تُشير الدراسات العلمية الحديثة إلى أن نسبة كبيرة من حالات الخرَف ترتبط بعوامل خطر يمكن التحكُّم بها، وأن تعديل هذه العوامل قد يُقلِّل احتمال الإصابة بهذه الحالة. لكن كشَفت دراسة دولية واسعة النطاق أن عوامل خطر الخرف تختلف من دولة إلى أخرى، ما يعني أنه لا يمكن اعتماد منهج وقائي موحَّد يُناسب جميع المجتمعات في مختلف أنحاء العالم. عُرِضت نتائج الدراسة خلال المؤتمر الدولي لجمعية ألزهايمر 2026 المُنعقِد في لندن بالمملكة المتحدة، ونُشرت في مجلة The Lancet Healthy Longevity في 12 تموز /يوليو 2026.
هل يمكن تعميم نتائج أبحاث الخرَف على جميع البلدان؟
تَعتمِد معظم الأدلة العلمية المتعلقة بالوقاية من الخرَف على دراسات أُجرِيَت في دول مرتفعة الدخل، مثل الولايات المتحدة ودول غرب أوروبا. لذلك، سعى باحثون من جامعة جنوب كاليفورنيا (USC) وجامعة براون وجامعة جونز هوبكنز في الولايات المتحدة، إلى معرفة ما إذا كانت أنماط عوامل حدوث الخرف التي حدَّدتها الدراسات في الدول المرتفعة الدخل تنطبق أيضًا على الدول المنخفضة والمتوسطة الدخل.
دراسة مدى اختلاف عوامل خطر الخرف القابلة للتعديل بين دول العالم
اعتمَد الباحثون على بيانات دراسات طويلة الأمد حول الشيخوخة من منصة بوابة البيانات العالمية للشيخوخة (Gateway to Global Aging Data). وشَملت الدراسة بيانات جُمعت على مدى 14 عامًا، بين عامَي 2009 و2023، لأكثر من 214000 شخص من كبار السن في 14 دولة ومنطقة حول العالم، وهي: الولايات المتحدة، وإنجلترا، وأيرلندا، وأيرلندا الشمالية، وأربع مناطق في أوروبا، وكوريا، والمكسيك، والصين، وماليزيا، والبرازيل، والهند.
حلَّل الباحثون 12 عاملًا من عوامل خطر الخرف القابلة للتعديل التي حدَّدتها لجنة لانسيت المعنية بالخرَف (Lancet Commission on Dementia)، من بينها:
- ضعف السمع.
- الاكتئاب.
- قلة النشاط البدني.
- العزلة الاجتماعية.
كما قارنوا مدى شيوع كل عامل خطر في مختلف البلدان، وكذلك اختلافه بحسب العمر والجنس والمستوى التعليمي، بالإضافة إلى تزامن وجود أكثر من عامل خطر لدى الشخص الواحد.
اختلافات كبيرة في انتشار عوامل خطر الخرف عالميًا
كشَفت نتائج هذه الدراسة عن وجود اختلافات كبيرة في مدى شيوع بعض عوامل خطر الخرف بين دول العالم. فعلى سبيل المثال، كان انخفاض المستوى التعليمي أكثر عامل خطر شيوعًا بين كبار السن في الصين، إذ بلغ 85.6% بينما بلغت نسبته 12% في الولايات المتحدة. وكان ارتفاع مؤشر كتلة الجسم (BMI) أكثر عامل خطر شيوعًا بين كبار السن في الولايات المتحدة بنسبة 45%، بينما بلغت نسبته في الهند 13.3%.
ورغم هذا التفاوت بين الدول، وَجد الباحثون أن بعض عوامل الخطر قد تظهَر معًا وفق أنماط متشابهة في مختلف أنحاء العالم. ومن بين هذه الأنماط، عوامل الخطر القلبية الوعائية، مثل ارتفاع الكوليسترول وارتفاع ضغط الدم، وكذلك اتباع سلوكيات غير صحية، مثل التدخين واستهلاك الكحوليات.
لا توجد استراتيجية واحدة للوقاية من الخرَف تُناسب الجميع
أشار الباحثون إلى أنه لا يمكن اعتماد منهج وقائي موحَّد يُناسب جميع المجتمعات حول العالم. وأوضحوا أن هذه النتائج يمكن أن تُساعد صُنّاع القرار والمؤسسات الصحية على تطوير برامج للوقاية من الخرَف تتناسب مع خصائص كل مجتمع. فعلى سبيل المثال، يمكن إعادة تصميم برامج رعاية مرضى السكري بحيث لا تقتصِر على معالجة السكري وحده، بل تشمل أيضًا علاج عوامل الخطر القلبية الأيضية المرتبطة به، مثل ارتفاع الكوليسترول وارتفاع ضغط الدم.
تعديل عوامل الخطر قد يُقلل احتمال الإصابة بالخرَف
أكَّدت إيما نيكولز، الباحثة الرئيسة للدراسة من جامعة جنوب كاليفورنيا، أن الإصابة بالخرَف ليست مصيرًا محتومًا لا يمكن تغييره. وأوضَحت أن خطر حدوث الخرَف يَتراكم تدريجيًا عبر مراحل العمر المختلفة، ولكن يمكن تقليل احتمال حدوث هذه الإصابة من خلال تعديل عوامل الخطر القابلة للتعديل، مع الأخذ في الاعتبار أن العوامل الاجتماعية تؤثر أيضًا على احتمال الإصابة.
المصادر:



