لطالما اعتُبر سرطان القولون والمستقيم مرضًا يصيب مَن هم فوق الستين، لكن أبحاثًا حديثة تكشف عن اتجاه عالمي مقلق، يتمثل في ازدياد الحالات بين مَن هم دون سن الخمسين. وعلى الرغم من أن هذا المرض ما يزال أقل شيوعًا بين الشباب مقارنةً بكبار السن، فقد أصبح سرطان القولون والمستقيم الآن السبب الرئيسي للوفيات المرتبطة بالسرطان عند الرجال، والثاني عند النساء في الولايات المتحدة.
ارتفعت حالات سرطان القولون والمستقيم المبكر بين عامي 2010 و2019 بنسبة 14.8٪ في الولايات المتحدة، وتَظهر اتجاهات مماثلة في جميع أنحاء العالم. ورغم عدم وضوح الأسباب الدقيقة، يعتقد باحثون أن نمط الحياة الحديث قد يلعب دورًا كبيرًا في هذه الزيادة.
العوامل البيئية ونمط الحياة تحت المجهر
تشير مراجعة شاملة نُشرت في مجلة (British Journal of Surgery) إلى عوامل محتملة عدة قد تساهم في ارتفاع معدلات سرطان القولون والمستقيم المبكر. تشمل هذه العوامل: السمنة، والنظام الغذائي الغربي الغني بالأطعمة المصنّعة واللحوم الحمراء، وقلة النشاط البدني، والتدخين، والإفراط في شرب الكحوليات، وربما التعرض للمواد البلاستيكية الدقيقة.
ومن اللافت أن العديد من المرضى الشباب المصابين بالسرطان لا يعانون من عوامل الخطر التقليدية مثل السمنة أو التاريخ العائلي، مما يشير إلى أن هناك آليات أخرى غير معروفة قد تكون مسؤولة، ويَقترح الباحثون أن العوامل البيئية قد تؤثّر على توازن البكتيريا في الأمعاء والجهاز المناعي، مما يؤدي إلى التهابات مزمنة ترفع احتمالية الإصابة بالسرطان.
ارتفاع ملحوظ في خطر الإصابة بين الأجيال الجديدة
تشير البيانات إلى أن الأشخاص المولودين في عام 1990 أكثر عرضة للإصابة بسرطان القولون بأكثر من الضعف، وبسرطان المستقيم بأكثر من أربع مرات، مقارنةً بالمولودين في عام 1950. وأظهَرت دراسة شملت 20 دولة أوروبية أن سرطان القولون والمستقيم زاد بنسبة تقارب 8٪ بين الفئة العمرية 20–29 عامًا خلال الفترة من 2004 إلى 2016، وكانت هذه الزيادات أقل حدة في الفئات الأكبر سنًا، لكنها ما تزال ملحوظة.
كشفت بيانات من قاعدة معلومات (CDC Wonder) في الولايات المتحدة عن زيادات مروعة، فقد أظهرت زيادةً بنسبة 333٪ في الفئة العمرية 15–19 عامًا، و185٪ في الفئة العمرية 20–24 عامًا. ورغم أن الأعداد الإجمالية للإصابة ما تزال منخفضة نسبيًا، فإن هذا الارتفاع السريع أثار قلقًا بالغًا ودفع إلى المطالبة بحملات توعية صحية تستهدف الفئات الأصغر سنًا.
الحاجة إلى فحص مبكر لسرطان القولون والمستقيم
نظرًا للتأثير غير المتكافئ لسرطان القولون والمستقيم على الفئات العمرية الأصغر، خفّضت فرقة العمل الأمريكية للخدمات الوقائية سن الفحص المبكر الموصى به من 50 إلى 45 عامًا، ويقترح بعض الخبراء خفضه أكثر إلى 40 عامًا، خصوصًا في الفئات ذات المخاطر المرتفعة مثل مَن لديهم تاريخ عائلي أو خلفيات عِرقية معينة.
ويُعتبر الفحص المبكر أداة أساسية للكشف عن الأورام ما قبل السرطانية وتحسين فرص العلاج، وقد ساعدت الفحوصات المنتظمة لكبار السن على تقليل معدل الإصابة، ويُرجّح أن يكون لها تأثير مماثل إذا تم تطبيقها على الفئات الأصغر سنًا المعرّضة للخطر.
سرطانات معوية أخرى تشهد ارتفاعًا
لا يقتصر الأمر على سرطان القولون والمستقيم، إذ تشير دراسة أخرى نُشرت في مجلة (Nature Medicine) قادها باحثون من جامعة ليون الفرنسية بالتعاون مع الوكالة الدولية لأبحاث السرطان التابعة لمنظمة الصحة العالمية، إلى أن سرطانات المعدة قد ترتفع بشكل كبير خلال العقود القادمة.
وتقدّر الدراسة أن هناك ما يقرب من 15.6 مليون حالة سرطان معدة قد تصيب مَن وُلدوا بين عامي 2008 و2017، وأن 76٪ من هذه الحالات تعود إلى الإصابة ببكتيريا هيليكوباكتر بيلوري، وهي بكتيريا شائعة ولكن من الممكن الوقاية منها وعلاجها، وتؤكد هذه النتائج على أهمية التوعية والاستراتيجيات الوقائية للحد من هذه العدوى حول العالم.
هل يمكن الوقاية من سرطان القولون والمستقيم ؟
رغم الحاجة إلى مزيد من الأبحاث لفهم الأسباب الجذرية وراء ارتفاع حالات سرطان القولون والمستقيم المبكر، فإن بعض التعديلات في نمط الحياة قد تساعد في تقليل الخطر، وتشمل هذه التعديلات: التوقف عن التدخين، وتقليل استهلاك الكحوليات، والحد من تناول اللحوم الحمراء، ومعالجة نقص الفيتامين د، وممارسة النشاط البدني بانتظام.
كما يُنصح البالغون الأصغر سنًا بالتحدث مع عائلاتهم لمعرفة التاريخ الطبي العائلي، فإذا كان أحد الأقارب قد أصيب بسرطان القولون والمستقيم أو بلحميات ما قبل سرطانية، فيجب البدء بالفحص المبكر إما في سن الأربعين أو قبل العمر الذي أصيب به القريب بالمرض بنحو 10 سنوات، أيهما أقرب.
نصيحة من موقع صحتك
رغم أن سرطان القولون والمستقيم ما يزال أقل شيوعًا لدى مَن هم دون سن الخمسين، فإن انتشاره المتزايد بين الشباب يدعو للقلق، ولهذا ينبغي على أي شخص يعاني من أعراض مثل الدم في البراز أو آلام في البطن أو تغييرات في حركة الأمعاء أن يستشير الطبيب فورًا، ويمكن أن تساعد أنماط الحياة الصحية والفحص المبكر في تقليل الخطر، لكن ما تزال هناك حاجة ملحة لمزيد من الأبحاث لتوضيح الأسباب بدقة، وتذكّر أن نتائج دراسة جامعة ليون تشير بوضوح إلى أن هذه الاتجاهات تحتاج إلى تأكيد من خلال دراسات إضافية.



