كميات كافية من السوائل لتسهيل طرد الإفرازات وتهدئة المجاري التنفسية. أما في حال ظهور الأعراض، فيُنصح باستخدام بخاخات موسّعة للقصبات الهوائية أو مضادات التحسس بناءً على استشارة الطبيب، مع المتابعة الطبية الدورية للذين يعانون من أمراض تنفسية مزمنة.
كيف يؤثر فصل الصيف على مرضى الانسداد الرئوي المزمن؟
يُعد هذا الفصل تحدياً خاصاً لمرضى الانسداد الرئوي المزمن(COPD) ، وخصوصا أمراض الجهاز التنفسي في الصيف نظراً لما تحمله درجات الحرارة المرتفعة والرطوبة العالية من تأثيرات مباشرة على وظائف الجهاز التنفسي. ففي الأجواء الحارة، يواجه هؤلاء المرضى صعوبة أكبر في التنفس بسبب تمدد القصبات الهوائية ونقص قدرتها على التخلص من الإفرازات، مما يزيد من الشعور بضيق النفس والإجهاد. كما أن ارتفاع الرطوبة يجعل الهواء أثقل، ما يفاقم من صعوبة التنفس ويضعف تبادل الغازات في الرئتين.
هذا إضافة إلى أن التعرق المفرط قد يؤدي إلى فقدان السوائل والأملاح، مما يُضعف من كفاءة الجسم في تنظيم التنفس، ويزيد من خطر نوبات تفاقم أمراض الجهاز التنفسي في الصيف. كما تلعب الملوثات الهوائية والأتربة المنتشرة في الأجواء الصيفية دوراً في تهييج الرئتين وزيادة الإصابة بالعدوى أو التهابات الجهاز التنفسي.
ومن هنا، تُعد الوقاية أمراً بالغ الأهمية، وتشمل: تجنّب الخروج خلال ساعات الذروة، وتوفير بيئة داخلية باردة وجيدة التهوية، والحفاظ على الترطيب الدائم للجسم، واستخدام الأدوية الوقائية والموسّعات الهوائية حسب تعليمات الطبيب، فضلاً عن المتابعة الطبية المنتظمة لتفادي أي تفاقم في الحالة.
يُعد استخدام المكيّفات والمراوح خلال فصل الصيف ضرورياً للحد من تأثير الحرارة والرطوبة على مرضى الانسداد الرئوي المزمن، إلا أن لها تأثيرات مزدوجة تتطلب الانتباه. فمن جهة، يساهم تكييف الهواء في تبريد البيئة المحيطة وتقليل الرطوبة، مما يخفف من ضيق التنفس ويُحسن جودة الهواء الذي يستنشقه المريض. إلا أن الاستخدام الخاطئ للمكيفات، مثل ضبطها على درجات حرارة منخفضة جداً، أو عدم تنظيف الفلاتر بانتظام، قد يؤدي إلى تهيج الممرات الهوائية بسبب تدفق الهواء البارد الجاف، أو تراكم الغبار والجراثيم داخل هذه الأجهزة. أما المراوح، فبينما تُحسّن من دوران الهواء، فإنها قد تثير الغبار والمواد المهيّجة، خاصة إذا كانت البيئة غير نظيفة. لذلك، يُوصى بضبط المكيّف على درجة حرارة معتدلة (بين 23-25 درجة مئوية)، وتنظيف الفلاتر بشكل دوري، وتجنّب توجيه الهواء البارد مباشرة نحو الوجه أو الصدر، مع الحفاظ على رطوبة معتدلة في الغرفة باستخدام أجهزة ترطيب عند الحاجة.
بهذه الإجراءات، يمكن تحقيق توازن يحمي مرضى الانسداد الرئوي المزمن من مضاعفات الصيف دون تعريضهم لتهيج وأمراض الجهاز التنفسي في الصيف.
