لم يكن الجدل التحكيمي في مباراة مصر والأرجنتين هو المشهد الوحيد الذي أثار اهتمام الجماهير، بل خطَف مدرب المنتخب المصري حسام حسن الأنظار أيضًا عندما رفع ذراعيه متقاطعتين على شكل حرف "X" في وجه الحكم الفرنسي فرانسوا ليتكسييه، وهي إشارة أثارت تساؤلات واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي. هذه الحركة ليست مجرد تعبير عن الغضب، بل هي الإشارة الرسمية التي اعتمَدها الاتحاد الدولي لكرة القدم فيفا (FIFA) منذ عام 2024 للإبلاغ عن حوادث العنصرية (Racism) داخل الملعب، والتي من المفترض أن تُفعّل بروتوكولًا من ثلاث مراحل يبدأ بإيقاف المباراة مؤقتًا إذا وُجدت شبهة تمييز عنصري. إلا أن الملابسات في هذه المباراة بقيت محل جدل، بسبب الشعور بالظلم والألم المزمن وركّز حسام حسن بعد اللقاء اعتراضه على القرارات التحكيمية التي اعتبرها غير عادلة، بينما لم يؤكد الاتحاد المصري لكرة القدم وقوع حادثة عنصرية خلال المباراة.
وسواء كان المقصود من الإشارة الاحتجاج على ما اعتبره ظلمًا تحكيميًا أو محاولة تفعيل بروتوكول فيفا، فإن المشاعر التي صاحبت المباراة، من غضب وإحباط وإحساس بعدم العدالة، دفعت إلى طرح سؤال يتجاوز كرة القدم: هل يمكن أن يؤثر الشعور بالظلم في صحة الإنسان؟ وتشير دراسة علمية حديثة إلى أن الإجابة قد تكون نعم، خاصة لدى الأشخاص المصابين بالألم المزمن (Chronic Pain)، إذ قد يساهم الإحساس بالتعرض لظلم في زيادة شدة الألم وإطالة مدة المعاناة.
الشعور بالظلم ليس مجرد انفعال عابر
قد يشعر أي شخص بالغضب بعد خسارة مباراة أو التعرّض لموقف يراه غير عادل، لكن بالنسبة إلى الأشخاص الذين يعيشون مع الألم المزمن، قد يكون الشعور بالظلم والألم المزمن له أثر صحي يتجاوز الانفعال المؤقت.
هذا ما توصلت إليه دراسة أجراها باحثون من جامعة في القدس بالتعاون مع جامعات ستانفورد وبوسطن وإنسبروك، إذ شملت أكثر من 700 مريض تلقوا علاجًا بسبب حالات مختلفة من الألم المزمن. ولم يقتصر الباحثون على قياس شدة الألم، بل ركزوا أيضًا على مفهوم الإحساس بالظلم (Perceived Injustice)، وهو شعور المريض بأن ما حدث له غير عادل أو تسبب له في خسارة لا يمكن تعويضها.
أظهَرت نتائج هذه الدراسة أن الشعور بالظلم والألم المزمن يرتبطان بصورة أوضح مما كان يُعتقد سابقًا، ما يفتح الباب أمام فهم جديد للعوامل النفسية التي قد تؤثر في استمرار الألم.
أربع طرق مختلفة يتعامل بها المرضى مع الغضب ومع الشعور بالظلم والألم المزمن
استخدم الباحثون تقنية تُعرف باسم تحليل الملفات الكامنة (Latent Profile Analysis) لتقسيم المشاركين وفق طريقة تعاملهم مع الغضب.
كشفت الدراسة عن أربع مجموعات مختلفة، لكن المجموعة الأكثر عُرضة لتفاقم الألم كانت تلك التي جمعت بين مستويات متوسطة أو مرتفعة من الغضب والإحساس بالظلم. وسجل أفراد هذه المجموعة:
- شدة أعلى في الألم.
- انتشار الألم في أجزاء أكثر من الجسم.
- ارتفاع معدلات الإعاقة المرتبطة بالألم.
- زيادة الضيق النفسي (Psychological Distress).
- استمرار الألم لفترات أطول مقارنة ببقية المشاركين.
في المقابل، فإن المرضى الذين استطاعوا ضبط الغضب (Anger Regulation) والتعامل مع حالتهم بطريقة أكثر تقبلًا كانوا أقل عُرضة لتفاقم الأعراض مع مرور الوقت، ما يؤكد على أن الشعور بالظلم والألم المزمن ليس حالتين منفصلتين، بل قد يؤثر كل منهما في الآخر.
هل يزيد الشعور بالظلم والألم المزمن من شدة الألم؟
يوضح الباحثون أن الغضب في حد ذاته ليس عاطفة سلبية دائمًا، فهو استجابة إنسانية طبيعية قد تدفع الشخص للدفاع عن حقوقه أو لمواجهة المشكلات. لكن عندما يمتزج الغضب بإحساس دائم بأن الإنسان قد تعرّض لظلم لا يمكن إصلاحه، تبدأ دائرة معقدة تؤثر في الدماغ والجسم معًا.
