صحــــتك

هوايات الجدّات تعود من جديد: والسبب تأثيرها المهدئ للنفس

هوايات الجدّات تعود من جديد… والسبب تأثيرها المهدئ للنفس
هوايات الجدّات تعود من جديد… والسبب تأثيرها المهدئ للنفس

في عالم يزداد ازدحامًا بالشاشات والإشعارات وضغوط الإنتاجية المستمرة، بدأ كثير من الناس يبحثون عن طرق بسيطة تمنحهم شعورًا بالهدوء والاستقرار النفسي. ومن المثير للاهتمام أن الحل لم يكن دائمًا في التطبيقات الحديثة أو الدورات المكلفة، بل تجسد بممارسة أنشطة قديمة ارتبطت لعقود بالأجيال الأكبر سنًا، مثل الحياكة والزراعة المنزلية وصنع الحلويات اليدوية. هذه الأنشطة التي تُعرف اليوم باسم هوايات الجدّات لم تعد مجرد وسائل لتمضية الوقت، بل تحولت إلى أسلوب حياة يساعد على تقليل التوتر وتحسين الصحة النفسية.

ومع تصاعد معدلات القلق والإرهاق الرقمي، يرى خبراء الصحة النفسية أن هذه الأنشطة البسيطة قد تكون واحدة من أكثر الوسائل فعالية لاستعادة التوازن الداخلي. فهل يمكن فعلًا أن تمنحنا أعمال التطريز أو الخَبز أو الزراعة شعورًا بالطمأنينة؟ ولماذا أصبحت هوايات الجدّات حديث منصات التواصل والباحثين النفسيين في الوقت نفسه؟

ما المقصود بهوايات الجدّات؟

يشير مصطلح هوايات الجدّات إلى الأنشطة اليدوية والبسيطة التي كانت شائعة لدى الأجيال السابقة، والتي تعتمد على الإبداع والعمل الهادئ بعيدًا عن التكنولوجيا. وعلى الرغم من اسمها، فإن هذه الهوايات لا ترتبط بالعمر، بل بأسلوب الحياة البطيء والمريح. ومن أشهر الأمثلة على هوايات الجدّات:

  • الحياكة والكروشيه
  • التطريز والخياطة اليدوية
  • الرسم والتلوين
  • صناعة الفخار
  • الزراعة المنزلية وزراعة الأعشاب
  • إعداد المخبوزات المنزلية
  • كتابة الرسائل الورقية
  • ألعاب الأحاجي والألعاب اللوحية
  • مراقبة الطيور
  • صناعة الأغطية القماشية اليدوية

ويقول عدد من المعالجين بالفن إن هذه الأنشطة تساعد على تنظيم المشاعر وتحقيق حالة من التركيز الذهني الهادئ، وهو ما يجعل هوايات الجدّات وسيلة فعالة للهروب المؤقت من ضغوط الحياة اليومية.

لماذا عادت هذه الهوايات للانتشار من جديد؟

شهدت السنوات الأخيرة عودة قوية لـ هوايات الجدّات، خاصة بين الشباب والأشخاص الذين يعانون من الإرهاق الرقمي الناتج عن الاستخدام المفرط للهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي.

ويرى مختصون أن هناك عدة أسباب وراء هذا الانتشار، أبرزها الشعور بالتعب النفسي الناتج عن ثقافة الإنجاز السريع والمقارنة المستمرة على الإنترنت. لذا، فالكثير من الأشخاص أصبحوا يبحثون عن أنشطة تمنحهم شعورًا بالبطء والهدوء بعيدًا عن التنافس الرقمي.

كما أن هوايات الجدّات توفر تجربة حسية حقيقية تعتمد على اللمس والرؤية والروائح، وهو ما يفتقده كثيرون في الحياة الرقمية الحديثة. فإعداد الخبز مثلًا يمنح الشخص شعورًا بالإنجاز، بينما تساعد الزراعة المنزلية على تعزيز الاتصال بالطبيعة.

ويؤكد خبراء الصحة النفسية أن هذا النوع من الأنشطة يعيد الإنسان إلى اللحظة الحالية، وهو ما يعرف باليقظة الذهنية (Mindfulness)، وهي مهارة نفسية تساعد على تقليل التفكير الزائد والقلق.

كيف تؤثر هذه الهوايات على الصحة النفسية؟

تشير دراسات حديثة إلى أن الأنشطة الإبداعية واليدوية يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في دعم الصحة النفسية وتقليل مستويات القلق.

فقد أظهرت مراجعة علمية نُشرت عام 2025، تشمل 19 دراسة مختلفة، أن الأعمال اليدوية والأنشطة الإبداعية قد تساعد في تحسين الحالة النفسية وتقليل أعراض التوتر. وتكمن أهمية هوايات الجدّات في أنها تؤثر على الدماغ والجهاز العصبي بطرق متعددة، منها:

تعزيز التركيز واليقظة الذهنية

عند الانشغال بالحياكة أو الرسم أو إعداد وصفة منزلية، يركز العقل على التفاصيل الصغيرة والحركات المتكررة، ما يساعد على تقليل التفكير المفرط والابتعاد عن القلق المستقبلي.

كما أن هذه الأنشطة تساعد على الوصول إلى ما يسمى بحالة التدفق الذهني (Flow State)، وهي حالة من التركيز العميق يشعر فيها الشخص بالاندماج الكامل مع النشاط الذي يقوم به.

تهدئة الجهاز العصبي

يؤكد معالجون نفسيون أن الحركات المتكررة مثل الخياطة أو الحياكة تساعد على تنشيط الجهاز العصبي نظير الودي (Parasympathetic Nervous System)، وهو المسؤول عن حالة الراحة والاسترخاء في الجسم. وهذا يعني أن هوايات الجدّات قد تساعد على:

  • خفض التوتر
  • تهدئة سرعة التنفس
  • تقليل تسارع الأفكار
  • تحسين الشعور بالاستقرار النفسي

كما وجدت دراسة تعود لعام 2019 أن ممارسة الرسم لمدة 10 دقائق يوميًا فقط قد تساهم في تحسين المزاج وتقليل التوتر النفسي.

الهروب من العالم الرقمي

أحد أهم أسباب انتشار هوايات الجدّات هو رغبة الناس في الابتعاد عن الشاشات. فالإفراط في استخدام الهواتف الذكية يرتبط بزيادة التوتر وضعف التركيز واضطرابات النوم.

وانشغال الشخص بأنشطة يدوية، يصعِّب عملية التصفح السلبي المتكرر أو ما يعرف بالتصفح القهري للمحتوى، وهذا يمنح الدماغ فرصة للراحة واستعادة التركيز.

كما أن هذه الهوايات تساعد على تحفيز الحواس المختلفة، مثل اللمس والشم والرؤية، وهو ما يعزز الشعور بالوجود في اللحظة الحالية بدلًا من الانشغال الدائم بالعالم الافتراضي.

هل تساعد هذه الهوايات في مقاومة الكمالية؟

يعيش كثير من الناس اليوم تحت ضغط الرغبة في الوصول إلى الكمال، سواء في العمل أو الشكل أو الحياة الشخصية. لكن هوايات الجدّات تقدم تجربة مختلفة تمامًا.

فالهدف هنا ليس إنتاج قطعة مثالية، بل الاستمتاع بالتجربة نفسها. ويؤكد مختصون أن السماح للنفس بارتكاب الأخطاء أثناء التعلم يساعد على تخفيف الضغط النفسي وتقليل النزعة الكمالية.

فعندما يصنع الشخص وشاحًا غير متقن أو يرسم لوحة بسيطة، فإنه يتعلم تقبل العيوب والاستمتاع بالتطور التدريجي بدلًا من السعي المستمر للمثالية.

هوايات الجدّات تعزز العلاقات الاجتماعية أيضًا

على الرغم من أن البعض يعتقد أن هذه الأنشطة فردية، إلا أنها في الحقيقة قد تكون وسيلة رائعة لتعزيز العلاقات الاجتماعية.

فقد انتشرت مؤخرًا نوادي الحياكة وورش الفخار والتجمعات الخاصة بالرسم والطهي، حيث يجتمع الأشخاص لممارسة الأنشطة اليدوية وتبادل الأحاديث في أجواء مريحة.

ويرى مختصون أن الانشغال بالنشاط اليدوي أثناء الحديث يقلل من التوتر الاجتماعي ويجعل التواصل أكثر سهولة، لأن التركيز لا يكون منصبًا بالكامل على المحادثة.

كما أن مشاركة هوايات الجدّات مع الآخرين قد تساعد على تقليل الشعور بالوحدة، خاصة لدى الأشخاص الذين يعملون لساعات طويلة أو يقضون معظم وقتهم أمام الشاشات.

كيف تبدأ دون الشعور بالإحباط؟

يخشى البعض تجربة هوايات الجدّات لأنهم يعتقدون أنهم بحاجة إلى مهارات فنية عالية، لكن الخبراء يؤكدون أن البداية البسيطة هي الأفضل دائمًا.

ويمكن اتباع بعض النصائح المهمة:

  • اختيار هواية سهلة في البداية مثل التلوين أو الزراعة المنزلية
  • تقبل فكرة التعلم التدريجي وعدم توقع نتائج مثالية
  • تخصيص وقت قصير يوميًا لممارسة النشاط
  • مشاركة التجربة مع الأصدقاء أو أفراد العائلة
  • الابتعاد عن مقارنة النتائج بما يُنشر على الإنترنت

ويؤكد الخبراء أن الاستفادة الحقيقية من هوايات الجدّات لا ترتبط بجودة النتيجة النهائية، بل بالشعور بالهدوء والمتعة أثناء الممارسة.

نصيحة من موقع صحتك Sehatok

إذا كنت تشعر بالتوتر المستمر أو الإرهاق النفسي الناتج عن ضغوط الحياة اليومية، فقد يكون من المفيد تخصيص 15 إلى 30 دقيقة يوميًا لممارسة نشاط يدوي بسيط. هذه المدة القصيرة قد تساعد على تهدئة الجهاز العصبي وتحسين المزاج تدريجيًا.

كما ينصح المختصون بتقليل استخدام الهاتف قبل النوم واستبداله بهواية هادئة مثل القراءة أو الحياكة أو الرسم، لأن ذلك قد يساهم في تحسين جودة النوم وتقليل القلق الليلي.

ومن المهم أيضًا عدم تحويل هذه الأنشطة إلى مصدر ضغط جديد، فالفكرة الأساسية من هوايات الجدّات هي الاسترخاء والاستمتاع وليس تحقيق الكمال أو المنافسة.

 

نهايةً، ربما تبدو الحياكة أو الزراعة المنزلية أنشطة بسيطة وقديمة، لكنها بالنسبة لكثير من الناس أصبحت وسيلة حقيقية لاستعادة الهدوء النفسي وسط عالم سريع ومليء بالتوتر. ومع تطور التكنولوجيا بوتيرة متسارعة، تزداد حاجة الإنسان إلى أشياء بسيطة تعيده إلى ذاته وإلى اللحظة الحالية.

فهل يمكن أن تصبح هوايات الجدّات جزءًا أساسيًا من روتين العناية بالصحة النفسية مستقبلًا؟ وهل سنشهد عودة أوسع للحياة البطيئة كوسيلة لمواجهة القلق والإرهاق الرقمي؟

آخر تعديل بتاريخ
20 مايو 2026
يرجى تحديد خانة الاختيار "التعليق كضيف" إذا كنت تفضل عدم تقديم اسمك وبريدك الإلكتروني.
Consultation form header image

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك الآن

 

  • ابحث على موقعنا عن إجابة لسؤالك، منعا للتكرار.
  • اكتب بريدك الإلكتروني الصحيح (الإجابة ستصلك عليه).
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • لن يتم إظهار اسمك عند نشر السؤال.

 

Age gender wrapper
Age Wrapper
الجنس
Country Wrapper

هذا الموقع محمي بواسطة reCaptcha وتنطبق عليه سياسة غوغل في الخصوصية و شروط الخدمة

This site is protected by reCAPTCHA and the GooglePrivacy Policy and Terms of Service apply.