يُعد تجميد الجنين أداة بارزة في علم الإنجاب الحديث، لكن قلّما تسلط قصة الضوء على أبعاده العاطفية والأخلاقية والعلمية مثل تُحدثه ولادة طفل حديثًا تطور من جنين مجمَّد منذ أكثر من 30 عامًا. وُلِد هذا الطفل في 26 يوليو، ليحطم الرقم القياسي بصفته "أقدم طفل" يتم ولادته من جنين تم حفظه بالتبريد منذ عام 1994.
يمثل وصول هذا الطفل تتويجًا لعقود من الأمل والإيمان والتطورات في تقنيات الخصوبة، وعلى الرغم من أن الولادة كانت صعبة، إلا أن الأم والطفل بصحة جيدة، ولم يكن الهدف من هذه الرحلة تحطيم الأرقام القياسية، بل تحقيق حلم طال انتظاره.
البدايات: ثلاث آمال صغيرة
قبل أكثر من ثلاثة عقود، قررت امرأة كانت تعاني من العقم أن تخضع لعملية التلقيح الصناعي التي كانت آنذاك تقنية جديدة وغير مألوفة. في عام 1994، نجحت في إنجاب طفلة، بينما تم حفظ ثلاثة أجنة أخرى (بويضات ملقحة) عن طريق التجميد البطيء، وهي تقنية تم استبدالها لاحقًا بالتزجيج (vitrification).
احتفظت بهذه البويضات الملقحة مجمدة لسنوات طويلة، رغم ارتفاع تكاليف التخزين، وكانت تسميها "ثلاث آمال صغيرة"، وعلى الرغم من تغيّر ظروف حياتها، بما في ذلك الطلاق والوصول إلى سن اليأس، إلا أنها تمسكت بحلم إعطاء هذه الأجنة فرصة للحياة.
تجميد الجنين
لم يكن تجميد الجنين يُنظر إليه سابقًا كخيار طويل الأمد، ولكن اليوم، فقد أصبح وسيلة فعّالة، لكنها لا تخلو من التعقيدات، فقد تطلبت طرق التجميد القديمة إجراءات دقيقة وشديدة الحذر عند فك التجميد، باستخدام أدوات مثل السكاكين ذات الشفرات الماسية، ومعدات حماية السلامة داخل خزانات النيتروجين السائل، ورغم التحديات، نجت جميع البويضات الثلاثة من عملية التذويب، وتم نقل اثنين منها إلى رحم أم متلهفة، ليتطور أحدهما إلى جنين مكتمل ويُولد بصحة جيدة.
تكوين عائلة جديدة
كانت لدى المتبرعة بالأجنة رغبة قوية في معرفة العائلة التي ستَحتضن الطفل، ولهذا السبب، لجَأت إلى برنامج يَسمح بتبني الأجنة بشفافية، حيث يمكن للطرفين تبادل المعلومات واللقاء إن أرادوا، وبعد فترة من البحث، تم التوافق بينها وبين زوجَين كانا منفتحين على استقبال أي جنين، بغضّ النظر عن تاريخه أو ظروفه. كانا قد حاوَلا لسنوات الإنجاب دون نجاح، إلى أن اكتشفا هذا الخيار الذي لم يتوقعا أن يقودهما إلى نجاح الحمل ببويضة ملقحة مجمّدة (جنين مجمّد) لفترة 30 عامًا.
العلم وراء البقاء الطويل
قلّة من العيادات تقبل التلقيح الاصطناعي ببويضات مجمدة قديمة، وذلك بسبب المخاوف بشأن قابليتها للحياة وصعوبة التعامل معها فنيًا. إلا أن إحدى العيادات المتخصصة قررت قبول التحدي، وهي عيادة تتبنى مبدأ تقليل عدد الأجنة المجمّدة، وتعمل مع برامج تبنّي الأجنة، وبفضل خبرة الفنيين في المختبر، تم التعامل مع الأجهزة القديمة المعقدة بنجاح. كانت العملية صعبة، لكنها كانت مفتاحًا لتحقيق حلم العائلة.
أكثر من مجرد رقم قياسي
بالنسبة للعائلتَين المعنيتَين، لم تكن هذه القصة تدور حول تحطيم الأرقام القياسية، فالمتبرعة رأت أخًا جديدًا لابنتها، بينما حقّق الزوجان حلم الإنجاب، وأما الطفل المولود في عام 2025، فيحمل في قصته شهادةً حيّة على أن تجميد الجنين يمكن أن يكون جسرًا بين الماضي والمستقبل. على الرغم من أن العائلتَين لم تلتقيا بَعد، فإن الصور المتبادَلة أظهَرت تشابهًا ملحوظًا بين الطفل وأخته البيولوجية، ووصَفته المتبرعة بأنه "مثالي"، وتتمنى أن يجمعهما لقاء في المستقبل.
نصيحة من موقع صحتك
إذا كنت تفكرين في تجميد الجنين كجزء من رحلة خصوبتك، أو كنت تواجهين قرارًا بشأن أجنة تم تجميدها منذ زمن بعيد، فمن المهم الأخذ بعين الاعتبار كافة الجوانب الطبية والعاطفية والأخلاقية والدينية. من الناحية العلمية البحتة، إن مدة التخزين لا تعني بالضرورة ضعف الأمل، ولكنها تتطلب دعمًا من عيادات متخصصة، وتواصلاً صادقًا بين جميع الأطراف، والأهم من ذلك، أن تختاري الطريق الذي يتماشى مع معتقداتك الأخلاقية والدينية.