الإجهاد النفسي (Psychological Stress) الناتج عن هذا الشعور بالظلم والألم المزمن قد يؤدي إلى زيادة نشاط المسارات العصبية المسؤولة عن الإحساس بالألم، كما قد يرفع حساسية الجهاز العصبي (Nervous System)، وهو ما يجعل المريض يشعر بالألم بصورة أشد حتى دون وجود تغير واضح في حالته الصحية.
ولهذا يرى الباحثون أن الشعور بالظلم والألم المزمن يمثلان علاقة يجب أن تؤخذ في الاعتبار عند تقييم المرضى ووضع خطط علاجهم.
هل يمكن التنبؤ باستمرار الألم؟
ولمعرفة ما إذا كانت هذه المشاعر تؤثر في المستقبل أيضًا، تابع الباحثون 242 مشارِكًا لمدة تقارب خمسة أشهر بعد التقييم الأول.
وأظهَرت النتائج أن المرضى الذين سجّلوا مستويات مرتفعة من الغضب والإحساس بالظلم كانوا الأكثر عرضة لاستمرار الألم حتى بعد الأخذ في الاعتبار عوامل أخرى مثل القلق (Anxiety) والاكتئاب (Depression).
ويرى الباحثون أن هذه النتائج قد تساعد مستقبلًا في استخدام تقييم الإحساس بالظلم كوسيلة للتنبؤ المبكر وتمييز الأشخاص الأكثر عرضة لاستمرار الألم، وهو ما قد يحسن فرص التدخل المبكر، خاصة وأن الشعور بالظلم والألم المزمن كان مؤشرًا مستقلًا عن كثير من العوامل النفسية الأخرى.
كيف يمكن مساعدة هؤلاء المرضى؟
رغم عدم وجود دواء واحد قادر على إنهاء جميع حالات الألم المزمن، فإن الدراسة تشير إلى أهمية الاهتمام بالحالة النفسية للمريض، وليس فقط بالأعراض الجسدية. وقد تشمل الخيارات العلاجية التي قد تساعد بعض المرضى:
- العلاج القائم على الوعي والتعبير عن المشاعر (Emotional Awareness and Expression Therapy).
- العلاج المبني على التعاطف (Compassion-Based Therapy).
- العلاج السلوكي المعرفي (Cognitive Behavioral Therapy).
- برامج ضبط الغضب (Anger Management).
- الدعم النفسي والاجتماعي إلى جانب العلاج الدوائي.
ويؤكد الباحثون أن فهم الشعور بالظلم والألم المزمن قد يَسمح بتقديم خطط علاج أكثر تخصيصًا لكل مريض، بدلًا من الاعتماد على العلاج الدوائي وحده.
ماذا تُعلمنا مباراة مصر والأرجنتين؟
أثارت المباراة مشاعر قوية لدى اللاعبين والجماهير، وهي مشاعر مرّ بها معظم عشاق الرياضة في مواقف مشابهة. لكن الرسالة التي تحملها هذه الدراسة لا تتعلق بالمباراة نفسها، وإنما بكيفية تأثير الإحساس بعدم العدالة في صحة الإنسان عندما يصبح هذا الشعور مستمرًا.
فالأشخاص الذين يعانون أصلًا من الألم المزمن قد يكونون أكثر حساسية لهذه المشاعر، لذلك فإن التعامل مع الغضب والإحباط بطريقة صحية قد يمثل جزءًا مهمًا من رحلة العلاج، خاصة أن الشعور بالظلم والألم المزمن قد يعزز كل منهما الآخر إذا لم تتم السيطرة عليهما.
نصيحة من موقع صحتك Sehatok
إذا كنت تعاني من ألم مزمن ولاحظت أن مشاعر الغضب أو الإحباط أو الإحساس بعدم العدالة تجعل أعراضك تزداد سوءًا، فلا تتجاهل الجانب النفسي وأثره على حالتك. تحدّث مع طبيبك حول تأثير هذه المشاعر في حياتك اليومية، فقد يساعد دمج الدعم النفسي مع العلاج الطبي في تحسين السيطرة على الألم وجودة الحياة. كما أن ممارسة تقنيات الاسترخاء، والنشاط البدني المناسب، والحصول على دعم من العائلة أو المختصين قد يخفف من تأثير الضغوط النفسية على الجسم.
وفي النهاية، قد تنتهي مباراة مثيرة للجدل مع صافرة الحكم، لكن المشاعر التي تتركها قد تستمر لفترة أطول. وإذا كانت الرياضة تكشف لنا حجم تأثير الشعور بالظلم في النفس، فإن العلم يوضح أن هذا الإحساس قد ينعكس أيضًا على الجسد، خاصة لدى مرضى الألم المزمن. فهل يصبح تقييم مشاعر الظلم والغضب جزءًا أساسيًا من علاج الألم في المستقبل؟ وهل يمكن أن يساعد فهم العلاقة بين العقل والجسد في تطوير علاجات أكثر فعالية للملايين حول العالم؟