لطالما ارتبط كوب الماء بجانب طبق الطعام بفكرة بسيطة تبدو منطقية: كلما امتلأت المعدة بالماء، شعرنا بالشبع أسرع وتناولنا كمية أقل. لكن دراسة حديثة تعيد النظر في هذه الفكرة، بل تطرح احتمالًا مفاجئًا: شرب الماء مع الطعام قد يرتبط لدى بعض الأشخاص بتناول كمية أكبر بدلًا من تقليلها. فهل يعني ذلك أن علينا التوقف عن شرب الماء أثناء الوجبات؟ الإجابة ليست بهذه البساطة.
ماذا وجَدت الدراسة الحديثة؟
نَشرت دراسة في دورية Appetite تحليلًا ثانويًا لبيانات تجربتَين عشوائيتَين متقاطعتَين شملتا 86 بالغًا. تناول المشاركون وجبات في المختبر، مع إتاحة الماء لهم، ثم حلل الباحثون كمية الماء المستهلَكة ومدى التناوب بين لقيمات الطعام ورشفات الماء.
أظهَرت النتائج ارتباط تناول كمية أكبر من الماء أثناء الوجبة بتناول كمية أكبر من الطعام، كما ارتبط التناوب المتكرر بين الطعام والماء بزيادة الاستهلاك. وهذا لا يثبت أن شرب الماء مع الطعام يسبب الإفراط في الأكل، لكنه يشير إلى علاقة تستحق مزيدًا من البحث.
لماذا قد لا يمنح شرب الماء مع الطعام الإحساس بالشبع؟
قد يسبب الماء تمددًا مؤقتًا في المعدة (abdominal distention)، ما قد يمنح إحساسًا بالامتلاء. إلا أن السوائل لا تتصرف داخل المعدة بالطريقة نفسها التي تتصرف بها الأطعمة الصلبة؛ إذ يمكن أن يتم امتصاص السوائل من المعدة بسرعة نسبيًا، وبالتالي قد يكون تأثيرها على الإحساس بالشبع (satiety) أقصر مما يتوقعه كثيرون. وتشير أبحاث فسيولوجية إلى أن وجود الماء وحده لا يضمن خفض الشهية أو ينقص كمية الطعام.
ومن هنا يمكن تفسير لماذا لا يعني شرب الماء مع الطعام بالضرورة أنك ستشعر بالشبع سريعًا. بل يرى الباحثون أن الحفاظ على متعة الوجبة أو تسهيل تناولها بسرعة قد يؤثر في كمية الطعام المستهلَكة، وإن كان هذا التفسير لا يزال بحاجة إلى دراسات إضافية.
هل يختلف تأثير الماء قبل الوجبة؟
المثير للاهتمام أن توقيت شرب الماء مع الطعام قد يكون أكثر أهمية من كمية الماء نفسها. فقد وجَدت دراسة على أشخاص أكبر سنًا أن تناول 500 مل من الماء قبل الوجبة بـنحو 30 دقيقة قد خفّض استهلاك الطاقة في الوجبة بنحو 13%، من 574 إلى 500 سعرة حرارية تقريبًا.
وفي دراسة أخرى، لم يظهَر هذا التأثير نفسه لدى الشباب، بينما انخفض استهلاك الطاقة لدى المشاركين الأكبر سنًا من 682 إلى 624 سعرة حرارية بعد شرب الماء قبل الوجبة. وهذا يشير إلى أن العمر قد يؤثر في الاستجابة، وربما يرتبط ذلك باختلاف سرعة إفراغ المعدة (gastric emptying).
كما وجَدت تجربة بريطانية عشوائية شملت 84 شخصًا يعانون من السمنة أن شرب 500 مل من الماء قبل الوجبات الرئيسية أدى إلى فقدان وزن إضافي قدره 1.3 كغ خلال 12 أسبوعًا مقارنة بالمجموعة الضابطة، مع بقاء هذا الدليل أوليًا وليس قاعدة عامة للجميع.
هل يجب التوقف عن شرب الماء أثناء الأكل؟
لا، لا تقدم الدراسة الجديدة دليلًا كافيًا يجعل شرب الماء مع الطعام عادة يجب تجنبها. كما أن تقييد شرب السوائل أثناء وجبة واحدة لم يُظهر في دراسة على كبار السن تأثيرًا مهمًا في كمية الطعام المستهلَكة.
إذا كنت عطشانًا أثناء الوجبة، فلا توجد حاجة إلى تجاهل العطش لمجرد التحكم في السعرات. والأهم هو النظر إلى نمط الترطيب والطعام كاملًا، وليس إلى كوب ماء واحد.
نصيحة من موقع صحتك Sehatok
إذا كان هدفك تقليل كمية الطعام، فقد يكون من المفيد تجربة شرب الماء مع الطعام بطريقة لا تشتت انتباهك عن إشارات الشبع، مع التركيز على تناول وجبتك ببطء. وإذا أردت اختبار استراتيجية مختلفة، يمكنك تناول الماء قبل الوجبة بنحو 30 دقيقة، خصوصًا أن بعض الدراسات وجدت فائدة لدى البالغين في منتصف العمر وكبار السن. لكن لا تتعامل مع شرب الماء مع الطعام باعتباره سببًا للسمنة أو وسيلة مضمونة لإنقاص الوزن.
وتبقى الصورة العلمية أكثر تعقيدًا؛ فقد وجَدت أبحاث سابقة أن تناول 500 مل من الماء قبل الوجبات مع حمية منخفضة السعرات قد ارتبط بفقدان وزن أكبر بنحو 2 كغ خلال 12 أسبوعًا لدى مشاركين بالغين في منتصف العمر وكبار السن المصابين بزيادة الوزن أو السمنة، لكن هذا التأثير لم يستمر بالدرجة نفسها على استهلاك وجبة الاختبار بعد 12 أسبوعًا.
نهايةً، قد يبدو شرب الماء مع الطعام وسيلة بسيطة للشبع، لكن الأدلة الحديثة لا تؤيد اعتباره قاعدة ثابتة لإنقاص كمية الطعام. والمفارقة أن شرب الماء مع الطعام قد ارتبط في الدراسة الجديدة بتناول المزيد، بينما أظهرت دراسات أخرى أن تناول الماء قبل الوجبة قد يقلل الاستهلاك لدى فئات معينة.
لذلك، ربما لا يكون السؤال الحقيقي هو هل يجب عليك منع شرب الماء مع الطعام، بل متى تشرب الماء وكيف تتفاعل معه أثناء الوجبة. فهل سيغير توقيت الماء طريقة تناولك للطعام؟ وهل تختلف الاستجابة فعلًا مع العمر وسرعة الهضم؟ هذه أسئلة ما زالت الأبحاث تحاول الوصول إلى إجابات أكثر حسمًا بشأنها.



