تشير الأبحاث الحديثة إلى بيانات جديدة عن تشخيص التوحد توضح أن العمر الذي يتم فيه التشخيص قد يعكس ملفات جينية وتطورية مختلفة. أجرت جامعة كامبريدج دراسة كبيرة نُشرت في مجلة (Nature)، شملت تحليلَ مجموعات متعددة لفهم كيف يَظهر التوحد خلال الطفولة المبكرة أو في السنوات اللاحقة. تتحدى النتائج الفكرة التقليدية التي تعتبر التوحد حالة واحدة ذات سبب واحد، وتشير إلى أن توقيت التشخيص يمكن أن يكشف أشكالًا مختلفة من هذا المرض.
تشخيص التوحد المبكر مقابل التشخيص المتأخر
حددت الدراسة مسارَين رئيسيين للتوحد بناءً على وقت تشخيص التوحد. عادةً ما يَظهر لدى الأفراد الذين يتم تشخيصهم في الطفولة المبكرة وجود انخفاض في قدراتهم الاجتماعية والتواصلية منذ سن مبكرة، وهذه المؤشرات المبكرة تجعل الحالة أكثر وضوحًا، ما يؤدي إلى التشخيص المبكر. في المقابل، يعاني المرضى الذين يتم تشخيص حالتهم لاحقًا، غالبًا بعد سن 9-11، من مصاعب سلوكية وعاطفية أكبر خلال فترة المراهقة، مما قد يؤخر التعرف على هذه الحالة لديهم.
المساهمات الوراثية الجينية
أظهَرت التحليلات الجينية التي شملت أكثر من 45,000 فرد من مجموعات من الولايات المتحدة وأوروبا أن الاختلافات الشائعة تفسر حوالي 11 بالمئة فقط من التباين في عمر التشخيص، وهي نسبة مشابهة لتلك التي تفسرها العوامل الديموغرافية والسريرية، والأهم أن المجموعتين التشخيصيتين أظهرَتا ملفات جينية متعددة مختلفة. التوحد المشخَّص مبكرًا كان مرتبطًا بشكل ضعيف باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه والحالات النفسية، بينما كان التشخيص المتأخر مرتبطًا بشكل أقوى باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة. تشير هذه النتائج إلى أن التأثيرات الجينية المختلفة ربما تحدد ليس فقط ظهور سمات مرض التوحد ولكن تتعلق أيضًا بتوقيت التشخيص.
تداعيات على تصنيف التوحد
كان يُنظر تقليديًا إلى التوحد على أنه حالة واحدة ذات أساس جيني وراثي، ومع ذلك، تشير نتائج هذه الدراسة إلى أن كلا نوعي التوحد، المشخص بوقت مبكر أو متأخر، لهما ارتباط جيني محدود، ما يشير إلى آليات بيولوجية وتطورية منفصلة. يقترح الباحثون أن مصطلح "التوحد" يشمل على الأرجح تنوعاً من حالات متعددة، لكل منها مسار وملف جيني خاص بها، وهذا التمييز يمكن أن يحسِّن دقة التشخيص ويساعد في تكييف التدخلات مع احتياجات الأفراد.
دور توقيت التطور
يبدو أن توقيت التطور هو عامل أساسي في تمييز أنواع فرعية من التوحد، فغالبًا ما يظهَر لدى الأفراد الذين يتم تشخيص حالاتهم مبكرًا علامات واضحة في الطفولة، بينما قد لا تظهَر السمات الملحوظة لدى آخرين إلا في مرحلة المراهقة. قد تتفاعل العوامل الاجتماعية والبيئية مع الاختلافات الجينية الدقيقة لتؤثر على ظهور سمات التوحد، وإنّ فهم هذه التفاعلات قد يساعد في تفسير سبب مواجهة بعض الأفراد تحديات سلوكية نفسية أكبر عند التشخيص المتأخر.
السياق الأوسع
تشمل السمات الأساسية لمرض التوحد وجود صعوبات مستمرة في التواصل والتفاعل الاجتماعي، إلى جانب سلوكيات واهتمامات متكررة ومحدودة. تتطلب المعايير التشخيصية عادةً ملاحظة الأعراض في مرحلة الطفولة المبكرة، ومع ذلك، يتلقى العديد من الأفراد تشخيصًا لمرض التوحد عندهم في وقت لاحق من حياتهم، مما يعكس التنوع الكبير في التوحد وظهور سماته بطرق وسمات مختلفة، ومن خلال تحليل بيانات من المملكة المتحدة وأستراليا وأوروبا والولايات المتحدة، تُبرِز الدراسة كيف تشكل العوامل السلوكية والجينية توقيت ووضوح تشخيص التوحد.
تداعيات على البحث والسياسات
توفّر هذه النتائج رؤى مهمة حول كيفية فهم التوحد، وتسلط الضوء على الحاجة إلى أبحاث أكثر دقة، إذ تؤكد هذه الدراسة على أن التشخيص المبكر أو المتأخر ليس مجرد انعكاس لصعوبة اكتشاف الحالات الخفيفة، بل يمثل أنماطًا مختلفة للتوحد، وبينما توفّر هذه الدراسة أدلة قوية على وجود أنواع فرعية متميزة في هذا المرض، يشير الباحثون إلى الحاجة لمزيد من الدراسات لتأكيد هذه النتائج وفهم الآليات الكامنة بالكامل.
بيانات جديدة عن التوحد والصحة النفسية
تسلط هذه الدراسة الضوء أيضًا على النتائج الصحية النفسية المصاحِبة للتوحد، حيث تَظهَر لدى الأفراد المشخَّصين بشكل متأخر معدلات أعراض أعلى من تلك المصاحبة لاضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة، وتشير هذه النتائج إلى أن التشخيص والدعم المبكرين قد يلعبان دورًا مهمًا في تقليل التحديات على المدى الطويل. يمكن أن تساعد معرفة العوامل الجينية والتطورية في تصميم استراتيجيات أكثر فعالية للتشخيص والرعاية.
أبرز النقاط من الدراسة
تقدم الدراسة نموذجًا لتفسير بعض التنوع الملحوظ في التوحد من خلال تسليط الضوء على الملفات الجينية والتطورية المختلفة، تتحدى هذه الدراسة النهج الواحد لفهم هذا المرض، ويمكن للاعتراف بهذه الاختلافات أن يعزز الممارسات السريرية واستراتيجيات البحث، وربما يساعد في تصميم تدخلات شخصية أكثر دقة. من المهم أن نذكّر مجددًا أن الباحثين يؤكدون الحاجة إلى مزيد من الأبحاث لتأكيد هذه النتائج واستكشاف أنواع فرعية أخرى قد تكون موجودة.
نصيحة من موقع صحتك
بالنسبة للآباء والمعلمين وفرق الرعاية، تؤكّد هذه النتائج أهمية المراقبة والدعم المستمر للأطفال في جميع مراحل التطور. قد تَظهَر العلامات المبكرة للتوحد في التواصل الاجتماعي أو السلوك، ولكن يمكن أن تظهَر سمات التوحد أيضًا لاحقًا بطرق دقيقة، لذا من المهم الانتباه المستمر للتغيرات في الأنماط الاجتماعية والعاطفية والسلوكية عند المصاب، وطلب التقويم المهني عند الشك بوجود التوحد، والسعي للحصول على الدعم في الوقت المناسب.



