أظهرت دراسة كبيرة شملت أكثر من 600,000 شخص من كبار السن في الولايات المتحدة أن التعرض للرصاص في الطفولة قد تكون له تأثيرات سلبية طويلة الأمد على صحة الدماغ. فقد تبين أن الذين نشؤوا في مناطق ذات مستويات مرتفعة من الرصاص في الهواء الجوي كانوا أكثر عرضة بنسبة 20% للإبلاغ عن مشكلات في الذاكرة بعد مرور نصف قرن على تعرّضهم هذا. ووفقًا للبيانات، فإن التعرّض للرصاص في الطفولة، حتى وإن كان بمستويات متوسطة، يرتبط بزيادة احتمال ضعف الذاكرة في سن الشيخوخة.
وبالمقارنة مع مَن عاشوا في مناطق منخفضة التلوث بالرصاص، أظهرت النتائج أن التعرّض للرصاص في الطفولة في مناطق متوسطة أو عالية أو مرتفعة جدًا، يزيد من احتمال حدوث المشكلات المعرفية، بحسب ما أكده الباحثون خلال مؤتمر الجمعية الدولية لمرض ألزهايمر.
التعرض للرصاص في الطفولة.. إرثٌ سامّ من الماضي
في منتصف القرن العشرين، كان يُضاف الرصاص إلى البنزين لتحسين أداء المحركات. ولكن مع تزايد الأدلة على مخاطره الصحية، بدأت السلطات بإزالته تدريجيًا، حتى حُظر بالكامل في السيارات الجديدة ابتداءً من عام 1975. ويُعد التعرّض للرصاص في الطفولة خلال هذه الحقبة أحد الأسباب التي يُشتبه بها في تفسير التراجع الإدراكي لدى كبار السن اليوم. تشير تقديرات بحثية إلى أن حوالي 170 مليون أمريكي تعرّضوا لمستويات مرتفعة من الرصاص وهم أطفال. في كثير من الحالات، ارتبط هذا التعرّض بانخفاض معدل الذكاء وتراجع القدرات الذهنية لاحقًا في الحياة.
دراسة موسَّعة تربط بين الماضي والحاضر
اعتمد الباحثون على بيانات وكالة حماية البيئة الأمريكية لتحديد مستويات الرصاص في الهواء بين عامَي 1960 و1974، وهي فترة ذروة استخدام البنزين المرصّص. ثم ربُطت هذه البيانات بمعلومات من "المسح المجتمعي الأمريكي"، مركّزين على الأفراد الذين تجاوزت أعمارهم 65 عامًا ويقيمون في نفس الولاية التي وُلدوا فيها.
تشير النتائج إلى أن التعرض للرصاص في الطفولة ليس مجرد ذكرى بيئية، بل تجربة قد تؤثّر على بنية الدماغ ووظائفه مدى الحياة.
كيف يؤثّر الرصاص على خلايا الدماغ؟
أظهرت دراسة من جامعة بوردو أن الخلايا العصبية التي تم تعريضها للرصاص أظهرت علامات اضطراب واضحة، من بينها النشاط المفرط وتلف في مولدات الطاقة في الخلية الميتوكوندريا. كما رُصدت زيادات في بروتينات مرتبطة بألزهايمر مثل بروتين تاو وبروتين بيتا-أميلويد. والمثير للقلق أن هذه الخلايا، حتى بعد إزالة الرصاص، ظلت في حالة "استعداد للتلف"، مما يشير إلى أن التعرّض للرصاص في الطفولة قد يترك بصمة دائمة على الدماغ تجعله أكثر ضعفاً أمام أمراض الشيخوخة.
تراجع التلوث وتحسن الصحة؟
يرى الباحثون أن الانخفاض الحاد في مستويات الرصاص الجوية خلال العقود الأخيرة قد يكون سببًا في انخفاض معدلات الخرف في الولايات المتحدة. ومع ذلك، يبقى أثر التعرض للرصاص في الطفولة قائمًا لدى أجيال نشأت في تلك الفترات، ويستوجب مراقبة صحية خاصة.
خاتمة: دروس من الماضي لصحة المستقبل
توضح هذه الأبحاث أن التعرض للرصاص في الطفولة ليس أمرًا يمكن تجاوزه بسهولة، بل هو خطر صحي مزمن. ولعل ما يدعو للتفاؤل هو أن الإجراءات البيئية الصارمة أثمرت في تقليل هذا الخطر، إلا أن التاريخ الصحي يشير إلى جيل كامل ما يزال يحمل آثار هذه السموم.