قصص مصورة

اختراع مضخة القلب والرئة

الالتهاب الرئوي بعد جراحة القلب المفتوح
عمليات القلب المفتوح التي تجرى باستخدام مضخة القلب والرئة

ربما كانت مضخة القلب والرئة هي أهم اكتشاف في تاريخ جراحة القلب، ومازالت حتى الآن أهم جهاز يعتمد عليه أطباء جراحة القلب وأهم علامة مميزة لجراحة القلب ... فعندما يقال عمليات القلب المفتوح، يكون المقصود هو العمليات الجراحية التي يتم فيها استخدام هذا الجهاز، فما هي مضخة القلب والرئة؟

أجزاء المضخة

تتألف هذه الآلة مِنْ جزأين رئيسيين: المضخة (التي تقوم بضخ الدم في كافة أنحاء الجسم)، والمُؤكْسِج (الجهاز الذي يعطي الأوكسجين إلى الدم). ولا شك بأنّ اكتشاف الهيبارين (الدواء الذي يمنع تجلط الدم)، والبروتامين (الدواء الذي يعكس مفعول الهيبارين)، واستخدام طرق التبريد، وتمديد الدم، والطرق الدوائية المختلفة لإيقاف القلب ... قد أضافت كثيراً لسلامة استخدام هذه الآلة في عمليات القلب المفتوح. ولكل مِنْ هذه الاكتشافات قصته الممتعة الخاصة، ولكنني سأركز هنا على قصة الاختراع الأساسي، وهو مضخة القلب والرئة.

المضخة الأولى

تساءل جون غيبون سنة 1937 في دراسة مستفيضة قام بها: هل نستطيع تصميم جهاز يقوم بوظيفة الرئة في تقديم الأوكسجين إلى الجسم، ووظيفة القلب في دعم الدورة الدموية؟ هل نستطيع تصميم مضخة تقوم بعمل القلب والرئة؟

قصة عن الإصرار والمثابرة استمرت ربع قرن!

في السادس من مايو سنة 1953 أُجريتْ أول عملية قلب مفتوح باستخدام مضخة القلب والرئة. في ذلك اليوم الربيعي الدافئ بمدينة فيلادلفيا في أمريكا، قام جون هيشام جيبونJohn Heysham Gibbon (1903-1973) في مستشفى جامعة جيفرسون بعملية ناجحة لإغلاق فتحة بين الأذينتين استَخدم فيها مضخة قلب ورئة قام بتصميمها بالتعاون مع زوجته وفريق مِنَ المهندسين. في عملية القلب التاريخية هذه، أُغلقتْ فتحة كبيرة بين الأذينتين لدى فتاة في الثامنة عشرة مِنْ عمرها. فتحتْ هذه العملية الآفاق واسعة أمام الجراحين للقيام بعمليات قلب مفتوح ناجحة لملايين البشر في كافة أرجاء العالَم.

 

جون هيشام غيبون John Heysham Gibbon (1903-1973) تمكن في جامعة جيفرسون في فيلادلفيا مِنْ إجراء أول عملية قلب مفتوح ناجحة باستخدام مضخة القلب والرئة في السادس مِنْ مايو 1953.

العملية الأولى

كانت المريضة مصابة بضعف شديد في القلب نتيجة وجود فتحة كبيرة بين الأذينتين تم التأكد مِنْ وجودها قبل العملية عن طريق قثطرة القلب. بعد فَتح الصدر، تم تشغيل مضخة القلب والرئة، وفَتْح الأذينة اليمنى، ورؤية الفتحة الكبيرة التي كانت موجودة بين الأذينتين، وخياطتها مباشرة باستخدام خيط جراحي مِنَ القطن. استغرقتْ هذه العملية التاريخية 26 دقيقة فقط، أُوقِفتْ مضخة القلب والرئة بعدها، وعادتْ الدورة الدموية الطبيعية في قلب المريضة وجسمها دون أية صعوبة تُذكر. مرّتْ فترة النقاهة بسلام، وتخرجتْ المريضة مِنَ المستشفى بعد 13 يوماً مِنَ العملية. أظهرتْ قثطرة القلب بعد ذلك بستة أشهر أنّ الفتحة قد تم إغلاقها بنجاح تام. أَذهلتْ هذه العملية كل مَنْ شاهدها، كما أَدهشت العالم كله عندما تحدثتْ عنها الصحافة.

