من أبسط حقوق الإنسان أن يعيش حياته بحرية وكرامة دون مضايقات أو انتهاكات، ومع ذلك نجد أن هذه البديهيات تُخترق يوميًا، خاصة حين نتحدث عن التحرش الجنسي بالنساء. فوفقًا لتقارير الأمم المتحدة، فإن واحدة من كل ثلاث نساء في العالم قد تعرضت للتحرش الجسدي أو اللفظي مرة واحدة على الأقل في حياتها. وتتشابه الأرقام في الوطن العربي، إذ تشير الإحصاءات إلى أن 37% من النساء تعرضنَ للتحرش ولو لمرة واحدة.
ورغم خطورة الأمر، فإن الأكثر صدمة أن بين كل عشر نساء تعرضنَ للتحرش لا تتحدث سوى أربع منهنّ، بينما تختار البقية الصمت، مما يعني أن الأعداد الحقيقية قد تكون أعلى بكثير. هنا يطرح السؤال نفسه: ما هو التحرش الجنسي بالنساء وما أنواعه، وكيف يمكن الوقاية منه أو التعافي من آثاره؟
ما التحرش الجنسي بالنساء؟
التحرش الجنسي بالنساء هو كل سلوك يوحي أو يتضمن إيحاءات أو أفعال ذات طبيعة جنسية غير مرغوبة، وقد يأخذ أشكالًا عديدة مثل الكلمات الجارحة، واللمس غير المرغوب فيه، أو المكالمات ذات الطابع الجنسي، أو الضغط للحصول على خدمات جنسية. ولا يقتصر الأمر على التلميحات المباشرة، بل قد يمتد ليشمل التعليقات السلبية على النساء كمجموعة، وهو أيضًا صورة من صور التحرش.
صور التحرش الجنسي بالنساء
تتعدد أشكال التحرش، وبعضها قد لا يُدركه البعض على أنه تحرش، مثل:
-
الاغتصاب أو محاولة الاغتصاب والاعتداء الجنسي.
-
الضغوط من أجل خدمات جنسية غير مرغوب فيها.
-
اللمس المتعمد للجسد أو الملابس أو الشعر.
-
الرسائل أو الإيماءات الجنسية غير المرغوبة.
-
التحديق المزعج أو تعابير الوجه ذات الإيحاءات الجنسية.
-
التلميحات أو الأسئلة عن الحياة أو الخيالات الجنسية.
لماذا يَحدث التحرش الجنسي بالنساء؟
يحاول علم النفس والاجتماع تفسير دوافع التحرش، ومن أبرزها:
-
التنشئة الاجتماعية التي تعزز فكرة هيمنة الرجل على المرأة.
-
ثقافة تبرير العنف ضد النساء وقبول السلوكيات المسيئة.
-
اعتقاد بعض المتحرشين أن الطرف الأضعف سيتسامح أو لن يقدر على المواجهة.
-
استغلال النفوذ والسلطة لابتزاز النساء وإجبارهن على الخضوع.
التحرش الجنسي بالنساء في أماكن العمل
أظهَرت دراسة استقصائية لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC) أن أكثر من نصف النساء البريطانيات تعرضنَ للتحرش الجنسي في العمل، وكذلك واحد من كل خمسة رجال. وتشير الأبحاث إلى أن بيئة العمل المتساهلة مع هذه الممارسات تُعد العامل الأقوى في انتشار التحرش، إذ تحدد مدى جدية التعامل مع الشكاوى واحتمالية معاقبة المتحرش. يمكن تجنب التحرش الجنسي بالنساء عن طريق الآتي:
-
نشر الوعي حول معنى التحرش وصوره.
-
وضع قوانين ولوائح واضحة تجرم التحرش وتعاقب مرتكبيه.
-
التعامل مع البلاغات بجدية وسرعة.
-
تعيين مسؤول مختص بالتحقيق في قضايا التحرش داخل المؤسسات.
-
عدم التساهل مع من يثبت تورطهم في هذه الجرائم.
تأثير التحرش الجنسي بالنساء على الصحة النفسية
التحرش لا يترك أثرًا جسديًا فقط، بل يمتد إلى أضرار نفسية عميقة، منها:
- الاكتئاب والتوتر والقلق، كلما زاد عدد مرات التعرض للتحرش وقوته، كانت تلك الأعراض أشد قوة على الضحية.
- الشعور بالضعف وعدم القدرة على التأثير وقلة الحيلة.
- عدم الشعور بالأمان المجتمعي والإحساس بالحرج والخيانة.
- فقدان الثقة بالنفس والرغبة في الانعزال عن المجتمع.
- فقدان القدرة على التركيز في الحياة والعمل والاضطراب.
- اضطراب ما بعد الصدمة، وهي متلازمة طبية تحدث بعد التعرض لحوادث كبيرة وتتعدد أعراض متلازمة ما بعد الصدمة طبقاً للسبب والماهية.
كيف يمكن للمرأة حماية نفسها من التحرش؟
رغم أن المسؤولية الأولى تقع على المجتمع في حماية النساء، فهناك بعض الخطوات الفردية التي قد تساعد في المواقف اليومية:
- خلق حالة من إلهاء المتحرش ومقاطعته بحيث من الممكن قطع حديثه.
- سؤال الشخص المتحرش بشكل مباشر في حالة عدم نجاح فكرة الإلهاء، هل تعي ما تفعله؟ هل تعلم أن ذلك تحرش؟ ذلك قد يردعه ويرده عن فعله.
- تحدثي بشكل مباشر مع بيده الأمر إن كان في بيئة العمل أو كان الأمر عامًّا فيتم إبلاغ المسؤولين.
كيف يمكن التعافي بعد التعرض للتحرش؟
يمكن البدء بالتعافي بعد التعرض للتحرش عن طريق الآتي:
- اكتبي قصتك وما حدث لك بشكل واضح ومفصل، فالتعبير بالكتابة عمّا شعرنا به وما مررنا به من أزمات نفسية وصدمات يجعلنا قادرين على التخلص من الحزن والألم والمرور من اضطرابات ما بعد الصدمة.
- تعرّفي على ما حدث لك وما هو تأثيره، ذلك سوف يضعك أمام الصورة كاملة ومن خلالها يمكن فهم ما حدث والتعامل معه بشكل حكيم.
- شاركي قصتك مع من يمكن أن تثقي فيه من التعامل الحكيم والجاد مع ما مررتِ به، وأن تكوني على ثقة أنه سوف يساعدك في تخطي تلك المشكلة.
- حاولي أن تهتمي بنفسك، وهذا لا يعني الرضا بما حدث، لكن يعني المضي قدماً، ومحاولة إيجاد طرق جيدة يمكن من خلالها العيش في الحياة بشكل يجنبك توابع ما حدث.
- حاولي أن تكوني متواجدة وسط مجموعة تعرضت لنفس التجربة وتحاول أن تخرج منها من أجل التخلص من توابع التحرش.
- حاولي أن تجدي نشاطا رياضيا، وتذكري أن رياضة التأمل تقلل الضغوطات التي تتعرضين لها.
- التوجه إلى معالِج نفسي أو طبيب نفسي حل أمثل في حالة عدم قدرتك على التعامل مع الضغوط وعدم التحسن باستخدام مختلف الطرق.
مواجهة التحرش الجنسي بالنساء
انتشرت حملات عالمية مثل #أنا أيضًا (#MeToo) التي كشفت حجم الظاهرة عالميًا، وأظهَرت قصصًا لم تكن تُحكى من قبل. إن مواجهة التحرش الجنسي بالنساء تحتاج إلى تشريعات قوية، وثقافة ووعي مجتمعي، وشجاعة من الضحايا للإفصاح، حتى يمكن وضع حد لهذه الممارسات التي تتعارض مع القيم الإنسانية والأخلاقية.
نهايةً، إن التحرش الجنسي بالنساء ليس مجرد فعل عابر أو سلوك فردي خاطئ، بل هو مشكلة مجتمعية عميقة الجذور تحتاج إلى مواجهة شاملة على المستويات كافة: القانونية، والتربوية، والثقافية والنفسية. فالتغاضي عنه يساهم في ترسيخه، بينما مواجهته تفتح الباب لمجتمع أكثر عدلًا وأمانًا. ولأن آثاره لا تتوقف عند لحظة وقوعه، بل تمتد لتؤثر على الصحة النفسية والاجتماعية للضحايا، فإن التصدي له والحديث عنه بجرأة هو السبيل الأول لكسر دائرة الصمت. وعليه، تبقى حماية المرأة وصون كرامتها مسؤولية جماعية، تبدأ بالتوعية وتنتهي بتطبيق القوانين الحازمة، حتى نصل إلى بيئة خالية من التحرش الجنسي بالنساء تحفظ لكل إنسان حقه في العيش بسلام وكرامة.