في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه خدمات الأمومة في العالم العربي، من ضعف الرعاية المجتمعية إلى الضغط على الكوادر الطبية وتفاوت جودة الخدمات، تبرز أهمية الاستفادة من التجارب العالمية لفهم جذور المشكلة.
وتأتي هذه المقابلة مع الدكتورة لورين لاكاسينغ، استشارية طب النساء والتوليد وطب الأجنة في هيئة الخدمات الصحية البريطانية (NHS) والتي تمتلك خبرة تتجاوز 30 عامًا في العمل السريري، لتسليط الضوء على خدمات الأمومة وتحدياتها. ففي كتابها “ توليد الحقيقة Delivering the truth: Why NHS maternity care is broken and how we can fix it together”، تقدم الدكتورة رؤية داخلية جريئة تكشف أن الأزمة ليست في الأفراد، بل في الأنظمة التي تدفع الجميع—من أطباء ومديرين ومرضى—إلى العمل ضمن بيئة غير فعالة.
هذه الرؤية لا تخص بريطانيا فقط، بل يمكن إسقاط الكثير منها على واقع أنظمة الرعاية الصحية في العالم العربي.
أولاً: تطور خدمات الأمومة بين التحسينات الظاهرية والتعقيد الإداري
شهدت خدمات الأمومة تطورات كبيرة على مستوى التدريب والتقنيات، لكن هذه التطورات لم تؤدِ بالضرورة إلى تحسين تجربة المريض، بل صاحبها تضخم إداري واضح.
س: بعد أكثر من 30 عامًا من العمل في خدمات الأمومة ، ما هو أكبر تغيير شهدته؟
ج: شهدت تغيرات عديدة على مر السنوات، شملت تطورًا ملحوظًا في طرق تعليم وتدريب الكوادر الطبية، بالإضافة إلى تغيّر كيفية الوصول إلى الخدمات الصحية وطريقة تقديمها. كما تغيرت طبيعة النساء الحوامل أنفسهن، وكذلك توقعات المرضى من النظام الصحي.
لكن رغم كل هذه التغيرات، يبقى التحول الأبرز هو الزيادة الكبيرة في البيروقراطية المرتبطة بتقديم الرعاية الصحية. هذه البيروقراطية لم تعد مجرد إطار تنظيمي، بل أصبحت عبئًا يوميًا يؤثر على طريقة العمل، ويستهلك وقت الكوادر الطبية، ويُبعدهم عن التركيز الأساسي وهو رعاية الأم والطفل.
ثانيًا: السياسة وإدارة الصحة… حين تتحول الإصلاحات إلى دائرة مفرغة
تتأثر الأنظمة الصحية بشكل مباشر بالقرارات السياسية، لكن المشكلة تظهَر عندما تتحول هذه القرارات إلى تدخلات قصيرة المدى دون رؤية استراتيجية.
س: لماذا ترين أن التدخل السياسي قد يعيق تحسين خدمات الأمومة ؟
ج: المشكلة الأساسية أن السياسيين غالبًا ما يكون هدفهم الأول هو الوصول إلى السلطة أو الحفاظ عليها. وعلى الرغم من أن كثيرًا منهم يهتم فعليًا بالخدمات الصحية، إلا أنهم يميلون إلى البحث عن حلول سريعة تحقق نتائج ملموسة خلال فترة قصيرة، خاصة قبل الانتخابات.
لذلك، يتم طرح إصلاحات دون فهم حقيقي للوقت الذي تحتاجه هذه الإصلاحات لتؤتي
ثمارها. ثم تأتي حكومة جديدة، قد لا تلتزم بما بدأته سابقتها، أو تقدم إصلاحات مختلفة تمامًا، مما يؤدي إلى انقطاع الاستمرارية. وهكذا ندخل في حلقة متكررة من التغييرات غير المكتملة.
وبينما يبقى الإشراف السياسي ضروريًا لأي خدمة عامة، فإن التدخل المفرط في التفاصيل اليومية وعلى مختلف المستويات يجعل تحقيق تقدم حقيقي ومستدام أمرًا صعبًا للغاية.
