لم يَعُد ضجيج السيارات والشاحنات مجرد مصدر للإزعاج اليومي، فقد ربطته بعض الدراسات العلمية بالعديد من المشكلات الصحية، من بينها أمراض القلب، وارتفاع ضغط الدم، واضطرابات النوم، ومشكلات الصحة النفسية. وفي هذا السياق، أظهَرت دراسة حديثة أن ضوضاء المرور قد تزيد احتمال الإصابة بمرض باركنسون. ونُشرت نتائج هذه الدراسة في مجلة جاما لطب الأعصاب (JAMA Neurology) في 20 تموز/يوليو 2026.
ضوضاء المرور.. عامل خطر محتمل لمرض باركنسون
يَتزايد عدد كبار السن حول العالم بالتزامن مع ارتفاع معدلات الإصابة بمرض باركنسون، الذي يُعد حاليًا ثاني أكثر اضطرابات الدماغ شيوعًا عالميًا، إذ يُصيب أكثر من 8.5 مليون شخص. يحدُث هذا المرض نتيجة مجموعة من العوامل الوراثية والبيئية، ويتميَّز بفقدان الخلايا العصبية المسؤولة عن إنتاج الدوبامين في الدماغ، ما قد يؤثر على الحركة والذاكرة والقدرات اللغوية.
ورغم أنه لا يمكن تجنب الكثير من عوامل خطر الإصابة بمرض باركنسون، يواصل العلماء البحث عن عوامل خطر قابلة للتعديل، مثل العوامل البيئية التي يمكن تغييرها. وبعد كشف عوامل مثل تلوث الهواء، بدأ الباحثون دراسة ضوضاء المرور كأحد العوامل البيئية المحتملة، إذ قد تعطل النوم وتحفز استجابات التوتر والالتهاب، ما قد يسهم في تلف خلايا الدماغ الذي يؤدي إلى الإصابة بباركنسون.
ليست مجرد إزعاج.. ضوضاء المرور قد تزيد احتمال الإصابة بمرض باركنسون
شَملت الدراسة 3103577 شخصًا من سكان الدنمارك، تبلغ أعمارهم 40 عامًا فأكثر، وتمت متابعتهم على مدى ما يقارب عقدين. قارن الباحثون بين مستويات الضوضاء التي تعرَّض لها المشاركون بالقرب من أماكن إقامتهم وبين حالات مرض باركنسون التي شُخِّصت لاحقًا بينهم.
وأخذ الباحثون في الاعتبار بعض العوامل الأخرى التي قد تؤثر على النتائج، مثل العمر والجنس ومستوى الدخل ودرجة تلوث الهواء.
وأظهَرت النتائج أن ضوضاء المرور قد تزيد احتمال الإصابة بمرض باركنسون. وقد ارتبطت كل زيادة بحوالي 11.5 ديسيبل في مستوى الضوضاء عند الجانب الأكثر تعرضًا لها من المنزل، بارتفاع احتمال الإصابة بالمرض بنسبة 3%. كما ارتفع هذا الاحتمال بنسبة 4% مع كل زيادة بحوالي 8.9 ديسيبل في مستوى الضوضاء عند الجانب الأكثر هدوءًا من المنزل.
هل يؤثر الجانب الهادئ من المنزل على خطر الإصابة؟
أوضَح الباحثون أن ضوضاء المرور قد تزيد احتمال الإصابة بمرض باركنسون ويزيد هذا الاحتمال مع ارتفاع مستويات الضوضاء. كما أن وجود جانب أو غرفة أكثر هدوءًا في المنزل قد يساعد على تقليل هذا الاحتمال. وقد ارتبط وجود فارق لا يقل عن 10 ديسيبل بين الجانب الأهدَأ من المنزل والجانب الأكثر تعرضًا للضوضاء، بانخفاض احتمال الإصابة بالمرض لدى الأشخاص الذين تعرَّضوا لمستويات من الضوضاء تجاوزت 50 ديسيبل.
ضوضاء المرور عامل خطر محتمل يستحق الاهتمام
تُشير نتائج الدراسة إلى أن ضوضاء المرور في المناطق السكنية لا تؤثر على الراحة فحسب، بل قد تكون عامل خطر جديد لمرض باركنسون لم يحظَ سابقًا بالاهتمام الكافي. ومع تزايد انتشار هذا المرض حول العالم، تكتسب الجهود الرامية إلى الحد من عوامل الخطر البيئية التي ربما يمكن الوقاية منها أهمية متزايدة لملايين المصابين بمرض باركنسون أو المعرَّضين لخطر الإصابة به. وقد تساعد هذه النتائج مخططي المدن على تصميم بيئات سكنية أكثر هدوءًا، من خلال وضع غرف النوم وغرف المعيشة بعيدًا عن الطرق المزدحمة.
المصادر:



