تتعدد أسباب الخرف وتتشابك، إلا أن دراسات حديثة تشير إلى أن جزءًا كبيرًا من الحالات يرتبط بعوامل يمكن التحكم بها أو التأثير فيها إيجابيًا، وتشير نتائج بحث حديث إلى أن عوامل خطر الخرف القابلة للتعديل قد تكون مرتبطة بما يقارب نصف حالات الخرف، وتبرز الفكرة الأساسية هنا بأن الخرف لا يبدأ فجأة عند ظهور الأعراض، بل يتشكل تدريجيًا على مدى سنوات طويلة، ما يفتح المجال للتدخل المبكر وتقليل الخطر في مراحل عمرية مبكرة.
ما الذي تقوله الأرقام عن عوامل الخطر؟
تُظهر الأبحاث السابقة أن عوامل خطر الخرف القابلة للتعديل تفسر نحو 45% من خطر الإصابة بالخرف، وتسلط الدراسة الجديدة المنشورة في (The Journal of Prevention of Alzheimer’s Disease) الضوء على هذه العلاقة من خلال التركيز على أكثر نوعين شيوعًا من الخرف، وقد أُجريت الدراسة في مستشفى جامعة سكونه في السويد.
عوامل خطر مرتبطة بتغيرات دماغية محددة
ركزت الدراسة على العلاقة بين عوامل صحية ونمطية معينة ووجود تغيرات واضحة في بنية الدماغ، فقد ارتبط ارتفاع ضغط الدم، وارتفاع الدهون في الدم، وأمراض نقص تروية القلب، والتدخين، وانخفاض مستوى التعليم بظهور مناطق متضررة في المادة البيضاء من الدماغ، وهذه المناطق تُعد مؤشرًا مهمًا على الخرف الوعائي، وهو أحد الأنواع الأكثر استجابة للتدخلات الوقائية.
في المقابل، أظهَرت النتائج أن وجود داء السكري قد ارتبط بتراكم لويحات بيتا أميلويد، وهي علامة حيوية مرتبطة بمرض الزهايمر. كما لوحظ أن انخفاض مؤشر كتلة الجسم ارتبط بتراكم تشابكات البروتين تاو، وهي علامة حيوية أخرى مرتبطة بالتغيرات التنكسية في الدماغ.
تفاصيل العينة والمتابعة طويلة الأمد
اعتمد الباحثون على بيانات 494 مشاركًا، بمتوسط عمر 65 عامًا، كانوا مسجلين في دراسة سويدية مستقبلية، حيث خضع المشاركون لتقويمات شاملة شملت تحليل السائل الدماغي الشوكي، والتصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني (PET)، والتصوير بالرنين المغناطيسي (MRI)، إلى جانب تقويمات سريرية ومعرفية دقيقة، وتمت متابعة المشاركين على مدى أربع سنوات لرصد التغيرات التي تطرأ على أدمغتهم مع مرور الوقت، ما أتاح فهمًا أعمق لمسار تطور الخرف قبل ظهور الأعراض السريرية.
لماذا يبدأ الخرف أبكر بكثير مما قد نعتقد؟
تشير النتائج إلى أن التغيرات الدماغية المرتبطة بالخرف قد تبدأ قبل عقود من ظهور الأعراض الواضحة، وهذا يغيّر النظرة التقليدية التي تربط الخرف بمرحلة الشيخوخة فقط، فالتقدم في العمر ليس العامل الوحيد، بل تتداخل عوامل وراثية غير قابلة للتغيير مع عوامل نمط حياة وعوامل صحية يمكن التحكم بها، لتؤثر مجتمعة في صحة الدماغ على المدى الطويل.
أهمية التدخل المبكر عبر مراحل الحياة
تدعم الدراسة فكرة أن خطر حدوث الخرف يتراكم تدريجيًا عبر مراحل العمر المختلفة، فالتعليم المبكر وبناء الاحتياطي المعرفي في مرحلة الشباب يضعان أساسًا وقائيًا، بينما تلعب صحة القلب والتمثيل الغذائي في منتصف العمر دورًا محوريًا في تحديد المسار المستقبلي للدماغ. وفي المراحل اللاحقة من الحياة، تسهم العوامل الاجتماعية والحسية في التأثير على الوظائف المعرفية.
عوامل خطر الخرف القابلة للتعديل عبر الزمن
يوضح هذا المنظور أن التركيز على عوامل خطر الخرف القابلة للتعديل لا ينبغي أن يقتصر على مرحلة عمرية واحدة، فالوقاية عملية ممتدة تبدأ مبكرًا وتستمر عبر الالتزام بنمط حياة داعم للدماغ، مع اهتمام خاص بصحة القلب والتمثيل الغذائي، لما لذلك من أثر مباشر في صحة الأوعية الدموية والدماغ.
هل النتائج نهائية؟
على الرغم من قوة البيانات وطول فترة المتابعة، تؤكد الدراسة أن هذه النتائج لا تزال بحاجة إلى مزيد من الأبحاث لتأكيدها وتوسيع فهم الآليات الدقيقة التي تربط عوامل الخطر القابلة للتعديل بالتغيرات الدماغية المختلفة، فالعلاقة معقدة، وقد تختلف شدة التأثير بين الأفراد تبعًا لعوامل متعددة.
نصيحة من موقع صحتك
تشير هذه النتائج إلى أن الاهتمام المبكر والمستمر بنمط الحياة والصحة العامة قد يساهم في تقليل خطر الخرف أو تأخير ظهوره. الحفاظ على ضغط دم ومستويات دهون وسكر ضمن الحدود الطبيعية، والابتعاد عن التدخين، ودعم النشاط البدني والذهني، كلها خطوات قد يكون لها أثر تراكمي طويل الأمد، ومع ذلك، يبقى من المهم التعامل مع هذه المعطيات على أنها جزء من مسار بحثي متواصل إلى أن تؤكد الدراسات المستقبلية بشكل قاطع أفضل السبل العملية للوقاية.



