على الرغم من كونه موسم الراحة والسفر، فإن فصل الصيف يرتبط ببعض الأمراض التي قد تصيبنا فيه، ومن بينها الاضطرابات العاطفية الموسمية، وأيضاً اكتئاب الصيف. في هذا الحوار لموقع صحتك، تحدثنا د. ميرنا شوبح عن التفاصيل.
ما الاضطرابات العاطفية الموسمية (SAD)؟
الاضطرابات العاطفية الموسمية (Seasonal Affective Disorder – SAD) هي نوع من الاكتئاب يرتبط بتغيّر فصول السنة. غالبا ما تبدأ أعراضه في أواخر الخريف أو بداية الشتاء وتزول مع قدوم الربيع والصيف، إلا أن بعض الأشخاص قد يعانون منه خلال أشهر الصيف أيضًا، وإن كان ذلك أقل شيوعًا.
تشمل أعراض هذا الاضطراب الشعور بالحزن أو الكآبة معظم اليوم، وفقدان الاهتمام بالأنشطة اليومية، وانخفاض الطاقة وصعوبة التركيز، إضافة إلى اضطرابات النوم (كثرة النوم أو الأرق) وتغيّرات في الشهية أو الوزن والانسحاب الاجتماعي. ويُعتقد أن الاضطراب العاطفي الموسمي مرتبط بتغير مستويات الضوء الطبيعي، مما يؤثّر على الساعة البيولوجية للجسم وعلى هرمونات مثل السيروتونين والميلاتونين، التي تلعب دوراً مهماً في الحالة المزاجية والنوم.
هل تُعتبر أكثر شيوعاً خلال فصل الصيف، وهل الصيف يؤثّر على النفسية؟
الاضطرابات العاطفية الموسمية ليست أكثر شيوعاً خلال فصل الصيف؛ بل إن الغالبية العظمى من الحالات تحدث في فصلَي الخريف والشتاء، ويُطلق عليها غالبا "الاكتئاب الشتوي".
أما الحالات التي تظهَر في فصل الصيف فهي أقل شيوعاً وتُعرف باسم "الاكتئاب الصيفي"، وهي تمثل نسبة صغيرة من حالات الاضطراب العاطفي الموسمي.
الفرق أن اكتئاب الشتاء غالباً ما يرتبط بانخفاض ضوء الشمس، بينما اكتئاب الصيف قد يرتبط بعوامل مثل ارتفاع درجات الحرارة، أو تغيّرات في نمط الحياة أو النوم.
رغم أن الاضطراب العاطفي الموسمي أكثر شيوعاً في فصل الشتاء، فإن نسبة صغيرة من الأشخاص يعانون منه خلال فصل الصيف. فالصيف قد يُحسّن المزاج لدى البعض، لكنه قد يُسبّب أيضا التوتر والقلق والاكتئاب نتيجة ارتفاع درجات الحرارة، أو اضطراب الروتين اليومي، أو وجود مشكلات متعلّقة بصورة الجسد.
ما الاكتئاب الموسمي الصيفي، وما أسباب اكتئاب الصيف وأعراضه، وما طرق الوقاية وسبل علاجه؟
الاكتئاب الصيفي هو نوع من الاكتئاب يُحفّزه فصل الصيف وظروفه، مثل ارتفاع درجات الحرارة، وفرط التعرض لأشعة الشمس، واضطرابات النوم. ومن أبرز أعراضه: الأرق، والتوتر، وفقدان الشهية، والقلق. والاكتئاب الموسمي الصيفي هو نوع من الاضطراب العاطفي الموسمي الذي يظهَر لدى بعض الأشخاص خلال أشهر الصيف، على عكس الشكل الأكثر شيوعاً الذي يحدث في الخريف والشتاء. ويُعد هذا النوع أقل انتشاراً، لكنه حقيقي ويؤثّر على الحالة النفسية بشكل كبير لدى المصابين به.
أسباب اكتئاب الصيف: على الرغم من أن فصل الصيف غالبا ما يرتبط بالبهجة والنشاط، فإن بعض الأشخاص قد يعانون من مشاعر اكتئابية خلاله. ويعود ذلك إلى مجموعة من العوامل، من أبرزها ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة، مما قد يسبب التوتر والإرهاق الجسدي والنفسي؛ إضافةً إلى تغيّرات في الروتين اليومي مثل الإجازات أو اضطراب مواعيد النوم والاستيقاظ. كما يُسهم القلق المرتبط بالمظهر الخارجي خلال موسم البحر والعطلات في زيادة الضغط النفسي، إلى جانب فرط التعرض لأشعة الشمس، الذي قد يخلّ بتوازن الساعة البيولوجية للجسم ويؤثّر على جودة النوم. وتُعد الوحدة والعزلة الاجتماعية أحد العوامل المفاقِمة، لا سيما لدى من يفتقدون الأنشطة أو الأصدقاء خلال هذه الفترة.
