يشير الكلام السلبي مع الذات إلى صوتك الداخلي الذي يُصدر تعليقات انتقادية أو سلبية أو عقابية، مثل الأفكار المتشائمة أو الانتقادية غير العادلة التي تخطر ببالك عند إصدار أحكام على نفسك. جميعنا لدينا ناقد داخلي، وفي بعض الأحيان قد يكون هذا الصوت الخافت مفيداً ويحفزنا على تحقيق أهدافنا، كما هو الحال عندما يُذكرنا بأن ما سنأكله ليس صحيًا، أو أن ما سنفعله قد لا يكون حكيمًا. ومع ذلك، قد يكون هذا الصوت في كثير من الأحيان أكثر ضرراً من نفعه، خاصة عندما يبالغ في السلبية، وهذا الحديث السلبي مع النفس قد يوصلنا إلى مرحلة الإحباط.
الكلام السلبي مع الذات.. ما هو؟
للحديث السلبي مع النفس أشكال متعددة، فقد يبدو:
- متزناً، مثلا "لست بارعاً في هذا، لذا علي تجنبه حفاظاً على سلامتي الشخصية".
- لئيماً، مثلاً "لن أستطيع فعل أي شيء على ما يرام".
- يائساً، مثلاً "لا أستحق السعادة".
- لا مبالياً، مثلاً "سأفشل على أي حال فما جدوى المحاولة؟".
- محبِطاً، مثلاً "يبدو الأمر صعباً للغاية حتى لو حاولت لن أتمكن أبداً من القيام به".
وقد يبدو تقييماً واقعياً للموقف، مثل: "حصلت على درجة مقبول في هذا الاختبار، أعتقد أنني لست بارعاً في الرياضيات"، ثم يتحول إلى خيال مبني على الخوف "لن أتمكن أبداً من الالتحاق بجامعة جيدة". لذا باختصار؛ فإن الكلام السلبي مع الذات هو أي حوار داخلي تجريه مع نفسك ويحد من قدرتك على الإيمان بنفسك وقدراتك ومن تحقيق إمكاناتك، وهو أي فكرة تضعِف قدرتك على القيام بتغييرات إيجابية في حياتك أو ثقتك بنفسك للقيام بذلك.
عواقب الحديث السلبي مع النفس
قد يؤثر الكلام السلبي مع الذات علينا بطرق ضارة للغاية، ومن هذه الأضرار والآثار الجانبية المحتملة ما يلي:
-
خطر الإصابة بمشاكل الصحة النفسية
أظهرت الأبحاث أن الإفراط في التفكير، خاصة بالأمور السلبية، يرتبط بخطر الإصابة بمشاكل الصحة النفسية بما في ذلك:
- الاكتئاب.
- اضطراب القلق العام.
- اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD).
- الذهان.
- اضطراب الوسواس القهري (OCD).
- اضطراب القلق الاجتماعي.
-
زيادة التوتر
يميل الأشخاص الذين يُكثرون من الحديث السلبي مع أنفسهم إلى الشعور بتوتر أكبر، ويعود ذلك في جزء كبير منه إلى تغيير واقعهم لخلق تجربة لا يستطيعون فيها تحقيق الأهداف التي وضعوها لأنفسهم، وقد يؤدي الكلام السلبي مع الذات إلى ضعف القدرة على رؤية الفرص وتراجع الرغبة في استغلالها، وهذا يعني أن الشعور المتزايد بالتوتر ينبع من الإدراك والتغيرات السلوكية الناتجة عنه.
-
انخفاض القدرة على النجاح
أظهرت الأبحاث أن الحديث الإيجابي مع النفس مؤشر قوي على النجاح، إذ لم يكن الأشخاص بحاجة إلى تذكير أنفسهم بكيفية القيام بشيء ما بقدر ما كانوا بحاجة إلى إخبار أنفسهم بأنهم يفعلون شيئاً عظيماً، وأن الآخرين يلاحظون ذلك أيضاً، مما يساعدهم على تحقيق النجاح الذي يسعون إليه.
-
العواقب الأخرى
من العواقب الأخرى للحديث السلبي مع النفس ما يلي:
- التفكير المحدود: كلما قلت لنفسك أنك لا تستطيع فعل شيء ما، زاد إيمانك بذلك.
- الكمالية: تبدأ بالاعتقاد أن العمل العظيم لا يصل إلى جودة الكمال، وأن الكمال ممكن، وفي المقابل يميل أصحاب الإنجازات العالية إلى التفوق على نظرائهم الذين يسعون للكمال لأنهم أقل توتراً ويسعدون بالعمل الجيد فهم لا يحللون الأمور ويركّزون على ما كان يمكن أن يكون أفضل.
- مشاعر الاكتئاب: أظهرت بعض الأبحاث أن الحديث السلبي مع النفس قد يؤدي إلى تفاقم مشاعر الاكتئاب، وإذا ترك دون علاج فقد يكون هذا مدمراً للغاية.
- تحديات العلاقات: النقد الذاتي المستمر يجعلك تبدو محتاجاً ولا تشعر بالأمان، وقد يتحول الكلام السلبي مع الذات إلى عادات سلبية عامة تزعج الآخرين لأن قلة التواصل وحتى النقد المبالغ فيه يمكن أن يسبب ضرراً بالغاً.
كيفية الحد من الكلام السلبي مع الذات
هناك طرق عديدة للحد من الحديث السلبي مع الذات في حياتك اليومية، وتختلف الاستراتيجيات، ولكل منها فعالية تناسب مختلف الأشخاص، لذا جرّب بعضها وحدّد أيها الأنسب لك.
-
اكتشف الناقد بداخلك
تعلّم أن تلاحِظ متى تنتقد نفسك حتى تحثّ نفسك على التوقف عن هذا التصرف السلبي، ولكيلا يتطور ليصبح عادة. على سبيل المثال؛ انتبه عندما تقول لنفسك أشياء لا تستطيع قولها لصديق جيد أو لطفل صغير، واتخذ من ذلك مقياساً.
-
تذكّر أن الأفكار ليست حقائق
قد يبدو التفكير السلبي عن نفسك مجرد ملاحظات ذكية، لكن الحقيقة أن أفكارك ومشاعرك تجاه نفسك لا يمكن اعتبارها حقائق أو معلومات دقيقة، فقد تكون أفكارك منحرفة عن الحقيقة وعرضة للتحيزات وتأثيراتك المزاجية.
-
أطلِق على ناقدك الداخلي لقباً
عندما تفكر في ناقدك الداخلي على أنه قوة خارجية؛ بل وتطلق عليه لقباً سخيفاً، يسهل عليك إدراك أنك لست مضطراً إلى الموافقة أو لتصديق كل الانتقادات التي توجهها هذه القوة الخارجية لك، ويصبح الأمر أقل تهديداً، ويسهل عليك كذلك رؤية مدى سخافة بعض أفكارك الانتقادية.
-
احتواء سلبيتك
إذا وجَدتَ نفسكَ منخرطاً في الكلام السلبي مع الذات فمن الجيد احتواء الضرر الذي قد يسببه صوتك الداخلي الانتقادي من خلال السماح له بانتقاد أشياء معينة في حياتك فقط، أو أن يكون سلبياً لساعة واحدة فقط من يومك، وهذا يضع حداً لكمية السلبية التي قد تنتج عن الموقف.
-
غيّر السلبية إلى الحياد
قد تتمكن من ضبط نفسك عند الانخراط في حديث سلبي مع نفسك، ومع ذلك قد يكون من الصعب أحياناً إجبار نفسك على إيقاف سلسلة الأفكار السلبية، غالباً ما يكون تغيير حدة لغتك أسهل بكثير، مثلاً "لا أطيق هذا" يصبح "هذا صعب"، وكلمة "أكره...." تصبح "لا أحب أو لا أفضل".
-
استجوِب ناقدك الداخلي
من الجوانب الضارة للحديث السلبي مع النفس أنه يمر غالباً دون أي نقاش، فالحديث دائماً يدور داخل رأسك وقد لا يدرك الآخرون ما تقوله لنفسك، ولا يستطيعون إدراك مدى خطئك، لذا من الأفضل بكثير أن ترصد حديثك السلبي مع النفس وتسأل نفسك عن مدى صحته، فالغالبية العظمى من الحديث السلبي مع النفس مبالَغ فيها، ومحاسبة نفسك على هذا الحديث قد تساعد في إزالة تأثيره السلبي.
-
فكّر كصديق
عندما يكون ناقدك الداخلي في أسوأ حالاته قد يبدو وكأنه أسوأ الأعداء، وغالباً ما نقول لأنفسنا أشياء في رؤوسنا لن نقولها أبداً لصديق. لِم لا نعكس هذا، فعندما تجد نفسك تتحدث بسلبية في رأسك؛ تخيّل نفسك تقول هذا لصديق عزيز.
-
غيّر منظورك
أحياناً قد يساعدك النظر إلى الأمور على المدى البعيد على إدراك أنك قد تبالغ في التركيز على أمر ما. على سبيل المثال؛ قد تسأل نفسك هل سيَحدث أمرٌ يزعجك ويُحدِث فرقاً حقيقياً بعد خمس سنوات، أو حتى بعد سنة واحدة؟ إن مجرد التفكير في العالم ككرة أرضية، وفي نفسك كشخص صغير جدًا على هذه الكرة الأرضية، قد يُذكرك بأن معظم همومك ليست كبيرة كما تبدو. غالبًا ما يُخفف هذا من السلبية والخوف ومن الاستمرار والإلحاح في الحديث السلبي مع الذات.
-
تكلَّم عن أفكارك بصوت مرتفع
أحياناً عندما تجد نفسك تفكر بأفكار سلبية فإن مجرد قولها بصوت عالٍ قد يساعدك، كما أن إخبار صديق موثوق بما تفكر فيه غالباً ما يضحكك ويسلط الضوء على مدى سخافة بعض حديثنا السلبي عن النفس، وفي أحيان أخرى قد يقدّم لك الدعم على الأقوال، كما أن تصنيف مشاعرك وتسميتها قد يساعد أيضاً في تخفيف حدتها، حتى قول بعض عبارات الحديث السلبي عن النفس بصوتٍ منخفض قد يُذكّرك بمدى عدم منطقيتها وعدم واقعيتها، هذا سيُذكّرك بأخذ قسط من الراحة.
-
أوقِف تلك الفكرة
يجد البعض أن إيقاف الأفكار السلبية قد يكون مفيداً، ويمكن أن يتحقق ذلك بربط شريط مطاطي على معصمك، أو تخيل إشارة وقوف، أو ببساطة الانتقال إلى فكرة أخرى عندما تخطر ببالك فكرة سلبية.
-
استبدال السيئ بالجيد
هذه إحدى أفضل الطرق لمكافحة الكلام السلبي مع النفس واستبداله بشيء أفضل. خذ فكرة سلبية وغيّرها إلى شيء مشجّع وصحيح، وكرر ذلك حتى تجد نفسك بحاجة إلى تكراره بشكل أقل فأقل، وهذا يجدي نفعًا مع معظم العادات السيئة. مثلاً استبدِل الطعام غير الصحي بطعام صحي، وهي طريقة رائعة لتطوير نظرة أكثر إيجابية لنفسك وللحياة.
نصيحة من موقع صحتك
قد يكون من الصعب إيقاف الحديث السلبي مع النفس، لكن أولى خطوات التعامل مع هذه الحالة هو تحديد الأفكار السلبية التي تتردد داخلنا، وبمجرد فهمك لتأثير الحديث السلبي مع النفس يمكنك محاربته بفعالية بأساليب فعالة، ويَكمن الأمر في أن تكون أكثر لطفاً مع نفسك، وأن تستبدل تلك الحوارات الداخلية القاسية بتأكيدات إيجابية، وتذكر أن الجميع يعاني من هذه الأمور، وأنك لست لوحدك في ذلك. بادر اليوم وطبّق بعض هذه النصائح التي تحدّثنا عنها، وانظر كيف يمكنك الاستفادة منها. جرّبها وابدأ بالتفكير الإيجابي بنفسك.