هل من نصائح معينة يمكن تقديمها لمن يعاني من مشاكل وأمراض الجهاز التنفسي في الصيف؟
بالتأكيد، هناك مجموعة من النصائح الأساسية التي تساعد الأشخاص الذين يعانون من أمراض الجهاز التنفسي في الصيف -سواء كانت مزمنة مثل الربو والانسداد الرئوي المزمن، أم عرَضية كالحساسية والتهابات الشعب الهوائية– على تحسين نوعية حياتهم وتفادي المضاعفات، خاصة خلال هذا الفصل. وفيما يلي أبرز هذه التوصيات:
- تجنّب التعرض المباشر للهواء الملوث: يجب تفادي الخروج في الأوقات التي تزداد فيها نسب التلوث أو الغبار أو الرطوبة، ويفضّل متابعة مؤشرات جودة الهواء قبل مغادرة المنزل.
- الحفاظ على رطوبة الجسم: شرب كميات كافية من الماء مهم لتسهيل طرد الإفرازات المخاطية من الجهاز التنفسي وتخفيف تهيّج الشعب الهوائية والوقاية من أمراض الجهاز التنفسي في الصيف.
- استخدام المكيّف باعتدال: مع ضرورة تنظيف الفلاتر بانتظام وتجنّب تعرّض الجسم المباشر للهواء البارد.
- ارتداء الكمامات عند الضرورة: خاصة في الأماكن المغلقة أو المزدحمة، أو عند التعرض لمهيّجات مثل العطور القوية أو الأبخرة.
- الابتعاد عن مسببات الحساسية: مثل دخان السجائر، والمواد الكيميائية المنزلية، والروائح النفاذة.
- استخدام الأدوية الوقائية بانتظام: مثل البخاخات أو موسّعات القصبات الهوائية حسب توصية الطبيب، حتى عند غياب الأعراض الظاهرة والمعروفة فيما خص أمراض الجهاز التنفسي في الصيف.
- ممارسة تمارين التنفس والاسترخاء: لتعزيز قدرة الرئتين وتحسين تدفق الأوكسجين، مع الحفاظ على نشاط بدني خفيف دون إجهاد.
- زيارة الطبيب بانتظام: لمتابعة الحالة وتعديل العلاج عند الحاجة، خصوصاً في حال وجود أعراض جديدة فيما يخص أمراض الجهاز التنفسي في الصيف أو ازدياد في حدّتها.
ويضيف: مرضى الانسداد الرئوي المزمن من المدخنين يُعدّون من الفئات الأكثر عرضة لتفاقم أعراض أمراض الجهاز التنفسي في الصيف إذ يتضاعف تأثير الحرارة المرتفعة والرطوبة العالية على جهازهم التنفسي الضعيف بطبيعته نتيجة التلف المزمن الذي سببه التدخين. فمع تدني كفاءة الرئتين، يجد المريض صعوبة في تبادل الأوكسجين والتخلص من ثاني أكسيد الكربون، وتأتي حرارة الصيف لتزيد العبء على الجسم من خلال تسارع التنفس وزيادة فقدان السوائل، ما يؤدي إلى الشعور بضيق في التنفس وإرهاق عام.
كما أن الهواء الساخن والرطب يُفاقم من احتباس الإفرازات المخاطية داخل الشعب الهوائية، التي غالباً ما تكون لزجة نتيجة التدخين، مما يزيد من خطر العدوى والالتهابات، سواء كانت فيروسية أم بكتيرية. وفي حال تلوث الجو أو ركود الهواء، فإن الملوثات والدخان العالق في الجو قد يفاقمان الوضع أكثر، مما قد يستدعي التوجه إلى المستشفى في بعض الحالات.
لذا، من الضروري على مرضى الانسداد الرئوي المزمن من المدخنين تجنّب التعرض للحرارة المرتفعة، وشرب كميات كافية من الماء، والحرص على تناول الأدوية الوقائية، والابتعاد بشكل كامل عن أي مصدر للتدخين، بما في ذلك التدخين السلبي، والالتزام ببيئة نظيفة وجيدة التهوية. وفي حال ظهور أي أعراض غير معتادة، مثل زيادة السعال أو تغيّر لون البلغم أو صعوبة التنفس، يجب مراجعة الطبيب فوراً لتجنّب المضاعفات الخطيرة.