طرق الوقاية من اكتئاب الصيف: يمكن التقليل من احتمالية الإصابة بالاكتئاب المرتبط بفصل الصيف من خلال اتباع بعض العادات اليومية الصحية، في مقدمتها الحفاظ على برنامج نوم منتظم، وتجنّب السهر المفرط، لما لذلك من أثر كبير على التوازن النفسي. كما تسهم ممارسة التمارين الرياضية بانتظام في تحسين المزاج وتعزيز الطاقة الإيجابية. ويُنصح أيضاً بتجنّب التعرض المباشر والمطوّل للحرارة العالية، والحرص على البقاء في أماكن مكيّفة خلال فترات الذروة الحرارية. يخفف الانخراط في أنشطة اجتماعية مفيدة من الشعور بالعزلة، بينما يساعد تجنّب مقارنة الذات بالآخرين –خاصة فيما يتعلق بالمظهر الجسدي– على تقليل الضغوط النفسية. وأخيراً، فإن تناول وجبات متوازنة ومغذية يساهم في الحفاظ على توازن الجسم والعقل على حد سواء.
سبل العلاج من اكتئاب الصيف: عند استمرار أعراض الاكتئاب الصيفي، يُنصح بطلب الاستشارة النفسية المتخصصة لتقييم الحالة وتحديد النهج العلاجي المناسب. من أبرز طرق العلاج المتّبعة: العلاج السلوكي المعرفي (CBT) الذي يساعد على التعامل مع الأفكار السلبية وتغيير أنماط التفكير غير الصحية، بالإضافة إلى استخدام الأدوية المضادة للاكتئاب تحت إشراف طبي مختص في الحالات التي تستدعي ذلك. كما يُعد العلاج بالحديث أو بجلسات الدعم النفسي وسيلة فعّالة لتخفيف الضغط النفسي وتعزيز الشعور بالتوازن العاطفي. ويُكمل ذلك تنظيم نمط الحياة والساعات البيولوجية، بما في ذلك تحسين جودة النوم، وقد يستلزم الأمر تقليل التعرّض المفرط للضوء أو الحرارة في بعض الحالات لتحقيق أفضل النتائج.
كيف يؤثّر الحر الشديد على الصحة النفسية إيجاباً أو سلباً، وهل الصيف يحسّن الصحة النفسية؟
يسبب الحر الشديد آثارًا نفسية صعبة في كثير من الأحيان، فقد ينعكس سلباً على الحالة المزاجية ويزيد من مستوى التوتر والانفعال، حين يؤدي ارتفاع درجات الحرارة إلى الشعور بالإرهاق النفسي والعصبية المتزايدة، وقد يتفاقم الأمر أحياناً ليصل إلى حدوث اضطرابات نوم أو قلق، نظراً لانعدام الراحة البدنية وارتفاع مستويات الانزعاج. من جهة أخرى، يمكن للحرّ الدافئ —إذا كان معتدلا ومستمرا لفترة قصيرة— أن يعزز الشعور بالطاقة الإيجابية والاسترخاء لبعض الأشخاص، خاصة إذا تزامَنَ مع أنشطة خارجية هادئة أو مع تمضية الوقت في أماكن مظللة ومكيفة. إلا أن الفارق الحقيقي يكمن في كيفية التعامل مع الحرارة، فباتباع إجراءات الحماية مثل شرب الماء، وتجنب الشمس المباشرة، وخلق بيئة مريحة داخل المنزل، يمكن تخفيف التأثيرات السلبية والتركيز على الجانب الإيجابي من فصل الصيف.
قد يكون للصيف تأثير إيجابي على الصحة النفسية لدى كثير من الأشخاص، وذلك لأسباب متعددة، منها زيادة التعرض لأشعة الشمس التي تعزز من إنتاج الفيتامين "د"، مما يرفع مستويات "السيروتونين" المرتبط بتحسين المزاج. كما أن طول النهار وإمكانية قضاء وقت أطول في الهواء الطلق أو على الشواطئ يساهم في تقليل التوتر وتعزيز الشعور بالسعادة والراحة النفسية.
