يبدو أن التحدث بأكثر من لغة لا يفتح أبوابًا جديدة للتواصل والثقافة فحسب، بل قد يرتبط أيضًا بطريقة عمل الدماغ ومرونته مع مرور الوقت، وتشير مجموعة من الدراسات إلى أن استخدام لغتَين أو أكثر قد يساعد في تعزيز بعض القدرات المعرفية، ودعم الدماغ في مواجهة تأثيرات التقدم في العمر وبعض الأمراض.
كيف يتعامل الدماغ مع أكثر من لغة؟
كان يُعتقد سابقًا أن الدماغ يتعامل مع كل لغة من خلال نظام منفصل، وكأنه ينتقل من لغة إلى أخرى بإيقاف إحداها وتشغيل الثانية، إلا أن الأبحاث الحديثة تشير إلى صورة أكثر تعقيدًا؛ فاللغات المختلفة تظل نشطة في الدماغ بالتوازي، بينما تعمل شبكات دماغية متعددة على اختيار اللغة المناسبة والتحكم في استخدامها.
وفي دراسة حديثة، جرى تتبع نشاط الدماغ لدى أشخاص يتحدثون لغتَين بالتساوي أثناء تنفيذ مهام الترجمة والتعامل مع الكلمات، وأظهَرت النتائج وجود آلية عصبية مشترَكة تُستخدم في بعض العمليات اللغوية عبر اللغات المختلفة، بما يشير إلى أن الدماغ يستطيع إعادة استخدام الآليات نفسها بدل بناء نظام منفصل لكل لغة، وهذا يعكس قدرًا لافتًا من المرونة؛ إذ يستطيع الدماغ تكييف موارده وإعادة استخدامها وفق المهمة والسياق.
التحدث بأكثر من لغة قد يدعم مرونة الدماغ
يتطلب استخدام عدة لغات باستمرار قدرًا من التحكم العقلي، فعندما تُستخدم لغة معينة، يحتاج الدماغ إلى تعزيزها وتقليل تأثير اللغات الأخرى، مع مراقبة السياق واختيار الكلمات المناسبة، ومع تكرار هذه العملية، يبدو أن الدماغ يحصل على نوع من التدريب المستمر.
تشير الأبحاث إلى أن هذه الخبرة قد ترتبط بتحسين بعض جوانب الوظائف التنفيذية، مثل الانتباه، والقدرة على الانتقال بين المهام، والاحتفاظ بالمعلومات والتعامل معها بمرونة، كما ارتبطت الخبرة متعددة اللغات بقدرات أخرى، منها الذاكرة، والمهارات البصرية المكانية، والوعي باللغة بوصفها نظامًا يمكن التفكير فيه وتحليله.
ومع ذلك، فإن نتائج الأبحاث المتعلقة بالوظائف التنفيذية ليست متطابقة في جميع الدراسات، ويرجع ذلك جزئيًا إلى اختلاف تجارب الأشخاص مع اللغات، مثل مستوى الطلاقة، وعمر اكتساب اللغة، وعدد مرات استخدامها، ومدى الانتقال بين اللغات في الحياة اليومية.
إتقان لغات أكثر قد يعني شيخوخة دماغية أبطأ
وجَدت دراسة واسعة شملت أكثر من 86 ألف مشارك من 27 دولة أوروبية وجود ارتباط بين تعدد اللغات والشيخوخة البيولوجية، وأشارت النتائج إلى أن الأشخاص في البلدان التي ينتشر فيها التحدث بأكثر من لغة كانوا أقل عرضة بنحو 2.17 مرة للشيخوخة المتسارعة مقارنة بغيرهم.
كما ظهَر أن هذا التأثير قد يكون تراكميًا؛ فكلما زاد عدد اللغات التي يستطيع الشخص استخدامها، بدا معدل الشيخوخة أبطأ، وأظهَرت تحليلات لاحقة أن الأشخاص الذين يتحدثون لغات أكثر كانت لديهم الفجوة بين العمر البيولوجي والعمر المتوقع للدماغ أقل، ما يشير إلى أن أدمغتهم أصغر سنًا مما هو متوقع بالنسبة إلى أعمارهم، كما ارتبطت الطلاقة الأعلى واكتساب اللغة الثانية في سن مبكرة بتأخر أكبر في شيخوخة الدماغ.
هل يمكن أن يحمي إتقان عدة لغات الدماغ من تأثيرات المرض؟
لا تقتصر الفائدة المحتملة على الشيخوخة؛ فقد وجَدت دراسة أخرى أن الأشخاص الأكبر سنًا الذين كانوا يتحدثون لغتَين بطلاقة أظهَروا أداءً معرفيًا أفضل بعد الإصابة بمرض شديد مقارنة بمَن كانت خبرتهم اللغوية أقل، وتركّز البحث على الوظائف التنفيذية، وهي القدرات التي تساعد على إدارة الانتباه، والانتقال بين المهام، والاحتفاظ بالمعلومات، والتكيف مع تغير الظروف، وارتبطت الخبرة الثنائية الأقوى باضطراب أقل في هذه الوظائف بعد المرض.
لكن هذه النتائج لا تعني أن تعدد اللغات يمنع التدهور المعرفي أو يشكل علاجًا له، بل تشير إلى أنه قد يكون أحد العوامل التي تساهم في تعزيز ما يُعرف بالمرونة المعرفية، أي قدرة الدماغ على الحفاظ على أدائه والتكيف مع التحديات.
هل يؤثر عدد اللغات أم طريقة استخدامها؟
لا يبدو أن عدد اللغات وحده هو العامل الحاسم، فقد يكون الاستخدام المنتظَم والمَرن للّغات عامل أكثر أهمية من مجرد معرفة عدة لغات دون استخدامها كثيرًا. كما قد تلعب الطلاقة، وعمر اكتساب اللغة، وتكرار الاستخدام، والتبديل بين اللغات، والسياق الاجتماعي دورًا في حجم التأثير، واللافت أن اكتساب لغة جديدة لا يبدو محصورًا بمرحلة الطفولة، فالأبحاث تشير إلى إمكانية تعلّم لغة ثانية أو ثالثة في الطفولة والمراهقة والبلوغ وحتى المراحل المتقدمة من العمر، كما يمكن الاستفادة من تعلم اللغة حتى من دون الوصول إلى الطلاقة الكاملة.
هل يغيّر تعدد اللغات طريقة التفكير؟
لا يقتصر تأثير اللغات على الأداء المعرفي، فقد وجَدت الأبحاث أن اللغة المستخدَمة قد تؤثر في الانتباه والذاكرة وحتى طريقة إدراك البيئة المحيطة، فعندما يَسمع الشخص كلمة بلغة معينة، قد تنجذب عيناه إلى أشياء ترتبط بها صوتيًا في لغة أخرى، وقد يتذكر لاحقًا أشياء مختلفة اعتمادًا على اللغات التي يعرفها، كما تشير بعض الأبحاث إلى اختلاف الارتباطات العاطفية بين اللغة الأم واللغة الثانية، وقد تختلف بعض القرارات وطريقة الاستجابة للمواقف باختلاف اللغة المستخدَمة.
الأسئلة الشائعة
هل يجب تعلم اللغة منذ الطفولة للحصول على فوائدها؟
لا، إذ تشير المعلومات المتاحة إلى أن تعلّم لغة ثانية يمكن أن يَحدث في أي عمر، وأن الفوائد لا تتطلب بالضرورة اكتسابها في الطفولة أو الوصول إلى طلاقة كاملة.
هل كل شخص يتحدث لغتَين يحصل على الفوائد نفسها؟
ليس بالضرورة، فتختلف الخبرة اللغوية بين الأشخاص، وقد تؤثر الطلاقة، وعمر اكتساب اللغة، وتكرار استخدامها، والتبديل بينها، والسياق الذي تُستخدم فيه في النتائج المعرفية.
نصيحة من موقع صحتك Sehatok
قد يكون التحدث بأكثر من لغة وسيلة تجمع بين التواصل والتعلم والتفاعل الاجتماعي، وفي الوقت نفسه تمنح الدماغ فرصًا متكررة لمعالجة المعلومات والتحكم في الانتباه والتكيف مع السياقات المختلفة، ولذلك يمكن أن يكون تعلّم لغة جديدة أو الحفاظ على استخدامها جزءًا من حياة معرفية غنية، دون أن يكون الهدف بالضرورة الوصول إلى الكمال أو الطلاقة التامة.