لمْ يأت هذا النجاح الباهر مِنْ فراغ، فقد عمل جورج غيبون لمدة 23 سنة في سبيل تحقيقه. بدأت قصة الإصرار والمثابرة هذه في سنة 1930 عندما حصل غيبون على منحة مدتها سنة واحدة للقيام بالبحث العلمي في مستشفى ماساتشوستس العام  Massachusetts General Hospital في بوسطن. وفي ليلة الثالث مِنْ أكتوبر سنة 1930 شَهِدَ الطبيب الشاب غيبون حالة صدمة شديدة أصيبت بها مريضة شابة نتيجة صمامة رئوية، وكتب قائلاً: " كان عليّ في تلك الليلة أنْ أسجل ضغط المريضة ونبضها كل 15 دقيقة، وأضع ذلك في رسم بياني مفصل. وخلال 17 ساعة قضيتها بجانب المريضة كان يخطر لي دائماً أنّ حالتها الحرجة يمكن أنْ تتحسن لو استطعنا سحب الدم المتجمع في عروقها إلى جهاز نستطيع مِنْ خلاله إعطاء الأوكسجين لهذا الدم وسحب غاز الكربون منه، ثم نضخه مِنْ جديد في جسم المريضة. وفي الثامنة مِنْ صباح اليوم التالي لم يكن مْنَ الممكن قياس أي ضغط للدم لدى هذه المريضة بسبب حالة الصدمة الشديدة، واضطر الأطباء إلى فتح الصدر بشكل إسعافي، ولكن المريضة توفيت ".

تركتْ هذه التجربة الطبية الحزينة أثراً عميقاً في نفس غيبون، وقرر أنْ يركّز جهده وأبحاثه العلمية على محاولة إيجاد حل يمكن أنْ ينقذ هؤلاء المرضى. عمل جاهداً في تلك المستشفى لعله يصل إلى تصميم ناجح لجهاز يمكن أنْ يقوم بعمل القلب والرئة. في ذلك الوقت، لم يكن مثل هذا الجهاز متاحاً للأطباء في أي مكان في العالَم،

ظل غيبون خمس سنوات في بوسطن يعمل جاهداً لاختراع المضخة المناسبة دون أنْ يصل إلى تصميم واحد ناجح. وانتقل في أواخر الثلاثينات إلى جامعة بنسيلفانيا في فيلادلفيا ليتابع أبحاثه هناك، ولكن الحرب العالمية الثانية اضطرته للتوقف عن ذلك. بعد الحرب، أصبح غيبون بروفسوراً في الجراحة بجامعة جيفرسون في فيلادلفيا، حيث كان يقوم بواجباته الطبية أثناء النهار، ويتابع أبحاثه مساءً في قبو منزله محاولاً التوصل إلى اختراع مضخة القلب والرئة. شاركته زوجته ماري هوبكينسون Mary Hopkinson في تلك الأبحاث وأوردتْ في مذكراتها تفصيلات دقيقة عن تلك الأيام.

 

جون غيبون John Gibbon مع زوجته ماري هوبكينسون Mary Hopkinson يعملان على تطوير مضخة القلب والرئة.

 

بعد أنْ نجح غيبون وفريقه في القيام بعمليات كثيرة باستخدام هذه المضخة في حيوانات التجربة، شعر أنه قد وصل إلى المرحلة التي يمكن أنْ ينجح في تطبيقها لدى البشر. حاول بالفعل استخدام مضخة القلب والرئة في شهر فبراير مِنْ سنة 1952 للقيام بعملية جراحية لإغلاق فتحة بين الأذينتين لدى طفلة كان عمرها 15 شهراً. كانت الطفلة صغيرة جداً ولم يكن ممكناً آنذاك إجراء قثطرة للقلب والتأكد مِنْ تشخيص المرض قبل العملية. توفيت المريضة على طاولة العمليات بسبب نزف شديد، وتبَين أنها لم تكن مصابة بفتحة بين الأذينتين بل كان لديها مرض مختلف هو القناة الشريانية المفتوحة.

قام غيبون بإجراء العملية الثانية باستخدام مضخة القلب والرئة في السادس مِنْ مايو سنة 1953 وكانت تلك العملية هي العملية التاريخية الناجحة التي أرسَتْ قواعد جراحة القلب المفتوح باستخدام مضخة القلب والرئة. أجرى غيبون بعد ذلك عمليتين مماثلتين في شهر يونيو سنة 1953، ولكن هاتين العمليتين انتهتا بوفاة الطفلتين بسبب عدم دقة التشخيص قبل العملية. حزن غيبون كثيراً لهذا الفشل ولفقد هاتين الطفلتين، وقرر التوقف عن إجراء أية عملية أخرى باستخدام مضخة القلب والرئة حتى يتم تحسينها وجَعْلها أكثر أماناً ونجاحاً. ولكن ما حدث بالفعل هو أنّ غيبون لم يقم بعدها بإجراء أي عملية قلب مفتوح، وترك متابعة ذلك العمل لتلاميذه وزملائه.

 

مضخة القلب والرئة التي صممها جون غيبون  John Gibbon1953 .

 

بعد نجاحه في الوصول إلى تصميم ناجح لمضخة القلب والرئة ركَّزَ جون غيبون ممارسته الطبية في مجال جراحة الصدر فقط، وأصبح رئيساً لقسم الجراحة في جامعة جيفرسون، ورئيساً للجمعية الأمريكية للجراحة سنة 1954، والجمعية الأمريكية لجراحة الصدر سنة 1961. ألقى محاضرته الأخيرة عن اختراع مضخة القلب والرئة سنة 1972 في جامعة بيلور Baylor University في تكساس. وبعد ذلك بأشهر قليلة توفي في أوائل سنة 1973 عن عمر بلغ سبعين سنة بعد إصابته بأزمة قلبية حادة. لمْ يفز بجائزة نوبل رغم أنه كان يستحقها بشهادة كثير مِنَ العلماء تقديراً لأبحاثه وإنجازاته الطبية والعلمية الهامة.

