عندما تتحول تفاصيل الحياة اليومية المعتادة إلى عبء مستمر وتفقد القدرة على الاستمتاع بلحظاتك المبهجة، فأنت لا تعاني من مجرد تعب عابر، بل قد تكون في عمق الإرهاق العاطفي .
في هذا الحوار الخاص مع الدكتورة سارة العوضي، أخصائية الطب النفسي للبالغين لدى عيادات سيج، نتعرف على علامات الإنذار الصامتة لهذا الإنهاك، وكيفية استعادة طاقتك النفسية.
نردد كثيرًا في حياتنا اليومية جملة "أنا متعب نفسيًا"، ولكن من منظور علمي واجتماعي؛ ما هو الحدّ الفاصل بين التعب العادي المفهوم وبين الدخول في مرحلة الإرهاق العاطفي الشديد ؟
من منظور علمي واجتماعي فإن المرور بفترات من الضغط والإجهاد جزء طبيعي من الحياة, لكن يعتبر الحدّ الفاصل بين التعب العادي وحالة الإرهاق العاطفي الشديد هو عندما يصبح هذا الشعور مستمرًا مع حدوث اختلال وظيفي بمعنى أن يؤدي الإرهاق العاطفي إلى عجز الشخص عن القيام بالمهام الحياتية المختلفة على النحو السابق، مثل المهام الأسرية، والعملية، أو في أقل تقدير أن يجد صعوبة بالغة في القيام بالمهام اليومية المعتادة مع عدم القدرة على الاستمتاع باللحظات المبهجة كما في السابق.
العلاقات هي مصدر الأمان، لكنها قد تتحوّل إلى عبء؛ كيف تساهم الضغوط الأسرية، وتوقعات المجتمع العالية من الفرد، أو العيش في محيط "سام" في استنزاف مخزوننا النفسي والوصول إلى الإرهاق العاطفي ؟
لا شك أن استمرار الشخص في اختيار علاقات مؤذية ومستنزفة تفتقد للحدود الصحية لفترات طويلة، قد يؤثر بلا شك في سلامته النفسية، وذلك من خلال محاولات مستمرة للتكيف والشعور بضرورة إرضاء الآخرين أو القيام بأدوار متعددة دون وجود مساحة كافية للاهتمام بالنفس، ما قد يسبب استهلاك طاقته النفسية تدريجيًا وذلك من خلال، إيجاد المبررات للآخرين ولوم الذات، ما قد يؤثر في النهاية على صورة الشخص لنفسه، ونظرته العامة للناس والحياة واستنزاف وسائل الدفاع النفسية مع الوقت، لذا أنصح الأشخاص بتقييم دوري لدائرة العلاقات المحيطة وتصنيفها إلى علاقات يمكن إصلاحها، وعلاقات يجب إنهاؤها إن أمكن أو تجنبها، مع إدراك أن الاهتمام بالذات ووضع الحدود ليس أنانية، بل جزء من الحفاظ على الصحة النفسية.
الكثير من الأشخاص يعانون من أعراض هذه الحالة دون وعي منهم؛ ما هي أبرز علامات الإنذار الصامتة التي تخبر الشخص بأنه بات على وشك الانفجار بسبب الإرهاق العاطفي ؟
استمرارية الوضع لمدة شهر أو أكثر، معظم الوقت وعلى مدار اليوم مع عدم القدرة على الفصل، أو الإحساس بالراحة المعتادة، أو التفاعل مع اللحظات المبهجة وفقدان الشغف، هي من أهم علامات الإنذار، بالإضافة إلى الإرهاق الجسدي المستمر وغير المبرر . كلها دلائل على وجود إرهاق عاطفي شديد، وبأن مخزون الطاقة النفسية يحتاج إلى إعادة تنظيم واهتمام.
تُعدّ النساء غالبًا الأكثر عُرضة لهذه الحالة نتيجة أدوارهنّ المتعددة (أمهات، زوجات، وعاملات)؛ كيف يساهم فخ "العطاء غير المشروط" وكبت المشاعر لإرضاء الآخرين في تسريع الإصابة بـحالة الإرهاق العاطفي ؟
قد تكون بعض النساء أكثر عُرضة لذلك في سياقات معينة بسبب الأدوار الاجتماعية التي تلعبها ورعايتها الدائمة لمَن حولها، وكونها مصدرًا للعطاء غير المشروط، خاصة في عالمنا العربي، مما أصبح فخ للاستنزاف العاطفي مع شعور بالذنب تجاه التعبير عن التعب والإرهاق أو حتى طلب المساعدة، ما يجعل المرأة أكثر عُرضة للاستنزاف وأقل عُرضة لطلب المساعدة. يؤثر ذلك في عدم وجود مجال للتعبير عن المشاعر أو منفذ للتفريغ عنها؛ لذلك وجب تصحيح هذه المفاهيم المغلوطة والتوضيح بأن التوازن لا يعني التوقف عن العطاء، بل بناء عطاء بشكل صحي يتضمن حدودًا واضحة، ومشاركة في المسؤوليات، ووجود مساحة للتعبير عن المشاعر والاهتمام بالنفس.
