في ظل حالة عدم اليقين الإقليمي المستمرة، لا تقتصر الضغوط التي تواجه الشركات في دولة الإمارات على الجوانب الاقتصادية والتشغيلية، بل يمكن أن تمتد أيضًا إلى الصحة النفسية لمديري الشركات، بما قد ينعكس على النوم والتركيز والقدرة على اتخاذ القرارات وإدارة فرق العمل.
ويرى خبراء في الصحة النفسية أن التعامل مع هذه التداعيات لا ينبغي أن يقتصر على المستوى الفردي، بل يمكن أن يصبح جزءًا من إدارة المخاطر المؤسسية واستمرارية الأعمال، خصوصًا بالنسبة إلى المؤسسين والرؤساء التنفيذيين وأعضاء مجالس الإدارة الذين يتحملون مسؤوليات كبيرة في أوقات الأزمات وعدم اليقين.
في هذا السياق، يدعو الدكتور جوزيف الخوري، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي والمدير الطبي لعيادة فالينز في دبي، مجالس الإدارات والمؤسسين والرؤساء التنفيذيين إلى التعامل مع الصحة النفسية للقيادات باعتبارها قضية تتعلق بالحوكمة واستمرارية الأعمال، وليس مجرد شأن خاص تتم إدارته خلف الأبواب المغلقة.
الصحة النفسية للقيادات تحت ضغط عدم اليقين
يمثل عدم اليقين المستمر أحد العوامل التي يمكن أن تزيد الضغط النفسي، خصوصًا عندما يكون الفرد غير قادر على التنبؤ بما سيحدث أو التحكم في النتائج. وقد تظهر تداعيات الضغط المستمر في صورة اضطرابات في النوم، وصعوبة في التركيز، وشعور متزايد بالتوتر، فضلًا عن تأثير محتمل في الأداء والقدرة على التعامل مع القرارات المعقدة.
وبالنسبة إلى القيادات التنفيذية، قد تتزامن هذه الضغوط مع مسؤوليات إضافية تتعلق بالموظفين والمستثمرين والعملاء وأفراد الأسرة، ما يجعل الحصول على وقت كافٍ للتعافي أو طلب الدعم النفسي أكثر صعوبة. ولا تعني هذه التأثيرات أن كل شخص يعيش ظروفًا غير مستقرة سيصاب باضطراب نفسي، لكن استمرار الضغوط وغياب الدعم المناسب يمكن أن يزيد من مخاطر التأثير في الصحة النفسية والرفاه.
عدم اليقين الإقليمي يضغط على بيئة الأعمال
تأتي هذه الضغوط النفسية في وقت تواجه فيه اقتصادات المنطقة حالة من عدم اليقين المرتبط بالتطورات الجيوسياسية.
فبحسب تحديث الشرق الأوسط الاقتصادي للربع الثاني من عام 2026 الصادر عن معهد المحاسبين القانونيين في إنجلترا وويلز (ICAEW)، يتوقع المعهد انكماش الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة الشرق الأوسط بنسبة 4.1% خلال عام 2026، مقارنة بتوقع سابق لنمو يبلغ 3.6% قبل الحرب.
كما يتوقع التقرير انخفاض أعداد القادمين إلى دول مجلس التعاون الخليجي بنسبة 30% خلال العام، نتيجة ارتفاع حالة عدم اليقين الجيوسياسي وتأثيرها في الطلب على السفر وسلوك الحجز واختيار الوجهات. وفي المقابل، أشار التقرير إلى أن النشاط غير النفطي في الإمارات والسعودية يتجه نحو التعافي، رغم استمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي.
لكن قدرة المؤسسات على مواصلة العمل لا تلغي بالضرورة الضغوط النفسية التي قد يعيشها الأفراد المسؤولون عن إدارتها.
الصحة النفسية في العمل.. أرقام تستدعي الانتباه
لا تقتصر أهمية الصحة النفسية للقيادات على المستوى الفردي، إذ تشير الأدلة الدولية إلى وجود ارتباط وثيق بين الصحة النفسية وبيئة العمل والإنتاجية.
وتوضح منظمة الصحة العالمية أن الاكتئاب والقلق يسببان فقدان نحو 12 مليار يوم عمل سنويًا على مستوى العالم، بتكلفة تقدر بنحو تريليون دولار من الإنتاجية المفقودة كل عام. كما تشير المنظمة إلى أن نحو 15% من البالغين في سن العمل يعيشون مع اضطراب نفسي في أي مرحلة من حياتهم المهنية.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن عوامل مثل أعباء العمل المفرطة، وانعدام الأمان الوظيفي، وضعف التحكم في العمل، والتمييز وبيئات العمل السلبية يمكن أن تشكل مخاطر على الصحة النفسية.
