الحروب كارثة صحية عالمية ارتفعت وتيرتها في السنوات الأخيرة مع ارتفاع عدد الصراعات المسلحة وشدتها إلى مستويات غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية، ففي عام 2024 وصل عدد الصراعات المسلحة النشطة في جميع أنحاء العالم إلى مستوى تاريخي، ومن بين هذه الصراعات تصاعدت 11 صراعاً إلى حروب شاملة، وقد تسببت الحرب في أوكرانيا وحدها بوفاة 76000 شخص في عام 2024، تليها الصراعات في غزة ولبنان التي تسببت بوفاة 26000 شخص.
ومن المثير للقلق أن العنف الذي يستهدف المدنيين ارتفع بنسبة 31% في عام 2024 مقارنة بالعام السابق، حين بلغ عدد القتلى المدنيين 13900، وتمتد هذه النتائج إلى أكثر من ذلك لأن الحروب تشكل كارثة صحية عالمية، وتعكس هذه الأرقام أكثر من مجرد ارتفاع حاد من أعمال العنف، بل إنها تشير إلى انتقال عالمي إلى عصر من الحروب الأكثر تواترًا وكثافة وتعقيدًا، مع عواقب مدمرة غالباً ما يتم تجاهل تأثيرها على الصحة العامة في جميع أنحاء العالم.
الحروب كارثة صحية عالمية من خلال التدمير المباشر للأنظمة الصحية
تَستخدم النزاعات المسلحة الأنظمة الصحية بشكل متزايد كسلاح، إذ لم تعد الهجمات على أنظمة الرعاية الصحية أضراراً جانبية، بل أصبحت تُستخدم بشكل منهجي لإضعاف قدرة المدنيين على الصمود، ولتقويض المجتمعات، وقد بلغت الهجمات على مراكز الرعاية الصحية في النزاعات حول العالم مستويات جديدة مرعبة، ففي عام 2024 تم الإبلاغ عن 3623 حادثة عنف ضد مؤسسات الرعاية الصحية في 36 دولة متأثرة بالنزاعات، وهو أعلى رقم مسجَّل منذ بدء التتبع المنهجي المنتظم لهذه الأضرار.
أسفَرت هذه الهجمات عن مقتل أكثر من 900 عامل صحي في 27 دولة ومنطقة، بزيادة قدرها 21% عن عام 2023. أما في عام 2024، فقد سجّل لبنان أكبر نسبة وفيات بين العاملين الصحيين، إذ قُتل ما لا يقل عن 408 أشخاص، أي ما يقرب من 50% من الإجمالي للقتلى من العاملين الصحيين في العالم.
أدت الحرب في غزة إلى انهيار شبه كامل لنظام الرعاية الصحية، فقد تعرضت المستشفيات للقصف والاحتلال والإخلاء مرارًا وتكرارًا، ويعمل آلاف العاملين في المجال الصحي دون إمدادات طبية أساسية تحت تهديد مستمر، وفي عام 2024 وحده، قُتل أكثر من 218 عاملًا صحيًا، واعتُقل ما يقرب من 200، وباتت معظم المرافق الطبية عاجزة عن رعاية العدد الهائل من الإصابات والأمراض المزمنة المرتبطة بالحرب.
أما في أوكرانيا فقد سجَّل نظام منظمة الصحة العالمية لمراقبة الهجمات على الرعاية الصحية ما يقرب من 2000 هجوم على المرافق الطبية والعاملين فيها منذ تصاعد النزاع في عام 2022، مما أدى إلى تدهور حاد في قدرات الرعاية الصحية الوطنية. وكذلك الأزمة في السودان خطيرة بالمثل، فقد ظلت حوادث العنف ضد الرعاية الصحية أو عرقلتها مرتفعة في 15 ولاية من أصل 18 ولاية في السودان في عام 2024، لذلك تعتبر الحروب كارثة صحية عالمية في الحاضر والمستقبل.
الخسائر الصحية الخفية للحرب
تعد الحروب كارثة صحية عالمية بسبب الخسائر الفادحة في المنشآت والكوادر الطبية وغيرها من الخسائر الصحية الخفية، فعواقبها أشد ديمومة، إذ يفكك النزاع المسلح الأنظمة الصحية بشكل ممنهَج، مما يطلق سلسة من أزمات الصحة العامة التي تتجاوز بكثير ساحة المعركة، وكثيراً ما تعاود الأمراض المُعدية الظهور في أعقاب الحرب.
