الغدة الدرقية هي محرك الطاقة والتمثيل الغذائي في الجسم البشري، وأي خلل في إفرازاتها الهرمونية قد يقلب توازن الصحة رأسًا على عقب مسببًا أعراضًا تؤثر على النشاط، والعادة الشهرية، والوزن، والمزاج. في هذا اللقاء الخاص مع منصة "صحتك"، نستضيف الدكتورة غيداء قداحة، استشارية طب الغدد الصماء والسكري، لتتحدث عن اضطرابات الغدة الدرقية، وخمولها ونشاطها الزائد، وكيفية السيطرة عليها لاستعادة حيوية الجسم بأمان.
تُعرَف هذه الغدة بأنها "مركز التحكم الخفي"، هل يمكنك أن تشرحي لنا كيف تؤثر الغدة الدرقية على وظائف الجسم الحيوية، ولماذا تُعد صحتها أهم بكثير مما يعتقد البعض؟
رغم صغر حجم الغدة الدرقية، إلا أن تأثيرها على الصحة العامة واسع النطاق بشكل لافت. تقع هذه الغدة في مقدمة الرقبة، وتُنتج هرمونات تساعد على تنظيم عملية الأيض، وإنتاج الطاقة، ومعدل ضربات القلب، ودرجة حرارة الجسم، والهضم، والمزاج، والعديد من الوظائف الحيوية الأخرى.
ونظرًا لأن هرمونات الغدة الدرقية تؤثر في معظم أجهزة الجسم، فإن أي اختلال فيها، حتى وإن كان بسيطًا، قد ينعكس على شعور الإنسان وقدرته على أداء أنشطته اليومية. ومما يجعل اضطرابات الغدة الدرقية أكثر تحديًا هو أن أعراضها غالبًا ما تتطور تدريجيًا، وقد يتم الخلط بينها وبين التوتر أو التقدم في العمر أو عوامل مرتبطة بنمط الحياة.
لذلك، فإن الحفاظ على صحة الغدة الدرقية أمر بالغ الأهمية، لأن التشخيص المبكر والعلاج المناسب يساعدان على تجنب المضاعفات ودعم الصحة والعافية على المدى الطويل.
نلاحظ في الآونة الأخيرة حديثًا مستمرًا عن مشاكل الهرمونات؛ ما الأسباب الكامنة وراء الارتفاع المتزايد في معدلات الإصابة باضطرابات الغدة الدرقية عالميًا وفي منطقتنا تحديدًا؟ وهل لنمط الحياة الحديث علاقة بذلك؟
هناك عدة عوامل قد تساهم في تزايد اكتشاف وتشخيص اضطرابات الغدة الدرقية. فارتفاع مستوى الوعي الصحي، وتحسّن الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية، وتطور أدوات التشخيص، كلها عوامل ساهمت في الكشف المبكر عن حالات ربما كانت تمر دون تشخيص في السابق.
كما يمكن أن تلعب العوامل الوراثية، وأمراض المناعة الذاتية، وازدياد متوسط الأعمار، والعوامل البيئية دورًا في حدوث اضطرابات الغدة الدرقية.
ورغم أن نمط الحياة لا يُعد سببًا مباشرًا لمعظم أمراض الغدة الدرقية، فإن عوامل مثل التوتر المزمن، وسوء النوم، وقلة النشاط البدني، والاختلالات الغذائية، والسمنة قد تؤثر في الصحة الهرمونية بشكل عام، وقد تساهم في ظهور الأعراض أو زيادة حدتها.
والخبر الإيجابي هو أن تزايد الوعي يساعد المزيد من الأشخاص على طلب الفحص والعلاج قبل أن تؤثر الأعراض بشكل كبير في جودة حياتهم.
تتنوع اضطرابات الغدة الدرقية بين الخمول والنشاط الزائد. ما هي العلامات التحذيرية الواضحة التي تشير إلى ضرورة زيارة الطبيب لإجراء الفحوصات؟
تختلف أعراض اضطرابات الغدة الدرقية بشكل كبير تبعًا لكونها في حالة قصور أو فرط نشاط.
فقد يؤدي قصور الغدة الدرقية إلى الشعور المستمر بالإرهاق، وزيادة الوزن غير المبررة، وعدم تحمل البرد، وجفاف الجلد، والإمساك، وانخفاض المزاج، وصعوبات الذاكرة، وبطء التفكير.
أما فرط نشاط الغدة الدرقية فقد يترافق مع فقدان الوزن غير المبرر، وتسارع ضربات القلب، والتعرق المفرط، والقلق، والرعشة، وصعوبة النوم، وعدم تحمل الطقس الحار.
