قصص مصورة

تعرف على تأثر الوعي الجمعي بالإنترنت

منذ بداية الحياة ونحن نسعى بشتى الطرق لتوسيع مداركنا، وزيادة سعة عقولنا، ونشر أفكارنا بين المجتمعات التي نستطيع أن نتواصل معها، سواء كان عن طريق الكلام المقروء، أو المسموع، أو المكتوب، أو عن طريق الأدب، أو الخطب، أو الشعر، أو الكلام المرسل المنمق؛ لإيصال أفكارنا للآخرين، وزيادة رقعة امتدادنا، وامتداد أفكارنا. سآخذك معي لمشهد بسيط قد يضعنا أمام تفصيلة بسيطة عن كيفية اختلاف المجتمعات التي قد تشترك في لغة واحدة، وعرق متداخل، وثقافة متقاربة‫.

تسكن في منطقة في أقصى صعيد مصر في نهاية القرن الماضي، هاتف منزلك يعلو صوته باتصال لدعوة من زائر قديم يدعوك لحفل عرس في الأردن‫، دفعك الفضول ورغبة تغيير المزاج في حضور العرس‫. حططت رحالك في عمان يوم العرس، تجهزت وتوجهت نحو المكان المحدد، وإذ بك تشاهد عرسًا مختلفًا تمامًا عما عهدته في بلدك‫. مراسم الفرح، الملابس التي يرتديها الناس في الطرقات، وملابس العروسين، وملابس المدعوين، الغناء، وكيفيته، وطريقة الاحتفال بالعروسين، حتى التفاصيل التي تحيط بالزواج نفسِه، عندما أردت معرفة التفاصيل الأكثر دقة من ناحية تشارك العروسين في التجهيز للعرس والمهر وغير ذلك من الأمور التي يكتمل بها الزواج؛ هل سألت نفسك لماذا هذا الفوارق الكبيرة بين المجتمع الذي تعيش فيه وبين مجتمع آخر؟ لماذا كل هذا التباين الذي قد يصل أن يصف البعض بعض الأفعال التي يفعلها الآخرون بصورة طبيعية؛ بأنها أفعال مشينة، بل يصل الأمر إلى القوانين التي تضعها كل بلد، والتي قد تستغرب اختلافها من بلد لآخر‫.

الحقيقة أن هذا ما يسمى بالوعي الجمعي، وهو بشكل بسيط عبارة عن مجموعة الأفكار والمعتقدات والقيم التي يشترك فيها عدد كبير من الأفراد في مجتمع معين‫. يتم تشكيل عقولنا من خلال البيئة التي نعيش فيها، حتى نتمكن من العيش والازدهار ككائنات اجتماعية، ومن خلال هذه السلوكيات والتشكيل تم تسمية تلك العملية كما قال كارل يونغ -مؤسس علم النفس التحليلي- بأنها "أنماط الغرائز"..

في واقع الأمر فإن أول من قال بفكرة الوعي الجمعي هو العالم الفرنسي دورك هيم، في كتابه تقسيم العمل في المجتمع، في عام ١٨٩٣م. تلك العادات والتقاليد والأعراف التي تسير عليها المجتمعات تتفاوت بشكل كبير، بل وصارخ في العديد من المجتمعات، وقد يكون سبب تلك التنوعات عوامل عدة؛ مثل: الطقس، والبيئة، والتضاريس، والأديان، والزراعة، والصناعة، والتعليم، والحالة الاقتصادية، وغيرها من العوامل التي يتشارك فيها أغلب المجتمع، أو من يتحكم فيه، أو من يتحكم في الآلة الإعلامية التي توجه نداءات دائمة متكررة، تغرس في النفوس أن تلك العادات من قيم المجتمع‫.

وهناك فرق بين الوعي الجمعي وبين الوعي اللاجمعي -الذي عرّفه عالم الطب النفسي كارل يونج أنه: عبارة عن مجموعة من الذكريات تتوارث داخل عقولنا من أسلافنا، والتي من خلالها يمكن النظر إلى العالم واكتشاف ما فيه‫.

هل لاحظت في هذا العام الاحتفالات التي جابت عددًا من البلدان العربية بمناسبة عيد الهلاوين! ‫حيث كان من المعتقد حين تم الاحتفال به أول مرة أن أرواح الموتى ترجع إلى الحياة، وما شاب تلك الاحتفالات من انتقادات عديدة، وترحيب من البعض‫. عيد الهلاوين هو عيد ذو طابع غربي، ولكن ما الذي دعا عددا من المجتمعات العربية للاحتفال به؟ هذا بشكل واضح هو شكل من أشكال الوعي الجمعي الذي تم التأثر به عن طريق الإنترنت.

كيف يؤثر الإنترنت على الوعي الجمعي البشري؟

في عام 2021١ قُدّر أن أكثر من نصف سكان الكرة الأرضية يملكون حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، وهو بالطبع له تأثير واضح على حياتنا وسلوكياتنا‫. وعندما نتحدث عن الوعي الجمعي الذي يطال المجتمعات بأكملها؛ فمن المؤكد أننا سوف نتحدث عن الوعي الفردي لكل شخص، وكيف يمكن لاختلاف الأشخاص وتأثرهم بالأمور المحيطة -سواء المحسوسة أو الملموسة أو الإلكترونية-‫ أن يؤثر في هذا الوعي؟ هل نفكر بشكل حر؟ هل نتخذ قرارتنا بمطلق معرفتنا وحريتنا وإرادتنا دون تداخل من عوامل خارجية؟

هنا يجدر الإشارة إلى قول عالم الطب النفسي كارل يانج: ‫“حتى تحول اللاوعي إلى وعي، سوف تدعي أن ما تعيشه هو محض قدر‫“. تواجدنا في محيط من العائلة والأصدقاء وزملاء العمل قد يجعل قرارتنا التي نتخذها هي محض شك أنها قرارتنا الشخصية، تخيل أنك تعيش وسط عالَم من الممكن أن تطلع فيه على نصف آراء سكان الكوكب بمجرد بحثك على مواقع التواصل، كيف يمكن لشيء مثل هذا أن يؤثر في قرارتك التي تتخذها؟ مما لا شك فيه أن شيئًا ما سوف يكون مختلفاً‫.

كثرة التعرض

ذات مرة وأنت تتصفح منصة الفايس بوك؛ وإذ بنفس الإعلان الذي تراه للمرة العاشرة أو أكثر تتوقف عنده، تقوم بفتح نافذة إنترنت جديدة، وشراء هذا المنتج، هذا ما يتم تعريفه في علم النفس بنظرية تأثير التعرض ‫mere exposure effect.

وهذا ما يتم التعامل معه في الأفكار، فعلى سبيل المثال: كثرة تعرضنا لبعض الأفكار الغربية (والتي ليس شرطا أن تكون سيئة لكنها ليست بنت بيئتنا) يجعلنا مع الوقت أكثر تقبل لها، بل ومن الممكن أن نحتضنها، ونتبناها، وندافع عنها. على الرغم ما في ذلك من احتمالية انفتاح العالم جميعه على بعضه، إلا أنها في بعض الأحيان قد لا تكون ملائمة، أو قد تكون في بعض الأحيان مدخلًا لتقدم وازدهار.

أقوال المتخصصين! أم من لديهم متابعون أكثر على الإنترنت؟

تستقر في بعض الأحيان بعض الآراء التي لا نعرف مصدرها، ولا من أين أتت، وهو ما يسمى: تأثير دنينج كريجر، مثل بعض الآراء التي تخص بعض الوصفات الطبية؛ التي يتبناها بعض مشاهير الإنترنت والسوشيال ميديا، وما حدث في مصر في منتج الكوركومين، والذي ادّعى بعض المشاهير أنه يعالج كل الأمراض، حتى لجأ بعض مصابي السكر للتخلي عن أدويتهم، وتعاطي جرعات الأنسولين، مما أدى لحدوث مئات من حالات تفاقم المرض والمرضى.

كذلك تجدر الإشارة إلى ذكر بعض الآراء في الشؤون العامة، مثل: تبني بعض المجتمعات للآراء التي تدعي أن الأرض مسطحة، وخلاف ذلك من الآراء المصاحبة لتك الفكرة، مما ولد بعض المجتمعات غير القادرة على تخيل الحقائق، والدوران في فلك نظريات المؤامرة التي تجعل عقولنا دائماً متأهبة لتفسير بعض الأمور المنطقية بشكل أكثر ضيقًا.

مجتمعات ذات آراء موحدة

الإنسان بطبعه كائن اجتماعي يفر من العزلة، ويميل للتواصل مع الآخرين، والانخراط معهم، والمعتاد على مدار التاريخ البشري أن تقوم مجموعات ذات مرجعية واحدة في مكان محدد من التوافق على نفس الفكرة، والخروج من أجل الدفاع عنها في إطار جغرافي واحد، لكن ما يفعله الإنترنت في هذه الآونة؛ هو وجود مجموعات بالملايين ذات أفكار واحدة من شتى بقاع العالم، ويتم السعي الحثيث من الجميع من أجل إثبات تلك الأفكار وتثبيتها.

قد يكون لهذا الأثر جانب مظلم وجانب مشرق، فقد يجتمع الملايين مع بعض الأفكار السامة أو الأفكار الحسنة، والمشكلة في كلتا الحالتين أن الفرد قد يشعر بكثير من الولاء الذي قد يتجاوز الحد؛ لأن الإنسان يريد أن يشترك مع الآخرين ويريد أن ينتمي.

مثلًا المجموعات التي تدعو للتحرر الجنسي والحرية الكاملة؛ والتي -بكل تأكيد- تؤثر على المتبني لتلك الأفكار، وتجذِّر تلك الأفكار داخله، وانتقالها إلى المجتمعات، فكم من أفكار سواء كانت حسنة أو سيئة تم انتقالها من المجتمعات الغربية إلى المجتمعات الشرقية نتيجة توغل الإنترنت في حياتنا. من أهم تلك الأفكار التي تم انتقالها إلى المجتمعات العربية؛ هي الأفكار الخاصة بالزواج وطرقه، فالفرق واضح جداً بين ما اعتادته المجتمعات العربية قبل تواجد الانترنت وبعده.

الانتقال من الذاكرة النظامية إلى الحلول السريعة

عندما يحتاج أحدنا إلى حل مشكلة ما نلجأ إلى التفاصيل، وقراءة الكثير، من أجل الحصول على فهم كافٍ وواعٍ للفكرة، لكن في حال توفر هذا الكم من المعلومات التي يمكننا الانتقاء منها ما شئنا بكل سهولة ويسر؛ يدفع الكثير منا إلى اقتطاف ما نريد دون النظر إلى التفاصيل، وكيف تم الوصول إلى تلك النتائج، مما قد يجعل الكثير منا على علم بظواهر الأمور، لكن دون معرفة حقيقية. هذه الحالة قد تخلق أجيالًا من ذوي المعرفة غير الحقيقية السطحية، التي قد لا تساعد في خلق أفراد مُجْتَمعيّين أكثر وعياً ومعرفةً.

السلطة صاحبة الصوت الأعلى والأثر الأكبر

لا نقصد بالسلطة هنا التي تتولى المناصب القيادية والأمور السياسية، لكن نقصد كل من له قوة على الإنترنت، فيصبح الكثير من مروجي السلع ومن يدعون بـ “الانفلونسرز” قادرين على عرض سلع للناس وبيعها، وتصدير الكثير من الأفكار التي قد تكون غير حقيقية وغير نافعة للمجتمعات. هذا بالطبع ليس كل ما يقدمه الانفلونسرز وأصحاب السلطة، لكن القدرة على السيطرة على مواقع التواصل والتواجد والترويج للأفكار والسلع أياً كان شكلها؛ هي التي تسهل انتشار الأفكار وقدرتها على التغول في المجتمعات.

الوعي الجمعي ومنصات التواصل الاجتماعي

يعتقد علماء الاجتماع أن سهولة الوصول إلى وسائل التواصل الاجتماعي (هاتفك في جيبك في جميع الأوقات) تخلق منافسة مستمرة لجذب انتباهك، فتنتقل بين منصات التواصل الاجتماعي المختلفة، وهو ما يخلق حالة من التنافسية داخل عقولنا قد لا نشعر بها، لكنها واقع يحياه أغلبنا. في دراسة تمت في جامعة مانشيستر على مدى تأثير الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي على عقولنا، كان من أهم نتائجها:

  1. أصبح الإنترنت من أهم الأمور التي تستحوذ على اهتمامنا وتنافسنا بشكل يومي.
  2. منصات التواصل الاجتماعي هي وسيلة تراكمية، سوف تؤدي بشكل كبير إلى تغيرات جذرية في الأفكار، والمعرفة، وسبلها، وتواصل الأفراد مع بعضهم.
  3. الإنترنت يزيد من رغباتنا في ممارسة أنشطة متعددة، بدلاً من التركيز في جانب واحد (قد يكون لهذا مميزات، وقد يكون له عيوب).
  4. منصات التواصل الاجتماعي تؤثر بشكل مباشر على حياتنا الحقيقية بشكل غير ملحوظ وغير مرئي، لكنه تأثير جذري.
  5. الإنترنت يؤثر بشكل حاسم على درجة التركيز على المراهقين وصغار السن.
  6. الإنترنت قد يساعد كبار السن على تحسين بعض الوظائف المعرفية.

معطيات جديدة عن السعادة

من أهم الأمور التي تساعد الفرد على قضاء يومه بشكل جيد هي السعادة؛ التي نشعرها عند فعل أمور مختلفة، مثل: الأكل، والشرب، وممارسة الحب، وغير ذلك من الأمور التي تزيد من إفراز الدوبامين في الجسم، مما يشعرنا بالسعادة ولو بشكل مؤقت. عندما نقوم بوضع منشور على الفايس بوك مثلاً؛ فإن كل مرة يقوم شخص بالإعجاب بالمنشور أو الصورة التي نضعها، يتم إفراز القليل من الدوبامين، مما يزيد من رغبتنا في الحصول على المزيد من الإعجابات، وخلق بعض الأمور التي قد تكون غير حقيقية، أو اختلاقها من أجل سعادة مؤقتة.

إذا كان الوعي الجمعي هو عبارة عن شكل المجتمعات وسلوكياتها وعاداتها وتقاليدها، فما الذي يفعله سهولة انتشار معلومات في ثوان معدودة عن طريق منصات التواصل الاجتماعي؟ من الممكن أن يتم التلاعب بمشاعر الملايين وآرائهم حول أمر ما بصورة غير حقيقية، عن طريق عمل فيديوهات وصور غير حقيقية، مما يمثل في كثير من الأحيان تحولات في انحيازات المجتمعات، وأفكارهم، وتوجهاتهم السلوكية والمعرفية والسياسية، التي تؤدي بشكل مباشر إلى خلق مجتمعات ذات صفات معينة نتيجة لتلك الأنشطة.

ليس الأمر كله سوءًا بالطبع، فمثل الإنترنت مثل كل شيء يحمل جوانب مظلمة ومضيئة، فمن الممكن للأفكار الجيدة أن تنتشر، وتتثبت، وتصنع السلوكيات المجتمعية التي تساعد على النهوض والتقدم. وبطريقة أو بأخرى يؤثر الإنترنت والإعلام على عقولنا، وقرارتنا، وانحيازاتنا، ومجتمعاتنا، قد تكون التغييرات للأفضل أو للأسوأ، لكن المؤكد أن التغيير حدث ويحدث، وسوف يحدث بمدى اتساع استخدامنا للإنترنت. 

 

* المصادر:

  • https://theconsciousvibe.com/how-does-social-media-affect-our-consciousness/
  • https://finnjanson.medium.com/the-internet-and-our-collective-consciousness-8ed7c7abdf1b
  • https://www.sciencedirect.com/topics/computer-science/collective-consciousness
  • https://study.com/academy/lesson/collective-consciousness-definition-theory-examples.html
  • https://helpfulprofessor.com/collective-consciousness-examples/
  • https://theconsciousvibe.com/this-is-why-the-internet-is-the-collective-consciousness-of-the-world/
  • https://www.wondriumdaily.com/carl-jung-and-the-concept-of-collective-consciousness/
  • https://www.history.com/topics/halloween/history-of-halloween
آخر تعديل بتاريخ
16 ديسمبر 2022

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك الآن

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث على موقعنا عن إجابة لسؤالك، منعا للتكرار.
  • اكتب بريدك الإلكتروني الصحيح (الإجابة ستصلك عليه).
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.

*لن يتم إظهار اسمك عند نشر السؤال.

Age gender wrapper
Age Wrapper
Country Wrapper

هذا الموقع محمي بواسطة reCaptcha وتنطبق عليه سياسة غوغل في الخصوصية و شروط الخدمة

This site is protected by reCAPTCHA and the GooglePrivacy Policy and Terms of Service apply.