في الحياة اليومية، نواجه جميعًا مَن يلجأ إلى استخدام الألفاظ النابية أو الشتائم للتعبير عن الغضب أو الانفعال، وقد يتساءل البعض: هل هذا السلوك يعكس قلة التهذيب فقط، أم أنه قد يدل على جانب خفي من الذكاء؟ هذا المقال يناقش هل إطلاق الشتائم علامة من علامات الذكاء؟ وذلك من خلال تبسيط الدراسات النفسية والعصبية الحديثة، وشرح المفاهيم العلمية المرتبطة بذلك.
الشتائم أكثر من مجرد كلمات
تعد الشتائم (Swearing) ظاهرة لغوية وسلوكية موجودة في كل الثقافات، لكن نظرة المجتمع إليها تختلف. البعض يراها وقاحة وسوء تهذيب، بينما يعتبرها آخرون وسيلة للتنفيس عن المشاعر، بل وحتى نوعًا من التعبير الإبداعي.
ولكن، هل إطلاق الشتائم علامة من علامات الذكاء؟ هذا ما حاولَت دراسات حديثة استكشافه.
هل إطلاق الشتائم علامة من علامات الذكاء؟
في واحدة من أبرز الدراسات، قارن الباحثون بين الطلاقة اللفظية العامة (General Verbal Fluency) والقدرة على استخدام الألفاظ النابية (Taboo Word Fluency). اعتمدت الدراسة على اختبار يسمى اختبار الارتباط الشفوي المنضبط للكلمات (Controlled Oral Word Association Test - COWAT)، إذ يُطلب من المشاركين ذِكر كلمات تبدأ بحرف معين، ثم كلمات بذيئة، ثم أسماء حيوانات.
النتيجة: الأشخاص الذين استطاعوا توليد عدد أكبر من الكلمات البذيئة، كانوا أيضًا أكثر قدرة على توليد كلمات عادية، وهذا يشير إلى أن مَن يمتلك مفردات نابية كثيرة غالبًا ما يمتلك مفردات لغوية عامة (Vocabulary) أوسع، ما قد يعكس مستوى عالٍ من الذكاء اللفظي.
لكن دعونا لا نتسرع في الحكم.
الترابط لا يعني السببية
تُشير د. غريس توريك، أخصائية علم النفس الصحي، إلى قاعدة إحصائية مهمة: "الترابط لا يعني السببية (Correlation Does Not Equal Causation)"، فكما أن ارتفاع مبيعات الآيس كريم يتزامن مع زيادة هجمات القرش في الصيف، لا يعني ذلك أن الآيس كريم يسبب هجمات القرش.
بنفس المنطق، مجرد وجود علاقة بين الشتائم والذكاء لا يعني أن الشخص الذكي يُكثر من السّب، أو أن الشتم يرفع مستوى الذكاء. بل ربما يوجد عامل مشترك ثالث، مثل الانفتاح أو الجرأة الاجتماعية. إذًا، هل إطلاق الشتائم علامة من علامات الذكاء؟ ليس دائمًا.
الذكاء أكثر تعقيدًا من مجرد كلمات
من المهم التفريق بين الذكاء الحقيقي (True Intelligence) وبين امتلاك حصيلة لغوية كبيرة، فالقدرة على توليد كلمات بذيئة قد تدل على طلاقة لفظية، لكنها لا تكفي لتحديد مستوى الذكاء العقلي أو العاطفي.
تؤكد د. توريك: "لفهم الذكاء بدقة، نحتاج إلى اختبارات نفسية شاملة (Neuropsychological Batteries)، وليس فقط قياس مفردات أو استخدام الشتائم".
بمعنى آخر: استخدام الشتائم لا يجعلك عبقريًا، لكنه قد يشير إلى تنوع مفرداتك، وهذا قد يجيب عن سؤال: هل إطلاق الشتائم علامة من علامات الذكاء؟ بأنه لا ينفي أن إطلاق الشتائم علامة من علامات الذكاء أحيانًا، لكن ليس دائمًا.
هل هناك فوائد لاستخدام الشتائم؟
رغم أن الشتائم تعتبر منبوذة اجتماعيًا، فقد وجَدت بعض الدراسات أنها ترتبط بفوائد سلوكية ونفسية، منها:
1. تخفيف الألم
استخدَمت دراسة شهيرة عام 2009 اختبار الألم بالماء البارد (Cold Pressor Test - CPT)، حيث وضَع المشاركون أيديهم في ماء مثلج، وطُلب منهم تكرار كلمة، إما بذيئة أو محايدة. النتيجة: مَن استخدموا الشتائم استطاعوا تحمل الألم لفترة أطول.