هل من طرق وقائية خاصة للأطفال؟
تتطلب وقاية الأطفال من أمراض الجهاز التنفسي خلال فصل الصيف اهتماماً خاصاً، نظراً لحساسية جهازهم التنفسي وعدم اكتمال نضجه مقارنة بالبالغين. ويُوصى بتجنّب تعرّضهم المباشر لأشعة الشمس أو الهواء الساخن والرطب، خاصة في أوقات الذروة، لأن استنشاق هذا الهواء قد يؤدي إلى تهيّج القصبات الهوائية أو تحفيز نوبات ضيق في التنفس، لا سيما لدى من يعانون من الحساسية أو الربو. كما يُنصح بالحفاظ على بيئة داخلية معتدلة البرودة، مع التأكد من تنظيف فلاتر المكيّف وترطيب الهواء عند الحاجة، لتجنّب الجفاف وتهيّج الأغشية المخاطية. ومن الضروري الابتعاد عن المهيّجات مثل الغبار، والعطور القوية، والأدخنة، مع تشجيع الأطفال على شرب الماء بكميات كافية لتعزيز رطوبة الجسم والمجاري التنفسية. وفي حال وجود أمراض مزمنة، يجب الالتزام بالوقاية والمتابعة الدورية مع الطبيب.
كذلك، ينبغي تجنّب التنقل المفاجئ بين الأجواء الحارة والباردة، والحرص على النظافة الشخصية وغسل اليدين باستمرار للحد من انتقال العدوى. وأخيراً، يجب مراقبة أي أعراض تنفسية غير معتادة مثل السعال المتواصل أو ضيق النفس أو تغيّر لون البلغم، وطلب الرعاية الطبية عند الحاجة.
د. عماد الدين إبراهيم، هو استشاري طب الرئة في قسم طب الرئة بمستشفى ميدكير - الشارقة. حصل على بكالوريوس الطب والجراحة، وماجستير أمراض الصدر والدكتوراه (في أمراض الصدر) من جامعة الإسكندرية، بمصر. وتتضمن قائمة مؤهلاته زمالة الكلية الأمريكية لأطباء الصدر (الولايات المتحدة الأمريكية)، وزمالة الجمعية الأوروبية للجهاز التنفسي (سويسرا)، وزمالة جامعة واشنطن (الولايات المتحدة الأمريكية)، وزمالة جامعة فريجي (بلجيكا). وقد ترأس مجموعة الأمراض الصدرية المُعدية التابعة للجمعية الإماراتية للصدر، وعضو الجمعية الإماراتية للصدر (الإمارات العربية المتحدة)، وعضوية الكلية الأمريكية لأطباء الصدر (الولايات المتحدة الأمريكية)، وعضو الجمعية الأوروبية للجهاز التنفسي (سويسرا)، وعضو الجمعية المصرية لأمراض الصدر، وعضو الجمعية المصرية لطب القصبات الهوائية (مصر).
وقد بدأ د. إبراهيم مسيرته المهنية كمدرس مساعد لطب الرئة، ثم كمدرس واستشاري طب الرئة في قسم الصدر بكلية الطب، بجامعة الإسكندرية، في مصر. تبع ذلك بعمله أستاذًا مساعدًا، ثم أستاذًا واستشاري طب الرئة في كلية الطب بجامعة الإسكندرية. انتقل إلى الإمارات العربية المتحدة حيث عمل لبضع سنوات كاستشاري طب الرئة ورئيس قسم طب الرئة في مستشفى الزهرة (رويال إن إم سي) بالشارقة. وهو حاليًا أستاذ زائر لطب الرئة في كلية طب الشارقة. تشمل خبرة د. إبراهيم تشخيص وعلاج كافة أمراض الصدر، بما في ذلك الربو، وأمراض الرئة الانسدادية المزمنة، وأمراض الرئة الخلالية، وخراجات وأورام الرئة، والانصبابات الجنبية، وأورام المنصف، وانقطاع التنفس النومي.
وهو يَستخدم الإجراءات التشخيصية، مثل التنظير القصبي بالألياف الضوئية، واختبارات الوظيفة الرئوية، وقياس غازات الدم الشرياني، ويتمتع بالكفاءة في علاج اضطرابات النوم والعدوى المرتبطة بالتنفس، وداء الساركويد الرئوي، والدرن الرئوي، وتوسع القصبات، وعلاج الالتهاب الرئوي المكتسَب من المجتمع أو المكتسَب في المستشفى، أو المرتبط بجهاز التنفس الصناعي. وقد نشط في نَشر أوراق بحثية، وتحدث في العديد من المؤتمرات والفعاليات الطبية.



