صحــــتك

الطواقم الطبية في غزة: حين يتحوّل الواجب إلى بطولة تحت النار

الفرق الطبية في غزة

في قلب غزة، حيث تتكاثف رائحة البارود على أنين الجرحى، تتقدم الطواقم الطبية في غزة الصفوف بلا دروع سوى ضمادات ممزقة وأمل هش بأن يتمكنوا من إنقاذ مَن يمكن إنقاذه. وسط الحصار، ونقص الأدوية، وانقطاع الكهرباء، لم يعد الطب عِلمًا فقط، بل بطولة تمارسها أرواح متعبة تسابق الموت بأدوات متهالكة وقلوب مكسورة.

الممارسة الطبية في بيئة غير صالحة سريريًا

في المشافي المدمرة أو تلك التي تعمل جزئيًا، تُجرى العمليات الجراحية في ظروف تشكل خطرًا على حياة المريض والطبيب معًا. تعقيم الأدوات يكون أحيانًا بمياه غير مضمونة، أو بالكحول المنزلي الصنع. ويتم تقنين التخدير، بل وغيابه في بعض الحالات، ما يترك المرضى في مواجهة ألم شديد أثناء الجراحة.

مثلا: طبيب أطفال أجرى عملية استكشاف بطنية لطفل مصاب بشظايا متفجرة دون تخدير عام، مكتفيًا بمهدئات خفيفة ومساعدة الفريق في تثبيت الطفل يدويًا. نجا الطفل، لكن آثار الصدمة النفسية لدى الطبيب والطفل ستحتاج إلى سنوات من التعافي.

المضاعفات المتوقعة سريريًا:

  • تزايد خطر العدوى الجراحية والتسمم الدموي.

  • حالات هذيان ما بعد الصدمة (Post-op Delirium).

  • فرط ألم ما بعد الجراحة (Hyperalgesia).

  • صدمة نفسية لدى الأطفال قد تتحول إلى اضطراب ما بعد الصدمة PTSD.

ماذا يفعل الأطباء عند نقص الأدوية والمستلزمات؟

  • ضمادات الجروح يتم تصنيعها يدويًا من أقمشة نظيفة أو معقَّمة بالحرارة.

  • أنابيب التصريف الجراحي تُستبدل بأنابيب سوائل الوريدية يتم تعديلها.

  • عدم توفر مضادات حيوية يؤدي إلى حدوث مضاعفات إنتانية شديدة، أو العلاج أحيانًا باستخدام مضادات غير مخصصة لتلك العدوى.

  • غياب خيوط الجراحة المناسبة يؤدي لاستخدام أنواع غير مخصصة للأنسجة الدقيقة، مما يسبب نزيفًا أو تفتّح الجروح لاحقًا.

  • الطبيب الواحد يُجري أحيانًا ما يصل إلى 20–30 عملية طارئة في اليوم.

  • الكوادر المساعدة غير مدرّبة دائمًا، ويتم تدريبها سريعًا أثناء الكوارث.

  • الكثير من الممرضين يعملون رغم إصابتهم الجسدية أو النفسية.

البيئة اللوجستية: انقطاع الكهرباء ليس عارضًا

يتوقف العمل في الحضّانات، وغرف العناية، وأجهزة التنفس فور انقطاع الكهرباء. وفي ظل نقص الوقود، تُشغّل المولدات بشكل جزئي، ما يجبر الطواقم على اتخاذ قرارات مصيرية: مَن يحصل على الجهاز ومن يُفطم عنه رغم حالته.

المعاناة النفسية للطبيب.. النزيف الذي لا يُرى

يعمل الأطباء تحت ضغط متواصل، دون نوم كافٍ، ودون غذاء مناسب، وهم في حالة فَقد شخصي دائم (زملاء، أقارب، أطفال). ومع تكرار التعرض للمآسي دون تفريغ نفسي، تبدأ الأعراض النفسية بالظهور:

أعراض شائعة:

  • قلق مستمر وارتجاف داخلي.

  • فقدان الانتباه أثناء العمليات الدقيقة.

  • نوبات بكاء مفاجئة أو ما يشبه "الانهيار العاطفي" (Emotional Shutdown).

  • شعور بالعجز أو الذنب بعد الفشل في إنقاذ مريض، حتى في ظروف خارجة عن السيطرة.

تشير دراسات الكوارث التي أجريت على مناطق الحروب -مثل سوريا- إلى أن تراكم التعرض للأذى الإنساني دون علاج نفسي يؤدي إلى ما يسمى بـ Secondary Traumatic Stress، والذي يشابه اضطراب ما بعد الصدمة PTSD لكنه يصيب الطواقم الطبية.