وفي منطقة الخليج، أجرى معهد ماكينزي للصحة دراسة شملت أكثر من 4 آلاف موظف في السعودية والكويت والإمارات وقطر عام 2022؛ وأظهرت النتائج أن نحو ثلثي المشاركين أبلغوا عن أعراض تدل على ضعف الصحة النفسية والرفاه أو عن تشخيص سابق لحالة تتعلق بالصحة النفسية، في حين أبلغ واحد من كل ثلاثة عن أعراض الاحتراق الوظيفي.
ولا ينبغي تفسير هذه النتائج باعتبارها قياسًا مباشرًا للصحة النفسية لجميع العاملين في دول الخليج، إذ إنها تستند إلى عينة من المشاركين في الدراسة، لكن نتائجها تقدم مؤشرًا مهمًا على حجم القضية في بيئة العمل الإقليمية.
لماذا تتحمل القيادات عبئًا نفسيًا أكبر؟
قد يكون العبء أكثر وضوحًا في قمة الهرم الإداري، حيث يتحمل المؤسسون والرؤساء التنفيذيون مسؤولية اتخاذ قرارات استراتيجية في ظروف قد تكون غير واضحة. وفي الوقت نفسه، يُتوقع من القائد غالبًا أن يظهر الثبات والقدرة على التحكم في المواقف الصعبة، حتى عندما يواجه هو نفسه مستويات مرتفعة من الضغط.
وقد يؤدي هذا التصور إلى تأجيل طلب المساعدة أو التعامل مع المشكلات النفسية باعتبارها مسألة ينبغي إخفاؤها.
وقال الدكتور جوزيف الخوري، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي والمدير الطبي لعيادة فالينز في دبي: "يسود تفاؤل واسع بانقضاء هذه المرحلة بمجرد تحسن الوضع الاقتصادي، ولكن الأضرار النفسية قد تكون في بعض الأحيان غير قابلة للترميم بغض النظر عن التحسن الاقتصادي. وهذه هي الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى الجميع".
وأوضح الدكتور الخوري أنّ المقاومة والتردد في الاعتراف بالمشكلة وطلب المساعدة المتخصصة تظهر جليًا في ممارسته الإكلينيكية في دبي، وتزداد هذه المشكلة تعقيداً بسبب العزلة التي يعاني منها القادة. فالوصمة الاجتماعية ليست سوى طبقة واحدة من المشكلة؛ إذ قد يوهم الخجلُ القائدَ بأن معاناته تعكس ضعفًا شخصيًا في حين أنها مجرد استجابة متوقعة للضغط المستمر.
كما أن الأنا، التي تتشكل على مدى سنوات من كون الشخص هو المسؤول دائمًا عن حل المشكلات، قد تجعل طلب المساعدة أمرًا غير مألوف ومحرج. وتحت كل ذلك تكمن الموروثات الثقافية والأسرية التي تقرن الهدوء والصلابة بالقيم الشخصية، وتعتبر إظهار التراجع أو التأثر نوعًا من التقصير.
الصحة النفسية للقيادات تؤثر على المؤسسة أيضًا
لا تتوقف تداعيات الضغط النفسي عند الشخص الذي يشغل منصبًا قياديًا، فقد تنعكس حالته النفسية على طريقة إدارته وتواصله مع فريق العمل.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن مشكلات الصحة النفسية يمكن أن تؤثر في القدرة على العمل، والإنتاجية، والسلامة، والاحتفاظ بالموظفين، كما أن الغياب عن العمل وانخفاض الإنتاجية أثناء الحضور وتبدل الموظفين يمكن أن تترك آثارًا اقتصادية على المؤسسات والمجتمع.
ومن هذا المنطلق، فإن الاهتمام بـالصحة النفسية للقيادات في الشركات لا يعني تشخيص المديرين أو مراقبة حالتهم النفسية، بل يهدف إلى إيجاد بيئة تسمح لهم بالحصول على الدعم المناسب عند الحاجة، مع الحفاظ على الخصوصية والاستقلالية.
من جانبها قالت رهف قبيسي، مؤسس Rays Your Mental Health:
"التنفيذيون الذين أقوم بتدريبهم والفرق القيادية التي أعمل معها يتعلمون جميعًا الحقائق ذاتها: المهارة العاطفية هي مهارة قيادية بالأساس. والقادة الذين يبنون مجموعة أدوات قائمة على الوعي الذاتي، والتعاطف مع الذات ومع الآخرين، والتقبل المرن للمتغيرات، يقودون بوضوح أكبر، ويتواصلون بدقة أفضل، ويبنون فرقًا تشعر بالأمان بالقدر الكافي لتحقيق النمو. وتنجح برامج جودة الحياة المؤسسية عندما تتعامل معها القيادة كجزء من نموها الشخصي وتمثل نموذجًا يُحتذى به علنًا".
الإمارات تعزز مفهوم الصحة النفسية وجودة الحياة
يتماشى الاهتمام بالصحة النفسية في بيئة العمل مع التوجهات الوطنية في دولة الإمارات.
