مع عودة العام الدراسي، قد يعاني بعض الأهل والأولاد من قلق العودة إلى المدارس وقد يتحول هذا القلق إلى خوف غير طبيعي من المعلمين والتنمر ومن التعرف على أصدقاء جدد أو بسبب رهاب المدرسة. في هذا الحوار نتعرف على أسباب قلق العودة إلى المدارس مع ليندي نهلابو الأخصائية النفسية الإرشادية.
ما هي أبرز التحديات النفسية التي قد يواجهها الطلاب من قلق العودة إلى المدارس بعد الإجازة الصيفية؟ وكيف يمكن للآباء والمدرسين ملاحظة هذه التحديات؟
قد يَشعر الأطفال وأولياء الأمور بالتوتر من قلق العودة إلى المدارس بعد عطلة الصيف. ويكون الأمر أكثر صعوبة بالنسبة للأطفال في مرحلة الحضانة، أو عندما ينتقلون إلى المرحلة الإعدادية أو الثانوية، أو يلتحقون بمدرسة جديدة. يُعرَف هذا النوع من القلق أحيانًا باسم القلق الموسمي، وقد يظهَر على شكل توتر، أو خوف أو حتى نوبات هلع عند التفكير في العودة إلى الصف الدراسي. في دولة الإمارات، يُعتبر هذا الموضوع مهمًا ويستحق الانتباه.
يعاني المراهقون من اضطرابات مرتبطة بالقلق وقد تؤدي العودة إلى المدرسة إلى تفاقم هذه المشاعر. تشمل بعض المسببات الشائعة من التجارب السابقة مثل: التنمر أو الصعوبات الدراسية، إذ يخشى الأطفال بعدها تكرار هذه التجارب، ومن بينها القلق بشأن المعلمين الجدد، أو زملاء الصف، أو المواد الدراسية، مما قد يؤثّر على النوم ويزيد التوتر، بالإضافة إلى الضغوط الاجتماعية مثل تكوين صداقات أو محاولة الاندماج والتي قد تؤدي إلى قلق اجتماعي ملحوظ.
قد يلاحظ الأهالي علامات التوتر لدى أطفالهم عند مواجهة برنامج جديد أو مهام مدرسية أو تغييرات اجتماعية. القليل من القلق أمر طبيعي، لكن هناك مؤشرات تحذيرية عند ازدياد حدته والتي تشمل الأعراض الجسدية، والعاطفية والتغيّرات السلوكية.
ما هي أهم النصائح التي يمكن للأهل اتباعها لمساعدة أطفالهم على التأقلم مع الروتين الجديد والحد من قلق العودة إلى المدرسة؟
هناك مجموعة من النصائح المهمة التي يجب على الأهل وضعها في الاعتبار من بينها:
- إجراء محادثات مفتوحة
- إعادة التواصل مع الأصدقاء
- الحفاظ على جو إيجابي
- التسوق استعدادًا للعودة إلى المدرسة
- تنظيم مستلزمات المدرسة
- وضع برنامج يومي مبكر
- وضع نظام يومي منتظم
كيف يمكننا التمييز بين القلق الطبيعي الناتج عن العودة للمدرسة، وبين القلق الذي يستدعي تدخل متخصص؟ وما هي العلامات التحذيرية التي يجب الانتباه إليها؟
إذا استمرت أعراض قلق العودة إلى المدارس بعد الأسابيع الأولى وبدَت شديدة، قد يكون من الضروري استشارة مختص، و إذا لاحظت أن قلق طفلك يؤثر على حياته اليومية أو إذا استمر لفترة أطول من المتوقع أو تزايد مع مرور الوقت، فقد حان الوقت للتواصل مع أخصائي صحة نفسية. تجنُّب المدرسة يعد مؤشرًا واضحًا على الحاجة إلى المساعَدة المهنية. يمكن للدعم المبكر أن يحدث فرقًا كبيرًا في مساعدة الأطفال على تطوير مهارات المواجهة الصحية داخل الصف وخارجه.
كيف يمكن للمدرسة أن تلعب دورًا داعمًا في تعزيز الصحة النفسية للطلاب، خاصة في الأسابيع الأولى من العام الدراسي؟
على الرغم من أن هذه المرحلة قد تكون صعبة جدًا لك ولطفلك مع وجود قلق العودة إلى المدارس ، من المهم الحفاظ على علاقة إيجابية مع المدرسة. حاول ملاحظة وتقدير الدعم الذي تقدّمه المدرسة وأي تعديلات يتم تنفيذها. العمل بشكل مشترك مع المدرسة يسهل دعم طفلك. الخطوة الأولى هي تحديد الشخص المناسب للتحدث معه وقد يكون معلم الفصل أو منسّق احتياجات التعليم الخاص (SENCO) أو المستشار التربوي. اعتمادًا على التحديات التي يواجهها طفلك، يمكن للمدرسة تقديم أشكال مختلفة من الدعم.
التعرض للتنمر أو الضغط الأكاديمي يُعتبر تحديًا كبيرًا. ما هي استراتيجيات التعامل الفعالة مع هذه المشكلات، وكيف يمكن للأهل مساعدة أبنائهم على تجاوزها؟
التنمر والضغط الأكاديمي من أكثر التحديات شيوعًا التي يواجهها الأطفال وأحد مسببات قلق العودة إلى المدارس، وكلاهما يمكن أن يؤثّر بشكل كبير على صحتهم النفسية وثقتهم بأنفسهم. بالنسبة للتنمر، من المهم أن يحرص الأهل على خَلق بيئة مفتوحة وداعمة يشعر فيها الطفل بالأمان لمشاركة ما يمر به.