وقد أعيدت التجربة عام 2011 وأظهَرت أن تأثير الشتائم يَضعُف كلما اعتاد الشخص عليها، أي أن الشتم يساعد على تخفيف الألم، لكن بحدود.
2. الصدق والنزاهة
في ثلاث دراسات مختلفة عام 2017، وُجِد أن الأشخاص الذين يَستخدمون الشتائم بشكل منتظم كانوا أكثر صدقًا في تعبيرهم عن مشاعرهم، وأقل ميلًا للكذب.
3. الإبداع
نظرًا لأن الشتائم تعتبر لغة تلقائية (Automatic Language)، فمن المعتقد أنها تنشّط الجانب الأيمن من الدماغ الذي يرتبط غالبًا بالخيال والإبداع (Creativity). بل إن بعض المرضى الذين يعانون من فقدان القدرة على الكلام (Aphasia) بعد السكتات الدماغية، حافظوا على قدرتهم على الشتم.
مرة أخرى نطرح السؤال: هل إطلاق الشتائم علامة من علامات الذكاء؟ أحيانًا قد تشير إلى الإبداع والصدق، لكنها لا تعني بالضرورة تفوقًا عقليًا.
الشتائم والثقافات المختلفة
تختلف الشتائم من مجتمع إلى آخر، لكن تأثيرها البيولوجي يبدو متشابهًا. قارنت دراسة عام 2017 بين أشخاص من أصول إنجليزية وآخرين يابانيين، وأظهَرت نتائج متقاربة فيما يتعلق بتأثير الشتائم على الألم.
وما يزال الباحثون يبحثون: هل البدائل المهذَّبة مثل "تف" أو "يا ساتر" أو "يلعن" تحمل نفس الفعالية؟ للأسف، تجربة عام 2020 بيّنت أن الكلمات البديلة أو المُختلقة مثل "فوتش (fudge)" و"شوت (shoot)" لم تقلل الألم بنفس فعالية الشتائم الحقيقية.
هل يجب أن نَستخدم الشتائم أكثر؟
رغم أن الدراسات توضح بعض الفوائد البيولوجية والنفسية لاستخدام الشتائم، فإن د. توريك تُحذر من التعميم. تقول: "أهم درس هو عدم الحكم على الناس بناءً على طريقة تعبيرهم".
الذكاء والعقلانية لا يُقاسان بكلمة تقال في لحظة غضب، بل بأسلوب حياة متكامل. لذلك، علينا ألا نعتبر أن إطلاق الشتائم علامة من علامات الذكاء في كل الأحوال، بل نحتاج إلى وعي وتمييز.
توازن ضروري بين التعبير والتهذيب
المجتمع العربي، بثقافته وقيمه، يُشجع دائمًا على حُسن الخلق (Good Manners). فلا يمكننا تجاهل تأثير الكلمات على الآخرين، خاصة عند الأطفال والمراهقين الذين قد يعتقدون أن الشتائم "مؤشر ذكاء" أو "موضة".
وهنا تبرز أهمية قول النبي محمد ﷺ: "إن الله لا يحب الفاحش البذيء" [رواه الترمذي]. حديث نبوي يجمع بين تهذيب النفس واحترام الآخرين، ويؤكد أن الذكاء الحقيقي لا يكمن في الألفاظ النابية، بل في ضبط النفس وحُسن التعبير.
نهايةً؛ وفي ضوء الدراسات العلمية، قد نُجيب بنعم جزئية على السؤال: هل إطلاق الشتائم علامة من علامات الذكاء؟ فالشتائم ترتبط أحيانًا بالطلاقة اللغوية، والقدرة على التعبير، وحتى تقليل الألم الجسدي، لكنها ليست دليلًا قاطعًا على الذكاء، ولا تبرر سوء الخلق أو الأذى اللفظي للآخرين.
يجب أن نُوازن بين الحرية في التعبير واحترام الذوق العام، وأن نتذكر دائمًا أن الكلمات قد تكون دواءً أو سُمًّا. وكما قال النبي ﷺ:
"ليس المؤمن بالطعّان ولا اللعّان ولا الفاحش ولا البذيء.". [رواه الترمذي].
لذلك، دعونا نَستخدم كلماتنا بحكمة، ونتذكّر أن الذكاء الحقيقي لا يُقاس بعدد الشتائم، بل بقدرتنا على ضبط أنفسنا، والتعبير الراقي عن مشاعرنا.