قد يبدو وصول الطفل لحظة مليئة بالفرح، لكن خلف الصور العائلية السعيدة قد يعيش بعض الآباء مشاعر مختلفة تمامًا؛ مثل الإرهاق والعزلة والغضب وفقدان الرغبة في القيام بالأشياء التي كانوا يستمتعون بها. وهنا تظهَر حقيقة لا تحظى بالاهتمام الكافي: اكتئاب ما بعد الولادة عند الرجال موجود فعلًا، وقد يبدأ خلال السنة الأولى من ولادة الطفل.
تشير دراسات علمية إلى أن معدلات الاكتئاب لدى الآباء الجدد تختلف باختلاف الدراسات وطرق القياس، بينما تذكر اليونيسف أن نحو أب واحد من كل عشرة قد يمر بهذه المشكلة. لذلك، فإن اكتئاب ما بعد الولادة عند الرجال ليس مجرد تقلب عابر في المزاج، بل حالة تستحق الانتباه والدعم.
لماذا يمكن أن يصاب الأب بالاكتئاب بعد ولادة طفله؟
لا يمر الأب بالتغيرات الجسدية التي تمر بها الأم، لكنه يواجه تحولًا كبيرًا في حياته اليومية والنفسية. فقلة النوم، وزيادة المسؤوليات، والقلق بشأن المال، وتغيّر العلاقة مع الشريكة، والشعور بضرورة القيام بدور الأب المثالي، كلها عوامل قد تزيد الضغط النفسي.
وتشير الأبحاث إلى أن الانتقال إلى الأبوة قد يترافق أيضًا مع تغيرات هرمونية ونفسية لدى الرجال، في حين يمكن أن يتأثر بعض الآباء بالتغيرات في علاقتهم العاطفية والاجتماعية بعد وصول الطفل. ولهذا قد يظهَر اكتئاب ما بعد الولادة عند الرجال نتيجة تداخل مجموعة من العوامل بدلًا من سبب واحد.
كيف تظهَر أعراض اكتئاب ما بعد الولادة عند الرجال ؟
قد تكون علامات اكتئاب ما بعد الولادة عند الرجال مشابهة للاكتئاب المعتاد، لكنها قد تظهَر أحيانًا بصورة سلوكيات لا يربطها المحيطون بالاكتئاب مباشرة. وتشمل أبرز هذه العلامات:
- الشعور المستمر بالحزن أو الفراغ وفقدان المتعة (Anhedonia).
- التعب ونقص الطاقة وصعوبة التركيز أو اتخاذ القرارات.
- اضطرابات النوم، سواء الأرق أو النوم أكثر من المعتاد.
- تغيّر الشهية أو ظهور شكاوى جسدية مثل الصداع ومشكلات المعدة.
- الشعور بعدم الثقة في القدرة على أداء دور الأب أو رعاية الطفل.
- الانسحاب من الأصدقاء والعائلة وتجنب المواقف الاجتماعية.
- سرعة الغضب أو التوتر أو السخرية المفرطة أو العدوانية.
- زيادة شرب الكحوليات أو المخدرات كوسيلة للهروب من المشاعر الصعبة.
- تجنب أنشطة رعاية الطفل أو صعوبة تكوين رابطة عاطفية معه.
- زيادة الخلافات مع الشريكة والشعور بأنه محاصر أو مثقل بالمسؤوليات.
تؤكد الجهات الصحية أن ظهور بعض هذه العلامات لا يعني تلقائيًا وجود اكتئاب، لكن استمرارها أو تفاقمها أو تأثيرها في الحياة اليومية يستدعي التحدث إلى مختص.
متى يكون الأب أكثر عرضة لهذه المشكلة؟
توضح الدراسات أن بعض الظروف قد ترتبط بزيادة احتمال ظهور اكتئاب ما بعد الولادة عند الرجال . ومن أبرز عوامل الخطر لحدوث ذلك:
- وجود تاريخ سابق للاكتئاب أو اضطرابات الصحة النفسية.
- إصابة الشريكة باكتئاب ما بعد الولادة.
- ضعف الدعم من الأسرة والأصدقاء.
- المشكلات المستمرة أو عدم الرضا عن العلاقة الزوجية.
- الضغوط المالية أو البطالة.
- ارتفاع مستويات التوتر والشعور بعدم القدرة على التعامل مع المسؤوليات.
