يتميز اضطراب الشخصية التجنبية (Avoidant personality disorder) بضعف تقدير الذات والخوف الشديد من الرفض، وغالباً ما يتجنب المصابون بهذه الحالة المواقف الاجتماعية لتجنب هذه المشاعر المزعجة، ويمكن علاج اضطراب الشخصية التجنبية بالعلاج النفسي (العلاج بالكلام)، كما قد تساعد الأدوية في علاج هذا الاضطراب. فماذا تعرف عن هذا الاضطراب، وما أهم أعراضه، وكيف يمكن تشخيصه وعلاجه؟
اضطراب الشخصية التجنبية.. ما هو؟
يعتبر هذا الاضطراب حالة صحية نفسية تتضمن وجود مشاعر مزمنة من عدم الكفاءة وحساسية مفرطة للنقد، ويرغب المصابون بهذا الاضطراب بالتفاعل مع الآخرين لكنهم يميلون إلى تجنب التفاعلات الاجتماعية بسبب خوفهم الشديد من الرفض. يندرج هذا الاضطراب ضمن مجموعة من الحالات تسمى اضطرابات الشخصية "المجموعة ج"، وتتضمن هذه الاضطرابات: القلق والخوف. واضطرابات الشخصية هي أنماط سلوكية دائمة لا تتوافق مع المعايير الثقافية (كيف يتوقع منا التصرف)، وهي تتطور في مرحلة الطفولة أو المراهقة، وتسبب هذه الاضطرابات ضائقة نفسية للشخص المصاب بها، ولمن حوله.
ما الفرق بين الشخصية التجنبية والرهاب الاجتماعي؟
يتشابه اضطراب الشخصية واضطراب القلق الاجتماعي في سمات وسلوكيات متشابهة، إلا أنهما حالتان مختلفتان. يحدث اضطراب القلق الاجتماعي (الرهاب الاجتماعي) عندما يكون لديك خوف شديد ومستمر من أن يحكم عليك الآخرون ويراقبونك، وهذا يدفع هؤلاء الأشخاص إلى تجنب المواقف الاجتماعية.
يتجنب الأشخاص المصابون باضطراب الشخصية التجنبية أيضاً المواقف الاجتماعية والعلاقات مع الآخرين، ولكن الأمر يتعلق هنا بانخفاض تقدير الذات أكثر من القلق، ويمكن أن يصاب الشخص بكلا الاضطرابَين معاً مع أعراض أكثر حدة من المصابين باضطراب واحد فقط.
الأشخاص الأكثر عرضة لاضطراب الشخصية التجنبية
يبدأ هذا الاضطراب عادة في أواخر سنوات المراهقة أو أوائل العشرينات، كما يرجح أن يصيب اضطراب الشخصية التجنبية الأشخاص الذين يعانون من إحدى الحالات الصحية النفسية التالية:
- الاكتئاب السريري (اضطراب الاكتئاب الشديد).
- اضطراب الاكتئاب المستمر.
- اضطراب القلق الاجتماعي.
- اضطراب الوسواس القهري.
- اضطراب الهلع.
- فقدان الشهية العصبي.
- اضطراب الشراهة في تناول الطعام.
أعراض الشخصية التجنبية
العلامة الرئيسية لاضطراب الشخصية التجنبية هي انخفاض تقدير الذات، والخوف الشديد من الرفض لدرجة اختيار العزلة على التواجد بين الناس، وقد يتراوح هذا النمط السلوكي من خفيف إلى شديد، وتشمل العلامات والسلوكيات الأخرى لاضطراب الشخصية التجنبية ما يلي:
- صورة ذاتية سلبية ورؤية الذات على أنها غير كافية ودونية.
- القلق المفرط من النقد أو عدم الموافقة.
- قد يتردد المصاب بالانخراط مع الآخرين إلا إذا كان متأكداً أن الآخرين سيحبونه.
- الشعور بقلق شديد (عصبية) وخوف من المواقف الاجتماعية والعلاقات، وقد يدفعهم هذا إلى تجنب الأنشطة أو الوظائف التي تتطلب التواجد مع الآخرين.
- الخجل من المواقف الاجتماعية بسبب الخوف من ارتكاب خطأ أو الشعور بالحرج.
- الميل إلى المبالغة في تقدير احتمال حدوث المشاكل أو إساءة تفسير الملاحظات على أنها سلبية.
- نادراً ما يجرب المصاب أي شيء جديد أو يخاطر.
ما أسباب الشخصية التجنبية؟
تعد اضطرابات الشخصية بما في ذلك اضطراب الشخصية التجنبية من بين أقل حالات الصحة النفسية فهماً، ولا يزال الباحثون يحاولون تحديد السبب الدقيق لها، لكنهم يعتقدون أن الشخصية التجنبية تتطور نتيجة عوامل عدة، منها:
- الجينات: فقد قدرت إحدى الدراسات التي تناولت اضطراب الشخصية التجنبية أن الجينات الوراثية مسؤولة عن حوالي 64% من احتمالية الإصابة باضطراب الشخصية التجنبية.
- المزاج في مرحلة الطفولة: وجد الباحثون روابط بين سمات المزاج في مرحلة الطفولة واضطراب الشخصية التجنبية، وتشمل هذه السمات: الجمود، وفرط الحساسية، وعدم السعي وراء تجارب جديدة، وتجنب الأذى المحتمل أكثر من المعتاد، والخوف والضيق المفرطَين.
- نمط التعلق: قد يكون الأشخاص الذين لديهم نمط تعلق خوفي أكثر عرضة للإصابة باضطراب الشخصية التجنبية، ويعني نمط التعلق الخوفي أن لديك رغبة في التقرب من الآخرين ولكن لديك عدم ثقة بهم وخوف من الرفض، وقد يتطور هذا على سبيل المثال إذا أظهر الطفل ضيقاً وكان الوالدان يظهران التجاهل.
- بيئة الطفولة المبكرة: قد يساهم التعرض للرفض والمعاملة بشكل مختلف عن الآخرين أثناء الطفولة في تطور الشخصية التجنبية المعادية للمجتمع.
تشخيص اضطراب الشخصية التجنبية
تتطور هذه الشخصية باستمرار خلال مراحل نمو الطفل والمراهق، ولذلك لا يشخص فريق الرعاية الصحية عادة الشخص باضطراب الشخصية التجنبية إلا بعد سن الثامنة عشر، ويحتاج فريق الرعاية إلى أدلة على أن هذه الأنماط السلوكية ثابتة وغير متغيرة ولا تتلاشى مع مرور الوقت، وقد يصعب تشخيص اضطرابات الشخصية بما في ذلك الشخصية التجنبية، ويرجع ذلك إلى أن معظم المصابين بها لا يعتقدون بوجود مشكلة في سلوكهم أو طريقة تفكيرهم.
وعندما يطلبون المساعدة غالباً ما يكون ذلك بسبب حالات مثل القلق أو الاكتئاب نتيجة للمشاكل التي يسببها اضطراب الشخصية لديهم كالعزلة أو قلة الأصدقاء، وعندما يشك مختص الصحة النفسية بوجود اضطراب الشخصية التجنبية فإنه غالباًَ ما يطرح أسئلة عامة وواسعة ويسلط الضوء على:
- التاريخ الماضي.
- العلاقات.
- تاريخ العمل السابق.
- اختبار الواقع.
وقد يفتقر الشخص المشتبَه بإصابته باضطراب الشخصية التجنبية إلى فهم سلوكياته وأنماط تفكيره، لذلك غالباً ما يتعاون المختصون بالصحة النفسية مع عائلة الشخص وأصدقائه لجمع المزيد من المعلومات حول سلوكياته وتاريخه، وتتضمن معايير تشخيص اضطراب الشخصية التجنبية وجود نمط مستمر لأربعة على الأقل من السلوكيات التالية:
- تجنب الأنشطة المتعلقة بالعمل التي تتطلب العمل مع الآخرين خوفاً من انتقادهم أو رفضهم.
- عدم الرغبة في الانخراط مع الآخرين إلا إذا كانوا متأكدين من إعجاب الآخرين بهم.
- السلبية أو التحفظ في العلاقات الوثيقة خوفاً من السخرية أو الإذلال.
- القلق الشديد من انتقاد الآخرين لهم أو رفضهم لهم في المواقف الاجتماعية العادية.
- الشعور بالخجل في المواقف الاجتماعية الجديدة لشعورهم بعدم الكفاءة.
- تقييم أنفسهم على أنهم غير ماهرين اجتماعياً أو غير جذابين أو أدنى من الآخرين.
- التردد في المخاطرة الشخصية أو تجربة أنشطة جديدة خوفاً من الشعور بالحرج.
علاج الشخصية التجنبية
يعد علاج اضطرابات الشخصية أمراً صعباً لأن المصابين بهذه الحالات لديهم أنماط تفكير وسلوك متجذرة منذ سنوات طويلة، ومع ذلك، يعد الأشخاص المصابون باضطراب الشخصية التجنبية مرشحين جيدين للعلاج لأن هذه الحالة تسبب لهم ضائقة نفسية كبيرة ويرغب معظم المصابين باضطراب الشخصية التجنبية في بناء علاقات، وقد تشكل هذه الرغبة حافزاً لهم لاتباع خطط العلاج التي من المرجح أن تشمل العلاج النفسي وربما الأدوية، ويكون علاج الأشخاص المصابين بهذه الحالة أكثر فعالية عندما يكون أفراد الأسرة مُشاركين ومُساندين.
العلاج النفسي لاضطراب الشخصية التجنبية
يعد العلاج النفسي (العلاج بالكلام) العلاج الأمثل لاضطرابات الشخصية، ويهدف هذا العلاج إلى مساعدتك على اكتشاف الدوافع والمخاوف المرتبطة بأفكارك وسلوكك. بالإضافة إلى ذلك، يمكنك تعلم كيفية التعامل مع الآخرين بإيجابية أكبر، ويوجد نوعان محدّدان من العلاج النفسي يمكن أن يساعدا الأشخاص الذين يعانون من اضطراب الشخصية التجنبية (الشخصية المعادية للمجتمع):
- العلاج النفسي الديناميكي: يركّز هذا النوع من العلاج على الجذور النفسية للمعاناة العاطفية، ومن خلال التأمل الذاتي يمكنك النظر في العلاقات الإشكالية وأنماط السلوك في حياتك، ويساعد هذا على فهم نفسك بشكل أفضل، ويمكن أن يساعدك على تغيير طريقة تعاملك مع الآخرين وتحسين بيئتك.
- العلاج السلوكي المعرفي: هو نوع من العلاج المنظم والموجه نحو الهدف، وفيه يساعدك المعالِج أو الأخصائي النفسي على إلقاء نظرة فاحصة على أفكارك ومشاعرك، وستفهم حينها كيف تؤثر أفكارك على أفعالك. من خلال العلاج السلوكي المعرفي يمكنك التخلص من الأفكار والسلوكيات السلبية، وستتعلم تبني أنماط وعادات تفكير صحية، وقد يركّز بشكل خاص على تطوير المهارات الاجتماعية.
الأدوية لعلاج اضطراب الشخصية التجنبية
لا يوجد حالياً أي دواء لعلاج الاضطرابات الشخصية، ولكن توجد أدوية للاكتئاب والقلق التي قد يعاني منها أيضاً الأشخاص المصابون باضطراب الشخصية التجنبية، وعلاج هذه الحالات يسهّل علاج الشخصية التجنبية، وللحصول على أفضل النتائج ينصح بتناول الأدوية مع العلاج النفسي.
الأسئلة الشائعة
ما علامات الشخص التجنبي في الحب؟
قد يعبّرون عن الحب بأفعال خفية وبنهج حذر بدلاً من إظهار المودة بشكل علني، أو بلفتات رومانسية مبالَغ فيها، وقد يعانون من ضعف الالتزام والانسحاب أحياناً بعد فترات من التقارب، وعدم تذكر تفاصيل صغيرة عن شريكهم، والاعتماد على الذات عندما يتعلق الأمر بالدعم العاطفي وعدم الارتياح في العلاقة العاطفية وعدم التعبير عن احتياجاتهم.
كيف أتعامل مع الشخصية التجنبية؟
يتطلب التعامل مع الشخصية التجنبية صبراً وتفهماً واستعداداً لتكييف أسلوب التواصل، وكذلك محاولة دمجهم في علاقات اجتماعية صحية، وتعزيز مهارات التواصل لديهم وتقوية ثقتهم بأنفسهم، ومن الضروري أن تتذكر أن سلوك المصاب نابع من خوفه العميق من الرفض والاستنكار الاجتماعي وليس رغبة في إيذائك أو عزلك.
ما مقياس شدة اضطراب الشخصية التجنبية؟
يمكن تقييم شدة اضطراب الشخصية التجنبية (AVPD) باستخدام مؤشّر شدة اضطراب الشخصية التجنبية (AVPDSI) الذي يقيس شدة وتغيرات مظاهره. يركّز مؤشّر شدة اضطراب الشخصية التجنبية على الجوانب السلوكية والقلق المرتبط به، ولا يوجد مقياس شدة واحد بمستويات ثابتة مثل: "خفيف" أو "متوسط" أو "شديد"، بل هو مقياس مستمر لدرجة إظهار الأفراد لسلوكيات التجنب والقلق المرتبط بالمواقف الاجتماعية.
نصيحة من موقع صحتك
من المهم أن تتذكر أن اضطراب الشخصية التجنبية (AVPD) هو حالة نفسية، وكما هو الحال مع جميع حالات الصحة النفسية فإن طلب المساعدة فور ظهور الأعراض قد يساعد في تقليل الاضطرابات في حياتك، ويمكن لأخصائيي الصحة النفسية تقديم خطط علاجية تساعدك في السيطرة على أفكارك وسلوكياتك، وغالباً ما يعاني أحباء الأشخاص المصابين باضطراب الشخصية التجنبية من التوتر والاكتئاب والعزلة أيضاً، ومن المهم الاهتمام بصحتك النفسية وطلب المساعدة إذا كنت تعاني من هذه الأعراض.