هل صحيح أن الصيف الحار يرفع مستويات القلق والتوتر؟
نعم، قد يرفع الصيف الحار مستويات القلق والتوتر لدى بعض الأشخاص، فارتفاع درجات الحرارة، خاصة في البيئات الحضَرية المزدحمة أو الأماكن غير المكيّفة، يؤدي إلى شعور عام بعدم الراحة الجسدية، مما ينعكس مباشرة على الحالة النفسية. وقد أظهرت بعض الدراسات أن الحرارة الشديدة ترتبط بزيادة في حالات التهيج العصبي، وتقلبات المزاج، وحتى ارتفاع معدلات السلوك العدواني. كما أن اضطرابات النوم الناتجة عن الحرّ، والجفاف أو فقدان الطاقة، قد تؤدي إلى مزيد من التوتر والقلق.
هل تُعتبر النساء الأكثر تضرراً وإصابة بمرض اكتئاب الصيف ولماذا؟
النساء عموماً أكثر عرضة للإصابة بالاضطراب العاطفي الموسمي، بما في ذلك اكتئاب الصيف. ويُعزى ذلك على الأرجح إلى حساسيتهنّ الهرمونية وارتفاع مستويات التوتر المرتبطة بصورة الجسد والأدوار المرتبطة برعاية الآخرين.
ما أهم النصائح لتعزيز الصحة النفسية خلال فصل الصيف؟
للحفاظ على الصحة النفسية خلال فصل الصيف، من المهم اتباع بعض الإرشادات التي تساهم في تعزيز الشعور بالراحة والتوازن النفسي. من أبرز هذه الإرشادات: شرب كميات كافية من الماء لتفادي الجفاف، والحفاظ على نمط نوم منتظم يدعم التوازن الهرموني والنفسي، وتجنب التعرض المباشر والمفرط لأشعة الشمس والحرارة العالية. كما يُستحسن ممارسة التمارين الرياضية في الصباح الباكر أو في الأماكن المكيفة، وارتداء ملابس خفيفة تسمح بتهوية الجسم. ولا يقل عن ذلك أهمية ممارسة التأمل واليقظة الذهنية لتخفيف التوتر، إضافة إلى المحافظة على الروابط الاجتماعية التي تشكّل دعماً مهماً للصحة النفسية، خصوصاً في فترات الإرهاق الحراري أو العزلة الصيفية.
د. ميرنا شوبح هي أخصائية ماهرة في علم النفس الإكلينيكي في قسم علم النفس في فرع جميرا لمركز ميدكير الطبي، حصلت على درجتي البكالوريوس والماجستير في علم النفس من جامعة البلمند في لبنان، ثم حصلت بعد ذلك على درجة الدكتوراه في علم النفس السريري والتحليل النفسي من جامعة السوربون باريس نورد المرموقة في فرنسا. وهي تنتسب لمنتدى دو تشامب لاكانين دو لبنان (FCLL)، وكانت رئيسته في السابق. وتنتسب أيضا إلى المنتديات الدولية (IF)، كما أنها عضو في لجنة العلاج النفسي في نقابة الأطباء النفسيين اللبنانية.
أمضت د. ميرنا أكثر من عقد من الزمن في الممارسة الخاصة كطبيبة نفسية إكلينيكية، وقد بدأت حياتها المهنية بالعمل في وحدة الطوارئ النفسية للاجئين السوريين في الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، ثم مع منظمة وطن للاجئين السوريين. وهناك تعلمت أهمية رعاية الأطفال وتطوير الدعم لهم من خلال الوسائل النفسية والاجتماعية. كما عملت لفترة وجيزة في المركز البلجيكي اللبناني للعقم (CBLI)، وذلك أثناء استمرارها في التدريس، كدكتورة في علم النفس (أستاذ مساعد) في الجامعة اللبنانية والجامعة الأنطونية. ثم انتقلت بعد ذلك إلى الإمارات العربية المتحدة للانضمام إلى مركز ثرايف للصحة النفسية التابع للدكتورة سارة رسمي في دبي.
تمتلك د. ميرنا خبرة واسعة تشمل علاج الاكتئاب والتوتر والقلق والرهاب والأعراض النفسية الجسدية والمخاوف الصحية وديناميكيات الأسرة والزوجين وعلاج الأزواج والانفصال والطلاق. كما أنها تقدِّم أيضًا استشارات حول العقم، وتقدِّم الدعم النفسي أثناء التلقيح الصناعي والحمل وتحديات ما بعد الولادة مثل فقدان الفترة المحيطة بالولادة وصعوبات التعلق والإجهاض. وقد نجحت في علاج حالات السلوك والاضطرابات السلوكية التي تعود أصولها إلى الصدمة، وكذلك اضطراب ما بعد الصدمة.