نعيش اليوم في عصر الانفتاح الرقمي ومواقع التواصل الاجتماعي؛ إلى أي مدى تساهم ثقافة "المقارنة المستمرة" والتعرّض الدائم لنمط الحياة المثالي الزائف على الإنترنت في تعميق الشعور بـحالة الإرهاق العاطفي لدى جيل الشباب؟
في عصر الانفتاح الرقمي وظهور عدد كبير من المؤثرين على منصات التواصل المختلفة يَستعرضون حياة فارهة أو يبالغون في عرض قصص نجاح سريع وعرض صور منتقاة بعناية ومعدَّلة بشكل إحترافي، وهذا يؤدي إلى تعرّض الشباب إلى ضغط مستمر لمواكبة هذا النمط مع شعور بالإحباط وعدم تقدير لنجاحاتهم مقارنةً بالآخرين، بالإضافة إلى ما يُعرف بالخوف من عدم اغتنام الفرص حين يشعر الشخص بأنه يجب أن يكون دائمًا متابعًا لما يَحدث، وأن الآخرين يعيشون تجارب أكثر نجاحًا أو متعة منه. هذا الشعور قد يدفع إلى الاستخدام المستمر للمنصات، والمراقبة الدائمة لحياة الآخرين، كما يجعل الشباب في سعي مستمر لاستعراض حياتهم بغرض المواكَبة دون استمتاع حقيقي بلحظات حياتهم، ومع تقدير أقل لنجاحاتهم ومظهرهم وبالتالي اهتزاز الصورة الذاتية.
عندما يصل الفرد إلى مرحلة الانسداد والإنهاك؛ كيف يؤثر الإرهاق العاطفي غير المعالَج في جودة علاقاته بالمقربين منه؟ وهل يمكن أن يدفع الشخص نحو عزلة اجتماعية تامة؟
بالطبع فإن الإرهاق العاطفي غير المعالَج لا يؤثر فقط على شعور الشخص الداخلي، بل ينعكس بشكل مباشر على طريقة تواصله وعلاقاته مع الآخرين. فعندما يكون الشخص مستنزَفًا لفترة طويلة، تقل قدرته على تنظيم مشاعره وتحمّل الضغوط اليومية، فيصبح أكثر ميل للعزلة لنفاذ بطاريته النفسية بشكل أسرع، فيصبح أكثر عُرضة للانفعال، وسرعة الغضب، أو الشعور بأن أي طلب إضافي يمثل عبئًا، وإذا استمر الأمر دون إنتباه أو دعم، قد يصل الشخص إلى عزلة اجتماعية واضحة حين تصبح المسافة مع الآخرين وسيلة للهروب من الشعور بالاستنزاف.
في الختام، وبناءً على الحالات التي تواجهيها في عيادتك؛ ما هي الخطوات العملية الخمس لإعادة بناء الطاقة النفسية، وكيف يساعد التدرّب على مهارة "وضع الحدود" وقول (لا) في التحرر من فخ الإرهاق العاطفي؟
من خلال الحالات التي تتردد على العيادة، أنصَح غالبًا بهذه الخطوات العملية لإعادة بناء الطاقة النفسية:
الوعي بالاحتياجات النفسية وإعادة شحن الطاقة بشكل دوري من خلال:
- ملاحظة علامات الاستنزاف مبكرًا.
- تخصيص وقت للراحة والاهتمام بالنفس من وقت لآخر قبل الوصول إلى مرحلة الإنهاك.
التدرّب على طلب المساعدة وقبول الدعم
- الإدراك بأن طلب المساندة ليس ضعفًا، بل وسيلة للحفاظ على التوازن النفسي وتقليل الحِمل المستمر.
وضع حدود واضحة في العلاقات
- معرفة ما يستطيع الشخص القيام به وما يتجاوز طاقته.
- التدرّب على قول "لا" بطريقة صحية وواضحة مع الحفاظ على الاحترام والعلاقات الصحية مع محيطك.
- فهم أن الحدود ليست رفضًا للآخرين، بل حماية للطاقة النفسية ووسيلة صحية لاستمرار العلاقات.
إعادة تقييم دائرة العلاقات المحيطة بشكل دوري
- التمييز بين العلاقات الداعمة والعلاقات المستنزفة.
- العمل على تحسين العلاقات القابلة للإصلاح، تجنب العلاقات المؤذية قدر الإمكان.
التخلي عن المثالية المرهِقة والتدرّب على الإنجاز الواقعي
- السعي لإنهاء المهام بشكل جيد وفعّال وليس بشكل مثالي.
- تقليل الضغط الداخلي المرتبط بفكرة "يجب أن يكون كل شيء مثاليًا"