وينبغي استشارة الطبيب عند ملاحظة أعراض مستمرة لا يمكن تفسيرها بسهولة، خاصة إذا بدأت تؤثر في الأنشطة اليومية أو الأداء الوظيفي أو النوم أو الصحة العامة. وغالبًا ما يكون إجراء فحص دم بسيط كافيًا لتقديم معلومات مهمة حول وظيفة الغدة الدرقية.
ما أبرز المفاهيم الخاطئة التي ينبغي تصحيحها فيما يتعلق باضطرابات الغدة الدرقية؟
من أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعًا الاعتقاد بأن اضطرابات الغدة الدرقية هي السبب الوحيد وراء التغيرات الكبيرة في الوزن. صحيح أن هرمونات الغدة الدرقية تؤثر في عملية الأيض، إلا أن تغيّر الوزن غالبًا ما يتأثر بعوامل متعددة، منها النظام الغذائي، والنشاط البدني، والنوم، والعوامل الوراثية، والحالة الصحية العامة.
ومن المفاهيم الخاطئة أيضًا أن اضطرابات الغدة الدرقية تظهَر دائمًا بأعراض واضحة إذ قد قد يعاني كثير من الأشخاص من أعراض خفيفة أو غير محددة يَسهل تجاهلها.
كما يعتقد البعض أن هذه الاضطرابات تصيب النساء فقط، لكن الرجال أيضًا قد يصابون بها ويعانون أعراضًا مشابهة.
وربما الأهم من ذلك أن بعض الأشخاص يعتقدون أن أمراض الغدة الدرقية يصعب التحكم بها، في حين أن معظم الحالات يمكن ضبطها بنجاح من خلال التشخيص الصحيح والعلاج المناسب والمتابعة المنتظمة، ما يمكّن المرضى من عيش حياة صحية ونشطة.
هل يمكن أن تؤثر سلبًا على العادة الشهرية لدى الفتاة؟ ما الأسباب؟ وكيف يمكن علاج هذا الأمر؟ وهل من فحوصات معينة لتفادي اضطراب الغدة الدرقية؟
نعم، تؤدي هرمونات الغدة الدرقية دورًا مهمًا في الصحة الإنجابية، ويمكن أن تؤثر في انتظام الدورة الشهرية. فكل من قصور الغدة الدرقية وفرط نشاطها قد يؤديان إلى اضطرابات في الدورة الشهرية، مثل عدم انتظامها، أو زيادة أو قلة النزيف، أو انقطاع الدورة، أو التأثير في الخصوبة.
تَحدث هذه التأثيرات لأن هرمونات الغدة الدرقية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالهرمونات الأخرى المسؤولة عن تنظيم عمل الجهاز التناسلي، وعندما يختل توازن هرمونات الغدة الدرقية، قد تتأثر الإشارات الهرمونية الطبيعية في الجسم.
والخبر الجيد هو أن هذه المشكلات غالبًا ما تتحسن بعد تشخيص الحالة الأساسية وعلاجها بالشكل المناسب. كما أن الكشف المبكر يتم عادة بسهولة من خلال تحاليل الدم التي تقيس مستويات هرمونات الغدة الدرقية والهرمون المحفز للغدة الدرقية (TSH).
ينبغي للنساء اللواتي يعانينَ من اضطرابات غير مفسّرة في الدورة الشهرية مناقشة هذه الأعراض مع الطبيب الذي يمكنه تحديد ما إذا كانت هناك حاجة لإجراء فحوصات للغدة الدرقية.
يشتكي كثير من مرضى الغدة الدرقية من تقلبات مزاجية حادة أو شعور بالاكتئاب والخمول المعرفي. إلى أي مدى تؤثر هذه الاضطرابات على الصحة النفسية والعقلية للمريض؟
غالبًا ما يتم التقليل من أهمية العلاقة بين صحة الغدة الدرقية والصحة النفسية. فهرمونات الغدة الدرقية تؤدي دورًا مهمًا في وظائف الدماغ وتنظيم المشاعر، ولذلك فإن أي خلل في مستوياتها قد يؤثر في المزاج والتركيز والذاكرة ومستويات الطاقة.
فقد يساهم قصور الغدة الدرقية في ظهور أعراض مثل انخفاض المزاج، وضعف الدافعية، والضبابية الذهنية، وصعوبة التركيز. أما فرط نشاط الغدة الدرقية فقد يرتبط بالقلق، وسرعة الانفعال، والتوتر، واضطرابات النوم.
ومن المهم إدراك أن هذه الأعراض تمثل مظاهر جسدية حقيقية لاختلال التوازن الهرموني، وليست مجرد استجابات نفسية أو عاطفية. وعندما تعود وظائف الغدة الدرقية إلى مستوياتها الطبيعية، يلاحظ كثير من المرضى تحسنًا ملحوظًا في صحتهم النفسية والعاطفية.
مع تطور الطب، كيف يتم تشخيص اضطرابات الغدة الدرقية بدقة؟ وما هي الخيارات العلاجية الحديثة المتاحة للسيطرة عليها ومنع مضاعفاتها؟
أصبحت اضطرابات الغدة الدرقية اليوم تُشخَّص بدقة عالية من خلال الجمع بين التاريخ الطبي للمريض، والفحص السريري، وتحاليل الدم، وإجراء بعض الفحوصات التصويرية مثل التصوير بالموجات فوق الصوتية (الألتراساوند) عند الحاجة.
وتظل تحاليل الدم الركيزة الأساسية للتشخيص، لأنها توفّر معلومات مهمة حول مستويات هرمونات ووظائف الغدة الدرقية. وفي بعض الحالات، قد تكون هناك حاجة إلى فحوصات إضافية للكشف عن الأسباب المناعية الذاتية أو لتقويم أي تغيرات هيكلية في الغدة.
ويعتمد العلاج على طبيعة الحالة وتشخيصها المحدد، وقد يشمل أدوية لتعويض نقص هرمونات الغدة الدرقية، أو علاجات للحد من الإفراط في إنتاج الهرمونات، أو الاكتفاء بالمتابعة الدورية عند الحاجة.
ومع المتابعة المنتظمة وخطة العلاج الشخصية المناسبة، يمكن السيطرة على معظم اضطرابات الغدة الدرقية بفعالية كبيرة، بما يتيح للمريض الحفاظ على جودة حياة جيدة وتقليل خطر المضاعفات طويلة الأمد.
ختامًا، ما هي أبرز النصائح العملية والغذائية التي تساعد الأفراد على الحفاظ على صحة الغدة الدرقية والوقاية من مشكلاتها المستقبليّة؟
رغم أنه لا يمكن الوقاية من جميع اضطرابات الغدة الدرقية، إلا أن هناك العديد من الخطوات العملية التي يمكن للأشخاص اتباعها لدعم صحة الغدة الدرقية والصحة الهرمونية بشكل عام.
وتشمل هذه الخطوات اتباع نظام غذائي متوازن، وممارسة النشاط البدني بانتظام، وضبط التوتر، والحصول على قسط كافٍ من النوم الجيد، والامتناع عن التدخين، والحرص على إجراء الفحوصات الصحية الدورية.
كما يُعد النظام الغذائي الغني بالعناصر الغذائية الأساسية، بما في ذلك اليود بالكميات المناسبة، مهمًا لصحة الغدة الدرقية، مع التأكيد على أن تناول المكملات الغذائية ينبغي أن يتم فقط بناءً على توصية طبية.
وأود كذلك أن أشجع الجميع على عدم تجاهل الأعراض المستمرة مثل الإرهاق غير المبرَّر، أو تغيرات الوزن، أو اضطرابات المزاج، أو عدم انتظام الدورة الشهرية، وعدم اعتبارها مجرد نتيجة لضغوط الحياة اليومية. فالتقويم المبكر والعلاج في الوقت المناسب يظلان من أكثر الوسائل فعالية للحفاظ على صحة الغدة الدرقية والوقاية من المضاعفات المستقبلية.
د. غيداء قداحة، استشارية طب الغدد الصماء والسكري في قسم طب الغدد الصماء في مستشفى ميدكير للنساء والأطفال في الإمارات. تمتلك خبرة سريرية تمتد لأكثر من 40 عامًا في تشخيص وعلاج مرض السكري واضطرابات الغدة الدرقية وهشاشة العظام. تحمل شهادة بكالوريوس الطب والجراحة (MBBS)، وعضوية الكلية الملكية للأطباء في المملكة المتحدة (MRCP)، وزمالة الكلية الملكية للأطباء في لندن (FRCP)، كما أكملت برنامج الزمالة الطبية في مستشفى رادكليف إنفِرمَري ومستشفى جون رادكليف في أكسفورد بالمملكة المتحدة.
وعلى مدار مسيرتها المهنية، عملت في عدد من المستشفيات الرائدة في دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث قدّمت رعاية طبية شاملة للمرضى المصابين بمختلف اضطرابات الغدد الصماء والأيض.