وتتضمن الاستراتيجية الوطنية لجودة الحياة 2031 أهدافًا تتعلق بتعزيز الصحة النفسية الجيدة، والتفكير الإيجابي، وبناء مهارات الحياة، ضمن إطار وطني يركز على جودة الحياة على مستوى الأفراد والمجتمع والدولة.
وبالتالي، يمكن أن يكون تعزيز الصحة النفسية في أماكن العمل جزءًا من مفهوم أوسع لجودة الحياة، وليس مجرد استجابة لمشكلة تظهر بعد حدوث أزمة.
كيف يمكن للشركات دعم الصحة النفسية للقيادات؟
لا تعني المرونة الحقيقية مجرد التحمل، بل تتمثل في القدرة على التعامل مع الضغوط واستيعابها، والتعافي منها، والحفاظ على إمكانية اتخاذ القرارات، وهي مهارة يتم بناؤها بوعي وتدرج. وبالنسبة إلى مجتمع الأعمال في دولة الإمارات، يتمثل ذلك في جعل الصحة النفسية للقيادات جزءًا من البنية الأساسية التي تقوم عليها طريقة عمل الشركات. ولتحقيق هذا التوجه كممارسة فعلية، يمكن تبني الخطوات التالية:
1. ترسيخ ثقافة طلب المساعدة
عندما يعترف الرئيس التنفيذي أو أحد أعضاء القيادة بأهمية الحصول على الدعم النفسي أو التدريب المتخصص أو تخصيص وقت للتعافي، فقد يساعد ذلك في تقليل الوصمة وتشجيع الآخرين على طلب المساعدة عند الحاجة.
وتوصي منظمة الصحة العالمية باتخاذ إجراءات على مستوى المؤسسات، إلى جانب تدريب المديرين والعاملين، والتدخلات الفردية، للوقاية من مخاطر الصحة النفسية وتعزيزها في مكان العمل.
2. بناء شبكات دعم للأقران
يمكن إنشاء مساحات مهنية وسرية تتيح للمؤسسين والتنفيذيين تبادل الخبرات والتحديات بعيدًا عن الضغوط المرتبطة بالصورة المهنية، مع الاستعانة بمتخصصين مؤهلين عندما تكون هناك حاجة إلى دعم نفسي أو إكلينيكي.
3. إدراج الصحة النفسية ضمن الحوكمة المؤسسية
يمكن لمجالس الإدارات النظر إلى الصحة النفسية باعتبارها أحد جوانب استمرارية الأعمال، إلى جانب المخاطر المالية والتشغيلية والبشرية.
ولا يعني ذلك جمع بيانات نفسية شخصية عن المديرين أو الموظفين، وإنما وضع سياسات واضحة للدعم النفسي، ومراجعة أعباء العمل، وتوفير قنوات آمنة وسرية للحصول على المساعدة.
4. توفير الدعم النفسي المبكر
كلما كان الوصول إلى الدعم المناسب متاحًا قبل الوصول إلى مرحلة الأزمة، غدا التعامل مع الضغوط أكثر سهولة.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن التدخلات التنظيمية وتدريب المديرين والعاملين، إلى جانب التدخلات الفردية، كلها عوامل يمكن أن تساعد في تعزيز الصحة النفسية والوقاية من مخاطرها في بيئة العمل.
5. التعامل مع الرفاه باعتباره جزءًا من أداء المؤسسة
يمكن للمؤسسات متابعة مؤشرات شمولية تتعلق بالرفاه، مثل الرضا الوظيفي والاحتفاظ بالموظفين والإجهاد المرتبط بأعباء العمل، إلى جانب المؤشرات المالية والتشغيلية.
لكن ينبغي أن يتم ذلك مع حماية خصوصية الموظفين وتجنب استخدام البيانات لإطلاق تشخيصات نفسية غير مدعومة أو اتخاذ قرارات تمييزية.
المرونة النفسية ليست مجرد تحمل للضغط
لا تعني المرونة النفسية القدرة كبت المشاعر وتحمل كل شيء بصمت، بل تتجسد في امتلاك الموارد والاستراتيجيات التي تساعد الشخص على التعامل مع الضغوط والتكيف معها وطلب الدعم عندما يصبح ذلك ضروريًا.
وبالنسبة إلى القيادات التنفيذية، قد يكون الاعتراف بالحاجة إلى الدعم جزءًا من الإدارة المسؤولة، وليس علامة على الضعف. ففي أوقات الاضطراب، قد تكون الصحة النفسية للقيادات في الشركات من الجوانب الأقل ظهورًا في حسابات الشركات، لكنها قد تكون في الوقت نفسه عاملًا مهمًا في قدرة القائد على الحفاظ على وضوح التفكير والتواصل واتخاذ القرارات.
ومن هنا، فإن الاستثمار في الصحة النفسية لا ينبغي أن ينتظر وقوع الأزمة؛ بل يُفترض أن يصبح جزءًا من ثقافة المؤسسة وحوكمتها واستراتيجيتها للحفاظ على استمرارية الأعمال وجودة حياة العاملين.