ذلك لأن تدمير البنية التحتية للمياه والصرف الصحي والنزوح الجماعي وانهيار برامج التطعيم كلها عوامل تهيئ الظروف المثالية لتفشي الأمراض، ويُظهر تفشي الكوليرا في اليمن وهو الأكبر على الإطلاق، بأكثر من 2.5 مليون حالة مشتبَه بها، في مدى سرعة تفشي الأمراض عند فشل أنظمة الصحة العامة، كما عادت الحصبة وشلل الأطفال بشكل حاد بعد السيطرة عليهما إلى دول مثل سوريا وأفغانستان وأوكرانيا بسبب انخفاض معدلات التطعيم.
وفي الوقت نفسه؛ أدى انقطاع الرعاية لأمراض نقص المناعة البشرية والسل والملاريا إلى تراجع سنوات من التقدم في السيطرة عليها، مما أدى إلى زيادة الوفيات التي يمكن الوقاية منها، كما تتأثر الصحة النفسية بأمراض صامتة، إذ يعاني واحد من كل خمسة أشخاص في مناطق النزاع من اضطرابات نفسية مثل اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب والقلق، ويواجه الأطفال على وجه الخصوص من عواقب نفسية مدى الحياة نتيجة للتوتر واضطرابات النمو التي قد تمتد إلى الأجيال القادمة.
كما تفاقم الحرب أيضاً من عبء الأمراض غير المُعدية، فعندما تنهار البنية التحتية يفقد المرضى إمكانية الحصول على العلاجات الأساسية، ويتوقف العلاج الكيميائي للسرطان، ويصبح غسيل الكلى مستحيلاً، وينفذ الإنسولين، كما ترتفع وفيات الأمهات ارتفاعاً حاداً بسبب غياب الرعاية التوليدية. في سوريا مثلاً، تبيّن أن الوفيات غير المباشرة في بعض المناطق تتجاوز الوفيات الناجمة عن القتال، وتُعتبر هذه خسائر غير مرئية.
من المهم ذِكر أن الآثار الصحية للصراع لا تقتصر على حدود البلدان التي مزقتها الحرب، فالنزوح الناجم عن الحرب يشكّل ضغطاً هائلاً على النظم الصحية في البلاد المجاورة.
ففي لبنان ساهَم وصول 1.5 مليون لاجئ سوري في حدوث انهيار شبه كامل لنظام الرعاية الصحية العام، وفي جميع أنحاء أوروبا فرضَت أزمة اللاجئين الأوكرانيين ضغطًا غير مسبوق على النظم الصحية، مما أدى إلى تزايد الطلب على تدبير الأمراض المزمنة، ورعاية الصحة النفسية، ومكافحة الأمراض المُعدية.
الحرب حالة طوارئ صحية عامة
على الرغم من الأدلة الدامغة على أن الحروب كارثة صحية عالمية وآثارها مدمرة، فما تزال الحروب تعامَل على أنها أزمة سياسية أو إنسانية بدلاً من اعتبارها حالة طوارئ صحية عالمية، وأدى هذا إلى التقاعس في مد يد العون، وعلى الرغم من جهود منظمة الصحة العالمية إلا أنها مقيدة بسيادة دولها الأعضاء، مما يحد من قدرتها على التدخل في مناطق النزاع، وتقدّم المنظمات الإنسانية، مثل أطباء بلا حدود واللجنة الدولية للصليب الأحمر، إغاثة أساسية، لكن جهودها بطبيعتها مُخففة، وغير قادرة على إعادة بناء البنية التحتية الصحية اللازمة للتعافي على المدى الطويل.
لذا فإن عدم الالتزام بالأطُر الدولية الملزِمة لحماية النظم الصحية أثناء الحرب، والإصرار على إعادة بنائها بعد ذلك، يُعرّض شعوبًا بأكملها ليس فقط للعنف، بل أيضًا للأوبئة، والأمراض المزمنة غير المُعالجة، وانهيار الصحة النفسية، وتدَهور الصحة عبر الأجيال، كما أن الحرب لا تسبب فقط ضرراً جانبيًا للصحة، بل هي محورية، ومتواصلة، ومتنامية.
فإذا كانت الصحة العالمية تهدف حقًا إلى معالجة المحددات الاجتماعية للصحة، فيجب الاعتراف بالصراع المسلح كأحد أكثر المحددات حدةً وتدميرًا في عصرنا، ولم يعد بإمكان مجتمع الصحة العالمي تحمُّل الصمت أو الحياد، بل يجب عليه مواجهة الحرب مثلما يواجه الأوبئة، كتهديد مُلحّ ومعقّد ومنهَجي.
المصدر: