تزايدت دعوات العودة إلى المكاتب بعد انحسار جائحة كوفيد 19، وسط اعتقاد بأن العمل عن بُعد قد يُضعف التعاون بين الموظفين، ويزيد شعورهم بالعزلة، ويؤثر سلبًا على صحتهم النفسية. لكن أظهَرت دراسة حديثة أن العمل من المنزل قد يرتبط بارتفاع مستويات الرفاهية النفسية لدى الموظفين، وربما يسهم في تقليل احتمال تركهم وظائفهم. ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة Frontiers in Psychology في 29 تموز/يوليو 2026.
العمل من المنزل يسجل أعلى مستويات الرفاهية في العمل
حلَّل الباحثون بيانات استطلاعية جُمعت عام 2023 من أكثر من 7700 موظف يعملون لدى مؤسسة كبيرة للرعاية الصحية في الولايات المتحدة. وشَملت الدراسة موظفين يعملون عن بُعد بشكل كامل، وموظفين يعملون من مقر المؤسسة، وآخرين يتبعون نظام العمل الهجين الذي يجمع بين النمطين.
وأجاب المشاركون عن أسئلة تقيس نظرتهم العامة إلى مستوى رفاههم في مكان العمل، كما طُلب منهم وصف ثقافة المكان بثلاث إلى 5 كلمات. وقيَّم الباحثون الكلمات التي تُشير إلى وجود علاقة إيجابية مع مكان العمل، مثل الاندماج والمشاركة والرعاية والتعاون.
وأظهَرت النتائج أن العاملين عن بُعد سجّلوا أعلى مستوى من الرفاهية في العمل، بمتوسط بلغ 4.22 من 5، مقابل 4.12 لدى العاملين بنظام العمل الهجين، و3.89 لدى الموظفين الذين يعملون من مقر المؤسسة. وفاجأت هذه النتيجة الباحثين، إذ كان من المتوقع أن يسجِّل الموظفون الذين يعملون بنظام العمل المختلط أعلى مستويات الرفاه، باعتبار أنهم يجمعون بين مزايا العمل من المنزل والعمل من مقر المؤسسة الذي يتيح التواصل الإنساني المباشر مع الزملاء من وقت إلى آخر.
هل يؤثر العمل من المنزل على تماسك الموظفين وتعاونهم؟
أظهَرت البيانات أن مستوى شعور الموظفين بالارتباط الإيجابي بمكان العمل كان أعلى بقليل لدى العاملين عن بُعد (0.61)، مقارنةً بموظفي النظام الهجين (0.58) والعاملين من مقر المؤسسة (0.55). لكن هذه الفروق لم تكن ذات دلالة إحصائية بسبب صغر حجم عيّنة الدراسة.
ومع ذلك، أشار الباحثون إلى أن النتائج تُسهم في دَحض الاعتقاد بأن العمل عن بُعد يمنع التواصل الفعّال بين الموظفين، أو يُضعف التماسك والتعاون في بيئة العمل. وأضافوا أن العلاقة بين بيئة العمل والتواصل قد تتشكل من خلال ممارسات التواصل المُتعمَّدة، وليس من خلال مجرد الحضور إلى مكان العمل.
أي أنماط العمل يحقق أعلى معدلات الاحتفاظ بالموظفين؟
أظهَرت سجلات المؤسسة بعد مرور عام واحد أن 7.8% من العاملين عن بُعد تركوا وظائفهم، مقابل 8.3% من موظفي نظام العمل الهجين، و8.8% من العاملين في مقر المؤسسة. ولم تكن الفروق بين هذه النسب ذات دلالة إحصائية، ولكن ارتبط ارتفاع مستوى رفاهية الموظفين بانخفاض احتمال ترك الوظيفة.
ورغم هذه النتائج اللافتة، لا يعتبر الباحثون أن الدراسة تحسم الجدل حول الأفضلية بين العمل من المنزل والعمل من المكتب، خصوصًا أنها اعتمدت على بيانات مؤسسة واحدة، وجُمعت خلال فترة زمنية محددة. ومع ذلك، تُقدِّم الدراسة أدلة تتحدى بعض الافتراضات الشائعة بشأن تأثير العمل عن بُعد على رفاهية الموظفين وتواصلهم واستمرارهم في وظائفهم.
المصدر:



