تشير أبحاث حديثة إلى أن التوتر والأكزيما قد يرتبطان ارتباطًا بيولوجيًا مباشرًا، وليس هذا مجرد ملاحظة عامة، فالأكزيما هي حالة جلدية شائعة تتميز بحكة شديدة وبقع خشنة أو متقشرة، وقد تتفاقم أعراضها عند التعرض للضغط النفسي، ورغم أن هذه العلاقة كانت معروفة منذ سنوات، فإن الآليات التي تفسر كيف يؤدي التوتر إلى اشتداد أعراضها بقيت غير واضحة حتى وقت قريب.
تؤثر الأكزيما على نحو 16.5 مليون بالغ في الولايات المتحدة وحدها، وقد يصل عدد المصابين بها عالميًا إلى أكثر من 101.27 مليون بالغ، وتختلف شدة أعراضها من شخص لآخر، وقد تشمل: حكة مستمرة، أو تغير لون الجلد، أو التهابات متكررة نتيجة الحك المتواصل. كما أن هذه الحالة ليس لها علاج نهائي حتى الآن، وتظهَر على شكل نوبات متقطعة قد تعيق الحياة اليومية بدرجات متفاوتة.
دراسة تكشف الرابط البيولوجي
في دراسة أجرتها جامعة فودان في شنغهاي، تم تحليل العلاقة بين التوتر وشدة الأكزيما لدى 51 مشاركًا مشخَّصين بالأكزيما. استخدَم الباحثون مقياسًا لتقدير مستويات التوتر، إلى جانب أدوات لتقييم شدة التهاب الجلد، كما تم تحليل عينات من الجلد والدم.
أظهَرت النتائج أن المشاركين الذين سجّلوا مستويات أعلى من التوتر عانوا من التهابات جلدية أشدّ خلال نوبات الأكزيما مقارنة بمَن كانت مستويات التوتر لديهم منخفضة، كما وُجد أن لديهم مستويات أعلى من نوعٍ معين من خلايا الدم البيضاء يُعرف بالأَيوزينيّات التي تلعب دورًا مهمًا في الاستجابة المناعية.
كيف يفاقم التوتر الالتهاب الجلدي؟
اعتمد الباحثون أيضًا على نموذج حيواني للأكزيما، ولاحظوا أن التعرض للتوتر أدى إلى زيادة واضحة في الاحمرار والحكة والالتهاب، وعند تحليل العينات، وُجد أن الحيوانات التي تعرّضت للتوتر كان لديها عدد من الأَيوزينيّات أكثر بأربعة أضعاف مقارنة بغيرها.
وتبين أن مجموعة محددة من الخلايا العصبية في الجلد تَنشط تحت الضغط النفسي، فتَستقبل إشارات من الجهاز العصبي المركزي وتُطلق بروتينات التهابية، هذه العملية تؤدي إلى تضاعف عدد الأَيوزينيّات في الجلد، ما يزيد من الالتهاب ويؤدي إلى تفاقم الأعراض، وتشير النتائج إلى أن التوتر المزمن، وليس المؤقت، قد يكون العامل الأبرز في اشتداد نوبات الأكزيما.
دلالات جديدة لفهم التوتر والأكزيما
نُشرت نتائج الدراسة في مجلة (Science)، وأظهَرت أن التوتر لا يعمل فقط كعامل محفّز، بل قد يكون جزءًا من المسار البيولوجي الذي يؤدي إلى الالتهاب، كما تشير النتائج إلى إمكانية استخدام مستويات الأَيوزينيّات كمؤشر حيوي مستقبلي لتقدير دور التوتر في شدة الحالة.
تفتح هذه المعطيات الباب أمام تطوير استراتيجيات علاجية تَستهدف إشارات التوتر العصبية أو تمنع تجنيد الخلايا المناعية المسؤولة عن الالتهاب، ولكن يؤكد الباحثون أن هذه النتائج تحتاج إلى مزيد من الدراسات، خصوصًا على البشر، للتحقق من أن هذه الآلية نفسها تعمل بالطريقة ذاتها عند الإنسان.
ماذا تعني هذه النتائج للمصابين؟
توضح الدراسة أن التوتر قد يؤثر على الجلد عبر مسار عصبي مناعي مباشر، ما يفسر سبب اختلاف استجابة المرضى للعلاج، وهي تدعم أيضًا فكرة أن ضبط التوتر قد يكون جزءًا مهمًا من التعامل مع هذه الحالات، إلى جانب العلاجات الجلدية التقليدية مثل المرطِّبات أو الأدوية الموصوفة.
يشدد الباحثون في الوقت نفسه على ضرورة إجراء أبحاث إضافية لتأكيد هذه النتائج وتحديد مدى تأثيرها على تطوير علاجات جديدة، وكذلك لمعرفة ما إذا كانت هذه الآلية نفسها تنطبق على حالات جلدية أخرى تتأثر بالتوتر.
نصيحة من موقع صحتك
تشير المعطيات الحالية إلى أن التعامل مع التوتر والأكزيما يتطلب منهجًا متكاملًا يجمع بين العناية بالجلد وضبط الضغط النفسي. الحفاظ على ترطيب الجلد، وتجنب المهيجات، والانتباه لمستويات التوتر قد يساعد في تقليل تكرار النوبات، ولكن تبقى هذه النتائج أولية وتحتاج إلى مزيد من الأبحاث لتأكيدها، لذلك من المهم متابعة الحالة مع مختصين واتباع الإرشادات الطبية المناسبة لكل حالة.