يساعِد الاستماع إلى الطفل دون إصدار أحكام وتقدير مشاعره وطمأنته بأنه ليس مسؤولًا عما حدث، ويساعده على بناء الثقة. كما ينبغي على الأهل التعاون عن كثَب مع المدرسة لضمان اتخاذ الإجراءات المناسبة وللتأكد من شعور الطفل بالحماية. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يعزز تشجيع الصداقات الصحية والمشاركة في أنشطة تنمي الثقة بالنفس قدرة الطفل على الصمود والتكيف.
أما فيما يخص الضغط الأكاديمي، سواء كان مصدره المدرسة، أو الزملاء، أو التوقعات الذاتية، يمكن للأهل دعم الطفل من خلال التركيز على الجهد المبذول بدلاً من الكمال. تذكير الأطفال بأن التعلّم عملية مستمرة، وأن الأخطاء جزء طبيعي من النمو يساعد على تقليل الخوف من الفشل. في كلتا الحالتَين، يتمثل الدور الأساسي للأهل في كونهم متواجدين عاطفيًا ويقدمون التشجيع والدعم المستمر ويتعاونون مع المعلمين أو المختصين عند الحاجة. هذا المزيج من التعاطف والدعم العملي والشراكة، يمنح الأطفال الأدوات اللازمة للتعامل مع التحديات والشعور بالدعم أثناء تجاوزها.
ما هو دور التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي في التأثير على الحالة النفسية للطلاب خلال فترة الدراسة؟ وكيف يمكن تحقيق توازن صحي في استخدامها؟
تلعب التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي دورًا بارزًا في تشكيل الصحة النفسية للطلاب خلال سنوات الدراسة. من الناحية الإيجابية، يمكن أن تكون أدوات مفيدة في التعلم والتعبير عن الذات والحفاظ على التواصل الاجتماعي. ومع ذلك، فإن الإفراط في استخدامها أو الاستخدام غير المتوازن غالبًا ما يؤدي إلى تحديات مثل: ضعف النوم وزيادة القلق والتشتت الدراسي والمقارنات السلبية مع الأقران عبر الإنترنت.
بالنسبة للعديد من الطلاب، يضيف الضغط المستمر للبقاء متصلين والحفاظ على صورة رقمية مثالية مزيدًا من التوتر ويقلل من القدرة على التركيز على الدراسة والعلاقات الواقعية. تشير الدراسات العالمية إلى أن قضاء أكثر من ثلاث ساعات يوميًا على وسائل التواصل الاجتماعي يزيد من تعرض المراهقين لأعراض مثل: الانسحاب الاجتماعي والقلق والاكتئاب.
يجب خَلق توازن بين التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، ويتطلب ذلك استراتيجيات مدروسة في المنزل والمدرسة. في النهاية، الهدف ليس القضاء على التكنولوجيا، بل استخدامها بشكل واعٍ ومدروس. وعند التوازن الصحيح، يمكن للتكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي أن تدعم التعلم والتواصل دون التأثير سلبًا على الصحة النفسية للطلاب.
ما هي برأيك أفضل الطرق لتعزيز روح التواصل الاجتماعي بين الأفراد في مجتمعاتنا الحالية؟
من أكثر الطرق فعالية لمساعدة الطلاب على إطلاق المشاعر السلبية والحفاظ على صحتهم النفسية هو توفير وسائل متعددة ومرنة تحترم تنوع الاحتياجات والسياق الثقافي. في الإمارات، حيث يواجه الشباب غالبًا ضغوطًا أكاديمية واجتماعية كبيرة، بدأت المدارس في تقديم ممارسات مبتكرة مثل تطبيقات اليقظة الذهنية وحتى برامج الاسترخاء بالواقع الافتراضي لمساعدة الطلاب على تنظيم التوتر بطريقة تفاعلية.
وفي الوقت نفسه، يظل النشاط البدني عنصرًا محوريًا؛ فإن الممارسة الرياضية المنظمة واليوغا أو حتى فواصل الحركة القصيرة خلال الدروس تساعد على خفض مستويات الكورتيزول وتعزز المزاج الإيجابي. كما توفر الوسائل الإبداعية مثل :الموسيقى والفن وسرد القصص طرقًا غير لفظية للتعبير عن المشاعر وهو ما يفيد بشكل خاص الطلاب الذين يجدون صعوبة في التعبير بالكلام.
تجارب بعض المدارس في دبي، مثل الصفوف الصديقة للحواس، وأنظمة “الأصدقاء المساعدين”، تسهّل الانتقال الاجتماعي للطلاب القلقين أو ذوي التنوع العصبي، وتوفّر دعمًا كبيرًا لهم.
ممارسة اليقظة الذهنية والنشاط البدني يمكن أن يقلل التوتر، والممارسات المرتكِزة على الثقافة المحلية، مثل التأمل الجماعي الموجّه والحوار الأسري واليقظة الذهنية المبنية على القيم الدينية، تعزز الصمود العاطفي. في النهاية، يَخلق الدمج بين التكنولوجيا المبتكرة والتعبير الإبداعي والحركة البدنية إطارًا شاملًا يمكِّن جميع الطلاب من إطلاق المشاعر السلبية بأمان، وبناء القدرة على الصمود والازدهار في البيئات الأكاديمية والاجتماعية.



