خلف كل تغير يطرأ على تفاصيل أجسادنا حكاية يرويها الجلد، وفي تفاصيل مرض البهاق تتداخل الحقائق الطبية بالمفاهيم المغلوطة التي طالما أحاطت به. البهاق ليس مجرد غيابٍ للون، بل هو رحلة إنسانية وطبية تستدعي الفهم العميق والوعي الحقيقي. في هذا اللقاء الخاص، يفتح لنا الدكتور نمير عبد المجيد (أخصائي في قسم طب الأمراض الجلدية في مركز ميدكير الطبي، الشارقة) نافذة العلم والأمل، ليفكك شيفرة هذا المرض، ويسلط الضوء على أحدث الرؤى العلاجية، مصححًا المفاهيم ومقدمًا دليلًا شاملًا يجمع بين دقة الطب وطمأنينة التعايش مع هذا المرض.
ما هو البهاق؟
البهاق هو اضطراب مناعي ذاتي مزمن يفقد فيه الجلد قدرته على إنتاج الصبغة الطبيعية، مما يؤدي إلى ظهور بقع بيضاء أو فاتحة اللون في مناطق مختلفة من الجسم. وتحدث هذه الحالة عندما يهاجم الجهاز المناعي الخلايا الصبغية المعروفة باسم “الميلانوسايت” والمسؤولة عن إنتاج مادة الميلانين التي تمنح الجلد والشعر لونهما الطبيعي.
ورغم أن البهاق لا يُسبب ألمًا جسديًا أو يُشكل خطرًا مباشرًا على الحياة، إلا أنه قد يترك أثرًا نفسيًا واجتماعيًا كبيرًا على المريض بسبب التغيرات الظاهرة على الجلد.
يُخطئ الكثيرون في فهم طبيعة البهاق، ويربطه البعض خطأً بنوع من الحساسية أو المشاكل الجلدية السطحية. كيف تشرحون ببساطة ماذا يحدث لخلايا الميلانين؟ ولماذا يُصنف البهاق كاضطراب مناعي؟
لفهم البهاق ببساطة، يمكن تشبيه الجهاز المناعي بحارس يحمي الجسم من الفيروسات والبكتيريا. لكن في حالات البهاق، يحدث خلل يجعل هذا “الحارس” يهاجم خلايا الجسم السليمة بالخطأ، وتحديدًا الخلايا المنتجة للصبغة.
عندما تتعرض خلايا الميلانين للهجوم، تبدأ بالضعف ثم تموت تدريجيًا، فتفقد المنطقة المصابة لونها الطبيعي وتتحول إلى اللون الأبيض. ولهذا السبب يُصنف البهاق كمرض مناعي ذاتي، لأن المشكلة الأساسية لا تكمن في الجلد نفسه، بل في اضطراب طريقة عمل الجهاز المناعي.
هل يظهر البهاق فجأة في أي مرحلة عمرية؟ وما هي الأشكال والأنواع المختلفة له؟ وكيف يفرق الطبيب بينه وبين الحالات الأخرى؟
يمكن أن يظهر البهاق في أي مرحلة عمرية، لكنه يبدأ غالبًا قبل سن الثلاثين. وقد يلاحظ البعض ظهور بقع صغيرة بشكل مفاجئ، بينما يتطور لدى آخرين تدريجيًا على مدى أشهر أو سنوات.
ويُقسم البهاق إلى عدة أنواع، أبرزها:
- البهاق الموضعي: ويكون محدودًا في منطقة أو منطقتين فقط من الجسم.
- البهاق المنتشر: وهو الأكثر شيوعًا، حيث تظهر البقع في مناطق متعددة ومتفرقة من الجسم.
- البهاق الشامل: وفيه يفقد الجلد معظم لونه الطبيعي في أنحاء الجسم المختلفة.
كما يُصنف أيضاً إلى:
- بهاق مستقر: عندما لا تظهر بقع جديدة ولا تتوسع البقع القديمة لمدة لا تقل عن 6 أشهر.
- بهاق غير مستقر: عندما تستمر البقع بالانتشار أو الزيادة.
ومن المهم جداً التمييز بين البهاق وحالات جلدية أخرى تسبب بقعًا بيضاء، مثل النخالية أو الالتهابات الفطرية. ويعتمد الطبيب في ذلك على الفحص السريري، وقد يستخدم أحيانًا جهاز “وودز لامب” بالأشعة فوق البنفسجية، وفي بعض الحالات النادرة قد يحتاج إلى أخذ خزعة جلدية للتأكد من التشخيص.
هل البهاق مرض معدٍ؟ وما دور الوراثة والضغوط النفسية في ظهوره؟
من الضروري التأكيد طبيًا أن البهاق ليس مرضًا معديًا إطلاقًا، ولا ينتقل عبر المصافحة أو التلامس أو مشاركة الملابس والأدوات الشخصية، وحتى السباحة في نفس المسبح لا تسبب انتقاله.
أما بالنسبة للأسباب، فالعامل الوراثي يلعب دورًا مهمًا، إذ تزداد احتمالية الإصابة لدى الأشخاص الذين لديهم تاريخ عائلي للمرض أو لأمراض مناعية أخرى. لكن الوراثة وحدها لا تكفي لظهور البهاق، بل غالبًا ما تتداخل معها عوامل أخرى مثل التوتر النفسي الشديد، أو الصدمات العاطفية، أو بعض المؤثرات البيئية والإجهاد التأكسدي داخل الخلايا.
ولا يمكن القول إن الضغوط النفسية هي السبب المباشر للبهاق، لكنها قد تكون عاملًا محفزًا لدى الأشخاص المهيئين للإصابة به.
هناك اعتقاد شائع بأن بعض الأطعمة تسبب البهاق أو أن هناك حمية تشفي منه تمامًا. ما حقيقة ذلك؟
حتى اليوم، لا يوجد دليل علمي يثبت أن تناول أطعمة معينة مثل السمك مع الحليب يسبب البهاق، وهذه المعتقدات تُعد من الخرافات الشائعة غير المدعومة طبيًا.
كما لا توجد حمية غذائية قادرة على شفاء البهاق بشكل كامل. ومع ذلك، فإن التغذية الصحية المتوازنة تلعب دورًا داعمًا في تحسين الصحة العامة وتقوية المناعة وتقليل الالتهابات داخل الجسم.
وينصح الأطباء عادةً باتباع نظام غذائي غني بمضادات الأكسدة، مثل: الخضروات والفواكه والمكسرات، إلى جانب المحافظة على نمط حياة صحي والنوم الجيد وتقليل التوتر النفسي. لكن العلاج الأساسي للبهاق يبقى علاجًا طبيًا وليس غذائيًا فقط.
تشهد علاجات البهاق تطورًا كبيرًا مؤخرًا، خاصة مع ظهور مثبطات “جاك” الحديثة. كيف غيّرت هذه العلاجات نسب التحسن؟
تعيش علاجات البهاق بالفعل مرحلة متقدمة ومبشرة، خاصة بعد ظهور العلاجات الحديثة مثل مثبطات "جاك"، التي تستهدف الخلل المناعي المسبب للمرض بشكل مباشر.
وقد ساعدت هذه الأدوية في تحقيق نتائج أفضل لدى العديد من المرضى، خصوصاً في حالات البهاق الحديثة أو النشطة، حيث ساهمت في استعادة جزء ملحوظ من لون الجلد الطبيعي، خاصة في مناطق الوجه والرقبة.
كما أصبح الجمع بين العلاجات الحديثة والعلاج الضوئي أكثر فعالية مقارنة بالماضي، مما رفع نسب التحسن ومنح المرضى خيارات علاجية أكثر تطورًا وأملًا أكبر في السيطرة على المرض.
كيف يحدد الطبيب الخطة العلاجية الأنسب لكل مريض؟
تعتمد الخطة العلاجية على عدة عوامل، أهمها عمر المريض، ومدى انتشار البهاق، واستقرار الحالة، والمناطق المصابة من الجسم.
ففي الحالات البسيطة والمحدودة، قد يكتفي الطبيب بالكريمات الموضعية المضادة للالتهاب أو المحفزة لإعادة التصبغ. أما في الحالات الأوسع انتشاراً، فقد يتم اللجوء إلى العلاج الضوئي بالأشعة فوق البنفسجية لتحفيز عودة اللون الطبيعي.