ثالثًا: دعم الأمهات… بين حدود النظام الصحي وتعقيدات المجتمع
لا يمكن فصل تجربة الأمومة عن السياق الاجتماعي والاقتصادي، وهو ما يطرح تساؤلات حول حدود دور النظام الصحي في دعم الأمهات.
س: هل توفر أنظمة الرعاية الصحية دعمًا كافيًا للأمهات العاملات؟
ج: التحديات التي تواجه الأمهات العاملات هي في جوهرها قضايا شخصية ومجتمعية معقدة، تتعلق بسوق العمل، والسياسات الاجتماعية، والدعم الأسري.
أما الدور الأساسي في خدمات الأمومة داخل النظام الصحي، فهو يظل محددًا بشكل واضح، ويتمثل في ضمان ولادة آمنة لكل من الأم والطفل. وبالتالي، فإن دعم الأمهات العاملات يتطلب تدخلات أوسع من مجرد النظام الصحي.
س: ماذا عن الأمهات غير العاملات؟ كيف يمكن دعمهنّ؟
ج: في هذا السياق، تلعب خدمات القابلات في المجتمع (community midwifery) وزيارات الرعاية الصحية المنزلية دورًا محوريًا في دعم الأمهات، سواء من الناحية الجسدية أو النفسية.
لكن المشكلة أن هذه الخدمات لم تعد ضمن أولويات التمويل، مما أدى إلى تراجعها بشكل ملحوظ. وهذا التراجع يترك فجوة حقيقية في الدعم، خاصة للأمهات اللواتي يعتمدنَ بشكل كامل على هذه الخدمات في حياتهنّ اليومية.
رابعًا: جودة الرعاية وسلامة الأم والطفل… هل المشكلة تكمن في نقص الموارد؟
غالبًا ما يُفترض أن تحسين الرعاية الصحية يتطلب زيادة التمويل، لكن الواقع قد يكون أكثر تعقيدًا.
س: ما مدى أمان خدمات الأمومة حاليًا؟
ج: رغم وجود تحسن في بعض الجوانب، إلا أن الأداء العام لا يزال أقل من المستوى المطلوب، خاصة عند مقارنته بدول أخرى ذات دخل مرتفع، حيث تظهر البيانات نتائج أقل جودة.
السبب الرئيسي في ذلك لا يعود بالضرورة إلى نقص الموارد، بل إلى طريقة توزيعها. إذ يتم تخصيص جزء كبير من التمويل للعمليات الإدارية والإدارية العليا، على حساب الخدمات المباشرة المقدمة للمرضى.
وبالتالي، فإن تحسين الرعاية لا يتطلب دائمًا موارد إضافية، بل يتطلب إدارة أكثر كفاءة للموارد الحالية، وتوجيهها نحو الخطوط الأمامية حيث يتم تقديم الرعاية الفعلية.
خامسًا: تجربة الحوامل داخل النظام الصحي… مشكلات يومية متكررة
تجربة المرأة الحامل داخل النظام الصحي تشكل جزءًا أساسيًا من جودة الرعاية، وغالبًا ما تتأثر بعوامل تنظيمية أكثر من طبية.
س: ما أبرز المشكلات التي تشتكي منها النساء الحوامل؟
ج: هناك مجموعة من المشكلات المتكررة التي تعكس خللًا في تنظيم الخدمات، من أبرزها:
-
التأخير في تقديم الرعاية، مما يسبب قلقًا إضافيًا للحوامل.
-
تكرار المواعيد بشكل غير ضروري، ما يرهق المرضى دون فائدة حقيقية.
-
وجود مسارات عمل غير منطقية داخل النظام، تؤدي إلى إهدار الوقت والجهد.
-
غياب استمرارية مقدم الرعاية حيث تتعامل المرأة مع أكثر من شخص، مما يضعف الثقة ويؤثر على جودة التواصل.
سادسًا: رعاية ما بعد الولادة… الحلقة الأضعف في المنظومة
تُعد مرحلة ما بعد الولادة من أكثر المراحل حساسية، لكنها غالبًا ما تعاني من ضعف الاهتمام.
س: هل تقدم خدمات ما بعد الولادة الدعم الكافي للأمهات؟
ج: الإجابة ترتبط بشكل مباشر بما تم ذكره سابقًا حول ضعف خدمات الرعاية المجتمعية.
