تُضاف المواد الحافظة إلى الأغذية بهدف إطالة مدة صلاحيتها، ومنع تلفها، والحفاظ على لونها أو نكهتها، وهي موجودة في نطاق واسع من المنتجات الغذائية، خصوصًا الأغذية فائقة المعالجة التي تُستهلك يوميًا من قِبل عدد كبير من الناس، ورغم دورها الوظيفي، لا يزال الجدل قائمًا حول تأثيرات المواد الحافظة المحتملة على الصحة، وخاصة مع تزايد الاعتماد على الأطعمة الجاهزة.
دراسة تربط المواد الحافظة بالسكري من النوع الثاني
بحثت دراسة حديثة نُشرت في مجلة (Nature Communications) في العلاقة بين استهلاك المواد الحافظة واحتمال الإصابة بالسكري من النوع الثاني. اعتمدت هذه الدراسة على بيانات واسعة النطاق شملت أكثر من 108 آلاف مشارك بالغ، مع متابعة امتدت لسنوات طويلة.
ركّز الباحثون على 17 مادة حافظة كان استهلاكها شائعًا بين المشاركين، مع الأخذ في الاعتبار مجموعات أوسع من المواد الحافظة ضمن التحليل الكلي، وأظهَرت النتائج أن ارتفاع استهلاك بعض المواد الحافظة، سواء لوحدها أو ضمن مجموعة من المواد الحافظة الأخرى، ارتبط بزيادة في معدلات الإصابة بالسكري من النوع الثاني، وأشارت البيانات أيضًا إلى أن جزءًا من العلاقة بين الأغذية فائقة المعالجة والسكري يمكن تفسيره بالتعرض للمواد الحافظة، ما يسلط الضوء على دور نمط الغذاء ككل، وليس على مكوّن واحد فقط.
هل هناك حدّ للتأثير؟
من الملاحظ أن بعض المواد أظهَرت ما يُعرف بتأثير "الاستقرار"، حيث لا يؤدي الاستهلاك الأعلى بعد حد معين إلى زيادة إضافية في الخطر، وهذا يشير إلى تعقيد العلاقة بين الجرعة والتأثير الصحي، ويؤكد أن النتائج لا تعني أن كل استهلاك بسيط للمواد الحافظة يؤدي بالضرورة إلى المرض.
ارتباط محتمل بين المواد الحافظة والسرطان
في دراسة أخرى اعتمدت على نفس قاعدة البيانات السكانية، ونُشرت في مجلة (BMJ)، جرى تحليل العلاقة بين استهلاك المواد الحافظة واحتمال الإصابة بالسرطان، وشملت هذه الدراسة أكثر من 105 آلاف مشارك، وتم تسجيل آلاف الحالات الجديدة من السرطان خلال فترة المتابعة. لم تجد النتائج علاقة واضحة بين إجمالي استهلاك المواد الحافظة وحدوث السرطان بشكل عام، لكنها رصدت ارتباطًا بين بعض المواد الحافظة المحددة وزيادة احتمال الإصابة ببعض أنواع السرطان، مثل سرطان الثدي أو البروستاتا، إضافة إلى أمراض السرطان بشكل عام، وبهذا تُظهر هذه النتائج أن التأثير قد يختلف باختلاف نوع المادة الحافظة، وليس بالضرورة مرتبطًا بالكمية الإجمالية وحدها.
حدود الدراسات وإمكانية تعميم النتائج
أقر الباحثون رغم حجم البيانات الكبير بوجود عدد من القيود المنهجية في هذه الدراسة، فقد اعتمدت معلومات الغذاء فيها على سجلات ذاتية، ما قد يفتح المجال لأخطاء في التقدير، كما أن الدراسات لا تثبت وجود علاقة سببية مباشرة، بل تشير إلى ارتباطات إحصائية فقط. إضافة إلى ذلك، فإن العينة المدروسة كانت من دولة أوروبية واحدة، وتميز المشاركون بمستوى تعليمي ونمط حياة صحي نسبيًا، ما يجعل تعميم النتائج على جميع الفئات السكانية أمرًا يحتاج إلى حذر، ولذلك شدد الباحثون على أن هذه النتائج تحتاج إلى مزيد من البحث والتأكيد من خلال دراسات مستقبلية.
ماذا تعني هذه النتائج لعامة الناس؟
تشير المعطيات إلى أن الإفراط في استهلاك الأغذية الغنية بالمواد الحافظة، خاصة تلك الفائقة المعالَجة، قد يرتبط بمخاطر صحية محتملة، إلا أن الصورة ليست بسيطة، إذ يتداخل استهلاك المواد الحافظة مع نمط الغذاء العام، والسلوكيات الغذائية، وعوامل أخرى عديدة.
نصيحة من موقع صحتك
قد يكون من المفيد التركيز على نمط غذائي متوازن يعتمد أكثر على الأغذية الطازجة أو قليلة المعالَجة، دون السعي إلى تجنب كل مادة على حدة، فالتقليل التدريجي من الاعتماد على المنتجات العالية المعالَجة، مع إدراك أن النتائج الحالية ما تزال بحاجة إلى مزيد من البحث لتأكيدها، يُعد نهجًا واقعيًا ومتزنًا للحفاظ على الصحة على المدى الطويل.