- ضعف الثقة في مهارات الأبوة.
- وجود ضغوط عائلية أو أحداث حياتية سلبية.
وأظهَرت دراسة منهجية شملت آلاف الآباء أن وجود تاريخ سابق لمشكلة نفسية، واكتئاب الشريكة، وعدم الرضا عن العلاقة، والضغوط المالية والبطالة من العوامل المرتبطة بزيادة الأعراض الاكتئابية لدى الآباء.
لماذا قد لا يطلب الرجال المساعدة؟
أحد أسباب صعوبة اكتشاف اكتئاب ما بعد الولادة عند الرجال أن بعض الرجال قد لا يصِفون ما يشعرون به بأنه اكتئاب. فقد يظهَر الأمر بصورة غضب أو انسحاب أو انشغال مفرط بالعمل أو شرب الكحوليات بدلًا من البكاء والحزن الواضح.
كما أن الاعتقاد بأن الأب يجب أن يكون دائمًا قويًا وقادرًا على تحمل المسؤولية قد يجعل طلب المساعدة أمرًا محرجًا بالنسبة لبعض الرجال. وتؤكد مصادر صحية بريطانية أن الآباء والشركاء يمكن أن يصابوا بالاكتئاب بعد ولادة الطفل، وأن الحصول على المساعدة مبكرًا يمكن أن يساعد على التعافي.
كيف يمكن علاج الحالة؟
يعتمد علاج اكتئاب ما بعد الولادة عند الرجال على شدة الأعراض واحتياجات الشخص، ولا توجد طريقة واحدة تناسب الجميع. وقد تشمل المساعدة الطبية:
- التحدث إلى طبيب الأسرة أو اختصاصي الصحة النفسية لتقييم الأعراض.
- العلاج النفسي (Psychotherapy)، مثل العلاج المعرفي السلوكي (Cognitive Behavioural Therapy).
- استخدام أدوية مضادة للاكتئاب (Antidepressants) عندما يراها الطبيب مناسبة.
- الحصول على دعم من الأسرة والأصدقاء ومجموعات دعم الآباء.
- معالجة مشكلات النوم والضغوط المالية أو الأسرية بالتوازي مع المشكلة النفسية.
- استخدام أدوات الفحص النفسي، مثل مقياس إدنبرة لاكتئاب ما بعد الولادة (Edinburgh Postnatal Depression Scale)، مع العلم أن التشخيص النهائي يحتاج إلى تقييم متخصص.
ولا ينبغي للرجل أن يبدأ أو يوقف أي دواء نفسي من تلقاء نفسه. كما أن وجود أعراض شديدة، خصوصًا أفكار الانتحار أو إيذاء النفس أو الطفل، يتطلب طلب مساعدة طبية عاجلة.
نصيحة من موقع صحتك Sehatok
إذا كنت أبًا جديدًا وتشعر منذ فترة بأنك لست على طبيعتك، فلا تنتظر حتى تصبح الأمور أكثر صعوبة. تحدث مع شخص تثق به، وشارك طبيبك بما تشعر به حتى لو بدت الأعراض لك بسيطة أو غير واضحة. طلب المساعدة ليس دليلًا على ضعف الأب، بل خطوة لحماية صحتك وعائلتك.
لا يؤثر اكتئاب ما بعد الولادة عند الرجال في الأب وحده؛ فقد ينعكس على العلاقة مع الشريكة وعلى طريقة تفاعل الأب مع طفله والحياة الأسرية عمومًا. وتشير اليونيسف إلى أن اكتئاب الأب خلال السنة الأولى من حياة الطفل ارتبط في بعض الدراسات بزيادة مشكلات سلوكية ونمائية لدى الأطفال في سنوات ما قبل المدرسة، وهو ما يبرز أهمية اكتشاف المشكلة مبكرًا.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كان الأب يستطيع الإصابة بالاكتئاب بعد ولادة طفله؟ فقد أصبحت الأدلة على ذلك واضحة، بل ربما يكون السؤال: كم أبًا يعيش هذه التجربة بصمت لأنه لا يعرف أن ما يمر به له اسم وعلاج؟ وهل يمكن أن تصبح رعاية الصحة النفسية للأب جزءًا طبيعيًا من رعاية الأسرة بعد الولادة، بدل أن تبقى الأنظار موجهة إلى الأم والطفل فقط؟