ما الذي نتعلمه من معاناة الطواقم الطبية في غزة؟

ما نتعلمه من دروس نفسية من معاناة الطواقم الطبية في غزة لا يقتصر على الصبر أو التحمل فقط، بل يشمل فهمًا أعمق لأثر الكوارث على النفس البشرية، وسبل النجاة النفسية في أقسى البيئات. إليك أبرز ما يمكن استخلاصه:

1. الاحتراق النفسي ليس ضعفًا، بل نتيجة طبيعية للبطولة اليومية، وأن العمل تحت ضغط يومي دائم، مع مشاهد الموت المتكررة، وانعدام النتائج المُرضية رغم أقصى الجهد، يؤدي إلى الاحتراق المهني (Burnout)، وهذا لا يعني ضعفًا أو خللًا، بل هو إشارة إلى أن النفس البشرية لها حدود، يجب احترامها والاعتراف بها.

2. المعاناة النفسية غير مرئية، لكنها تنزف مثل الجرح، وإن الكثير من الأطباء والممرضين في غزة لا يبكون أثناء الكارثة، بل ينهارون بعدها. فالغضب، والصمت الطويل، وفقدان الشهية، والأرق، كلها علامات صامتة على الألم النفسي.

3. العمل وسط الخطر يولّد ارتباطًا وجوديًا بالمهنة، فرغم كل شيء، لا يغادر معظمهم الميدان. وما يفعله الأطباء في غزة يُظهر كيف يمكن للإنسان أن يجد معنىً نفسيًا ساميًا في الألم، وكيف تتحول المهنة إلى رسالة وجودية تُعطي الحياة معنًى، رغم الرعب المحيط بها.

4. الصدمات المتكررة تتطلب تفريغًا عاطفيًا لا يقل أهمية عن الراحة الجسدية، وفترات الراحة يجب أن تتضمن فرصة للكلام، وللرثاء، وللبكاء، وللتعبير دون رقابة. ونحن نتعلم أن "المهنية" لا تعني الصمت الدائم، بل القدرة على إظهار المشاعر دون فقدان السيطرة.

5.الدعم النفسي الجماعي هو طوق النجاة، وفي غزة، الطواقم تتشارك الطعام، وتصلّي معًا، وتغني أحيانًا أو تضحك رغم الخوف. وهذا الدعم الجماعي النفسي هو ما يحميهم من الانهيار، ويجب أن يُدرّس كنموذج للتعامل النفسي في الطوارئ.

6. تملك النفس البشرية قدرة غير متوقعة على التكيف، وما يُعتقد أنه غير محتمل في بداية الأزمة، يصبح جزءًا من اليوميات بعد أسابيع. وهذا من أعظم دروس المرونة النفسية (Resilience) التي تُثبتها الطواقم الطبية في غزة.

عزلة إنسانية: غياب الدعم الدولي

رغم النداءات المتكررة، لا يصل من الدِِِعم سوى الفُتات. قوافل المساعدات تُمنع أو تُؤخّر، والاحتياجات تتضاعف. تشعر الطواقم الطبية في غزة بأنها تُركِت لمصيرها، تصارع المرض والموت بلا سند. ما يصل لا يكفي حتى لسدّ حاجات يومٍ واحد من العمليات، بينما الحالات تتزايد، والنداءات تصطدم بجدران الصمت الدولي.

كلمة من موقع صحتك بحق الطواقم الطبية في غزة

إن الحديث عن الطواقم الطِِبية في غزة ليس سردًا لبسالةٍ مجردة، بل هو توثيق لبطولة واقعية تعيشها أجساد تنزف وقلوب تصمد. هم حراس الحياة في زمن الموت، يسعفون دون أدوات، يجرحون أنفسهم ليضمدوا الآخرين. هؤلاء الأبطال لا يطلبون أكثر من الأمان، والماء، والكهرباء، ودواء يُبقي مريضًا على قيد الأمل.

فهل آن للعالم أن يفتح عينيه ويقف معهم قبل أن تنطفئ شمعة الإنسانية في غزة؟

 

آخر تعديل بتاريخ
27 يوليو 2025
يرجى تحديد خانة الاختيار "التعليق كضيف" إذا كنت تفضل عدم تقديم اسمك وبريدك الإلكتروني.
Consultation form header image

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك الآن

 

  • ابحث على موقعنا عن إجابة لسؤالك، منعا للتكرار.
  • اكتب بريدك الإلكتروني الصحيح (الإجابة ستصلك عليه).
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • لن يتم إظهار اسمك عند نشر السؤال.

 

Age gender wrapper
Age Wrapper
الجنس
Country Wrapper

هذا الموقع محمي بواسطة reCaptcha وتنطبق عليه سياسة غوغل في الخصوصية و شروط الخدمة

This site is protected by reCAPTCHA and the GooglePrivacy Policy and Terms of Service apply.