فعندما تكون هذه الخدمات غير ممولة بشكل كافٍ أو غير متاحة بشكل جيد، فإن الأمهات بعد الولادة لا يحصلنَ على الدعم الذي يحتجنه، سواء من الناحية الصحية أو النفسية. وبالتالي، فإن تحسين رعاية ما بعد الولادة يعتمد بشكل أساسي على إعادة الاستثمار في هذه الخدمات المجتمعية.
سابعًا: التواصل والثقة… حجر الأساس في تجربة الولادة
العلاقة بين الأم ومقدم الرعاية ليست فقط طبية، بل إنسانية بالدرجة الأولى، ويحددها مستوى الثقة والتواصل.
س: كيف يمكن ضمان شعور الأمهات بأن أصواتهنّ مسموعة؟
ج: التواصل الجيد هو الأساس، لكنه يحتاج إلى أن يكون خاليًا من الأفكار المسبقة من كلا الطرفين. من المؤسف أن هناك تقارير عن تجاهل مخاوف بعض الأمهات، وهو أمر محبط. لكن في المقابل، تواجه فرق الرعاية أحيانًا صعوبة في التعامل مع توقعات غير واقعية.
كما أن عملية الولادة، خاصة في الحالات الطارئة، هي عملية ديناميكية وسريعة، وقد لا يكون هناك وقت كافٍ لمناقشة كل التفاصيل، وهو ما قد تفسره بعض الأمهات على أنه تجاهل أو عدم احترام.
الحل الحقيقي يكمن في بناء علاقة ثقة، بحيث تشعر الأم أن الفريق الطبي يتخذ قراراته دائمًا بما يخدم مصلحتها ومصلحة طفلها.
ثامنًا: الاستعداد للولادة… كيف تقلل الأم من القلق؟
التحضير الجيد يمكن أن يُحدث فرقًا كبيرًا في تجربة الحمل والولادة.
س: ما النصيحة التي تقدمينها للأمهات القلقات؟
ج: من المهم التخطيط المسبق لكل زيارة طبية، وإعداد قائمة واضحة ومركزة من الأسئلة لطرحها على القابلة أو الطبيب. حتى لو بدت المواعيد سريعة أو مزدحمة، فإن هذا الأسلوب يضمن الحصول على معلومات دقيقة وموثوقة.
كما ينبغي تجنب الاعتماد على الإنترنت أو وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر أساسي للمعلومات، نظرًا لانتشار المعلومات غير الدقيقة. وفي يوم الولادة، ينبغي أن تضع الأم في اعتبارها أن الهدف الأهم هو الوصول إلى نتيجة آمنة لها ولطفلها، بغض النظر عن تفاصيل التجربة.
تاسعًا: تحسين النظام… تغييرات بسيطة بنتائج كبيرة
ليس بالضرورة أن تكون الحلول معقدة أو مكلفة، فبعض التعديلات الهيكلية البسيطة قد تُحدث فرقًا واضحًا.
س: ما التغييرات التي يمكن أن تُحدث فرقًا كبيرًا؟
ج: من أهم الخطوات تقليل عدد العاملين في الوظائف الإدارية التي الذين لا يتعاملون مباشرة مع المرضى، مقابل تعزيز الحوافز للعاملين في الخطوط الأمامية.
وجود عدد أكبر من الكوادر في مواقع تقديم الرعاية الفعلية يمكن أن يحسن جودة الخدمة بشكل مباشر، ويقلل من الضغط على العاملين، ويعزز تجربة المرضى.
في الختام، تكشف هذه المقابلة بوضوح أن أزمة خدمات الأمومة ليست فقط أزمة موارد، بل أزمة إدارة وأنظمة. وهي رسالة مهمة للعالم العربي، حيث تتكرر العديد من هذه التحديات بشكل أو بآخر.
تحسين رعاية الأمومة لا يتطلب فقط زيادة الإنفاق، بل يتطلب أيضًا إعادة التفكير في كيفية إدارة الأنظمة الصحية، وتعزيز دور الكوادر الطبية، وبناء علاقة ثقة حقيقية بين الأم وفريق الرعاية. عندها فقط يمكن الوصول إلى تقديم أفضل الخدمات للأمومة.