وفي بعض الحالات المستقرة التي لا تستجيب للعلاجات التقليدية، يمكن التفكير في التدخلات الجراحية مثل زراعة الخلايا الصبغية. أما في الحالات الشديدة جداً والمنتشرة بشكل واسع، فقد يُطرح خيار توحيد لون البشرة بالكامل للحصول على مظهر أكثر تجانسًا.
ولهذا، لا توجد خطة علاجية واحدة تناسب الجميع، بل يتم تصميم العلاج بشكل فردي لكل مريض.
ما رسالتكم للمجتمع وللمرضى الذين يشعرون بالإحباط بسبب البهاق؟
المجتمع بحاجة إلى وعي أكبر بأن البهاق ليس مرضًا معديًا ولا ينتقص من قدرات الإنسان أو قيمته. فالمريض لا يحتاج إلى نظرات الشفقة أو الأحكام المسبقة، بل إلى الدعم والتفهم والاحترام.
أما الرسالة الأهم لكل مريض فهي أن البهاق حالة يمكن التعايش معها، وأن الطب يشهد تطورًا مستمرًا وواعدًا في هذا المجال. قد يحتاج العلاج إلى وقت وصبر، لكن التحسن ممكن، والأهم من ذلك ألا يسمح المريض للبقع البيضاء بأن تؤثر في ثقته بنفسه أو نظرته إلى ذاته. فالجمال الحقيقي لا يرتبط بلون الجلد، بل بالقوة والثقة والتصالح مع النفس.
د. نمير عبد المجيد أخصائي في قسم طب الأمراض الجلدية في مركز ميدكير الطبي، الشارقة. وقد تخرج من جامعة تاميل نادو د. إم جي آر الطبية في الهند ثم أكمل دراسته وحصل على درجة الدكتوراه في طب الأمراض الجلدية من مستشفى مانيبال في بنغالور بالهند والتخصص من جامعة كاتماندو في نيبال. وقد تلقى تدريبًا في تخصص الليزر من جامعة الشارقة وأكمل دبلومًا مهنيًا في طب التجميل من الأكاديمية الأمريكية للطب التجميلي المرموقة. وهو زميل في الأكاديمية العربية للأمراض الجلدية والتجميل والليزر، في دبي.
د. مجيد عضو مدى الحياة في الجمعية الهندية لأطباء الأمراض الجلدية والتناسلية وأطباء الجذام، والجمعية الأمريكية لطب التجميل وعضو في المجلس الدولي لطب الأمراض الجلدية وطب التجميل (المملكة المتحدة). علاوة على ذلك، فهو مُقدِّم معتمد لخدمات الدعم الأساسي للحياة من جمعية القلب الأمريكية. وقد بدأ حياته المهنية كطبيب في طب الأمراض الجلدية السريري في بنغالور، ثريسور وتريفاندروم، وتوجد جميعها في الهند. ثم انتقل إلى الإمارات العربية المتحدة، حيث عمل كأخصائي أمراض جلدية في مركز أستر الطبي، في القصيص، بدبي وفي مويلح، بالشارقة. وهو طبيب خبير ومتنوع الخبرة إذ يتمتع بسنوات عديدة من الخبرة في مجاله وله الفضل في العديد من العروض التقديمية التي قُدِّمت على المستويين الوطني والدولي. د. مجيد بارع في علاج مختلف الأمراض الجلدية المزمنة فضلاً عن شغفه بالبيولوجيا المتقدمة في التعامل مع الأمراض الجلدية المزمنة مثل: الصدفية الشائعة، والتهاب الجلد التأتبي، والثعلبة، والحكاك العقيدي والشرى المزمن. وهو مهتم بشغف بطب الأمراض الجلدية التجميلي، وجراحة الجلد والتعامل مع الصدفية. وقد نجح في التعامل مع حب الشباب المُكبّب والمضاعفات المرتبطة بها، والجيوب الشعرية واستئصال الآفات الحميدة. د. مجيد ماهر بشكل استثنائي في العديد من عمليات الأمراض الجلدية والإجراءات التجميلية التي تتضمن جراحة الأظافر، والعلاج بالتبريد، وطب التجميل والليزر وجراحة الجلد. وهو طبيب يتمتع بقدر كبير من المهارات الشخصية وتجمعه علاقة طيبة بمرضاه.