هل كان وحده؟

حاولتْ فرق أبحاث عديدة التوصل إلى تصميم ناجح لمضخة القلب والرئة في تلك الفترة، في السويد، وفي هولندا، وفي جامعة مينيسوتا وفي ديترويت بأمريكا، وجامعة تورينو بإيطاليا،

تعاون فريق في ديترويت مع شركة سيارات جنرال موتورز في ديترويت لتصميم مضخة تقوم بعمل القلب لضخ الدم إلى الجسم. استخدمت هذه المضخة في دعم الدورة الدموية لمدة 50 دقيقة خلال عملية أُجريت لرجل عمره 41 سنة تم فيها إصلاح الصمام التاجي في القلب، واستُخدمتْ رئة المريض نفسها في توصيل الأوكسجين إلى دم المريض أثناء العملية. أُجريت هذه العملية في الثالث مِنْ يونيو سنة 1952 وكانت أول عملية ناجحة باستخدام مضخة صناعية تقوم بعمل القلب فقط دون أنْ تقوم بوظيفة الرئتين في الوقت نفسه. وعلى الرغم من تطوير هذه المضخ لكي تصبح مضخة كاملة تقوم بعمل القلب والرئة، إلا أنه لم يبدأ استخدام هذه المضخة على المرضى مِنَ البشر حتى أوائل 1955.

بدأ جون كيركلين وفريقه في مستشفى مايو في أمريكا برنامجهم القوي في جراحة القلب المفتوح واستخدام مضخة القلب والرئة في الخامس مِنْ مارس سنة 1955. كانت المضخة التي استخدموها نموذجاً مطوراً مِنَ المضخة التي كان قد صممها غيبون في فيلادلفيا بالتعاون مع مهندسي شركة IBM.

في شتاء 1954 و 1955 كنا قد نجحنا في تسع مِنْ عشر عمليات قلب مفتوح قمنا بإجرائها على الكلاب باستخدام مضختنا الجديدة، ثم قمنا باختيار ثمانية مرضى يحتاجون لعمليات قلب مفتوح ... وقررنا إجراء هذا العمليات الثمانية حتى لو توفي السبعة الأوائل منهم، وذلك بمعرفة وبموافقة ودعم إدارة المستشفى ... وقمنا بإجراء أولى هذه العمليات في يوم ثلاثاء مِنْ شهر مارس 1955.

نجحنا في أربع مِنْ هذه العمليات الثمانية، ولم يَسمح لنا ضغط العمل بالعودة إلى المختبر ومتابعة أبحاثنا لتطوير المؤكسج كما كنا نريد ".

جون كيركلين John W. Kirklin (1917-2004)، قام مع زملائه في مستشفى مايو بتطوير مضخة القلب والرئة التي صمّمها غيبون، واستخدموها لأول مرة في الخامس مِنْ مايو 1955.

مع نهاية عام 1956 كانت جراحة القلب المفتوح قد تأسستْ في كثير مِنْ جامعات العالم، ومع تحسن وسائل التشخيص وتحضير المريض للعملية، ومراقبة تمييع الدم، وتحسن الرعاية التمريضية ومراقبة المريض بعد العملية، حدثتْ قفزة هامة في جراحة القلب في الستينات والسبعينات مِنَ القرن العشرين. يقدر عدد عمليات القلب المفتوح التي تُجرى في العالَم هذه الأيام بأكثر مِنْ مليون عملية كل عام باستخدام مضخة القلب والرئة. ولا تزيد نسبة الوفاة في كثير مِنْ هذه العمليات عن اثنين في المئة. وفي غمرة العمل اليومي الشاق المتواصل لا يتذكر كثير مِنْ جراحي القلب هذه الأيام ذلك الجهد الكبير والبحث والإصرار والمثابرة التي قدمها لنا أولئك الرواد الأوائل في الخمسينيات مِنْ القرن العشرين.

 

المصدر

كتاب "قصة القلب، كيف كشفه رجاله" للدكتور عامر شيخوني

 

آخر تعديل بتاريخ
23 يناير 2023

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك الآن

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث على موقعنا عن إجابة لسؤالك، منعا للتكرار.
  • اكتب بريدك الإلكتروني الصحيح (الإجابة ستصلك عليه).
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.

*لن يتم إظهار اسمك عند نشر السؤال.

Age gender wrapper
Age Wrapper
Country Wrapper

هذا الموقع محمي بواسطة reCaptcha وتنطبق عليه سياسة غوغل في الخصوصية و شروط الخدمة

This site is protected by reCAPTCHA and the GooglePrivacy Policy and Terms of Service apply.