في السنوات الأخيرة، وخاصة خلال فترات الأزمات العالمية، أصبح مصطلح التصفح السلبي شائعاً للتعبير عن عادة يعاني منها الكثيرون: التمرير بين الأخبار السلبية عبر الإنترنت بلا نهاية، وسواء كان ذلك على وسائل التواصل الاجتماعي، أو المواقع الإخبارية، أو المنصات الرقمية الأخرى، يمكن أن يوقِع هذا السلوك الأفراد في دائرة من القلق والتوتر، ورغم أن البعض يبرره بأنه مجرد محاولة لمتابعة الأخبار، إلا أن الحقيقة أعمق وأكثر تأثيراً على الصحة النفسية.
ما هو التصفح السلبي؟
يشير مصطلح التصفح السلبي إلى قضاء وقت طويل في تصفح الأخبار السلبية عبر الإنترنت بشكل متكرر، وغالباً دون إدراك حجم الوقت المهدر، فقد يشعر المرء بأن كل خبر جديد يستحق الاطلاع عليه، فينجذب إلى سيل متواصل من العناوين القاتمة.
يبرر البعض الأمر برغبته في البقاء مطلعاً على المستجدات، ولكن الدافع الحقيقي غالباً هو البحث غير الواعي عن أخبار تؤكد المشاعر السلبية الداخلية، فعندما يكون الشخص قلقاً أو محبطاً، قد يبحث تلقائياً عن أخبار تزيد من هذه الحالة، لتصبح الحلقة مفرغة: كلما ازداد التصفح، ازدادت المشاعر السلبية.
يصبح التصفح السلبي مع الوقت عادة يصعب ملاحظتها، إذ قد يجد الشخص نفسه يلتقط هاتفه تلقائياً في أي لحظة فراغ ويبدأ التمرير بين الأخبار دون وعي، وقد يرتبط هذا السلوك لدى بعض الأشخاص أيضاً بميول وسواسية أو قهرية حين يصبح الفعل تكرارياً يهدف إلى تخفيف القلق المؤقت، وليس للحصول على المعلومات بحد ذاتها.
لماذا يعتبر التصفح السلبي ضاراً؟
لا تقتصر تأثيرات التصفح السلبي على ضياع الوقت فقط، بل تمتد إلى أضرار واضحة على الصحة النفسية والجسدية، إذ يعزز أنماط التفكير السلبي ويضعف التوازن النفسي.
- التأثير النفسي: يفاقم التعرض المستمر للأخبار السلبية القلق والاكتئاب، بدلاً من توفير رؤية أوضح للعالم، بل وقد يؤدي في بعض الحالات إلى نوبات هلع أو إحباط شديد.
- اضطرابات النوم: تصفح الأخبار قبل النوم أصبح عادة منتشرة، إلا أنه يرتبط بشكل مباشر بالأرق، فالكثيرون يعترفون بأنهم يتصفحون الأخبار في السرير، ثم يجدون صعوبة في النوم نتيجة الأفكار المتسارعة والقلق المستمر.
- التضارب والإرباك: من مظاهر التصفح السلبي مواجهة أخبار متناقضة، فقد يقول مصدرٌ شيئاً بينما يَعرض مصدر آخر العكس تماماً، وهذا التضارب يخلق ارتباكاً ذهنياً وشعوراً بفقدان السيطرة على الحقيقة، مما يزيد التوتر.
- العزلة والوحدة: المفارقة أن قضاء وقت طويل على الإنترنت يزيد من مشاعر العزلة بدلاً من تخفيفها، كما أن التصفح المفرط يرفع نسب هرمون التوتر المعروف بالكورتيزول بشكل متكرر، وقد يؤدي ذلك على المدى الطويل إلى إنهاك الجسد، وظهور التهابات ومشاكل صحية متعددة.
كيف نتخلص من التصفح السلبي؟
يتطلب التخلص من هذه العادة وعياً والتزاماً بتغيير السلوكيات الرقمية، وفيما يلي خطوات عملية تساعد على استعادة السيطرة:
حدد أوقاتاً للتصفح
من المهم وضع حدود زمنية واضحة، ويُفضل تجنب الهاتف في غرفة النوم، أو الحد من متابعة الأخبار إلى مرة أو مرتين يومياً فقط، ويمكن استخدام تطبيقات مخصصة لتحديد الوقت أو خصائص مدمَجة في الهواتف لتذكير المستخدِم بالتوقف. كما أن تقليل عدد المصادر الإخبارية ومتابعة الصفحات الإيجابية قد يقلل من الوقوع في التصفح السلبي.
انتبه لمشاعرك أثناء التصفح
الملاحظة الواعية هي أداة فعّالة، لذا يجب الانتباه للتغيرات الجسدية والنفسية مثل توتر وشد في الكتفين، أو إجهاد العينين، أو ارتفاع معدل ضربات القلب، فهذه العلامات تشير بوضوح إلى أن الوقت قد حان للتوقف.
تجنب تضخيم الأمور
من السهل أن ينتقل العقل مباشرة إلى أسوأ السيناريوهات عند قراءة الأخبار، لذا من المهم طرح سؤال "ما النتيجة الواقعية؟"، وإعادة صياغة التفكير بهذه الطريقة يقلل من التوتر غير المبرر.
استخدم الهاتف بوعي
غالباً ما يكون الإمساك بالهاتف تلقائياً، وللتغلب على ذلك، حاول التوقف لثوانٍ قبل فتحه، واسأل نفسك: "هل هذا ضروري الآن؟"
أبطئ التصفح
إذا كان التوقف الكامل صعباً، فالإبطاء قد يكون بديلاً مؤقتاً، فالتصفح ببطء يعزز التركيز ويمنع الانجراف السريع نحو الاستنزاف الذهني.
ركّز على الحاضر
بدلاً من القلق بشأن المستقبل المجهول، من الأفضل ممارسة أنشطة يومية تساعد على الاسترخاء مثل ممارسة الرياضة، أو قراءة كتاب، أو قضاء وقت مع الأصدقاء، ويمكن القيام بأعمال خيرية تمنح شعوراً بالأمل.
ابحث عن محتوى إيجابي
رغم كثرة الأخبار السلبية، إلا أن هناك قصصاً تبعث على التفاؤل، والتوازن بين الجانبين يحد من الإحباط الناتج عن التصفح السلبي.
مارِس الامتنان
يقلل التفكير في الجوانب الإيجابية في الحياة من الضغوط ويُحسن المزاج، فالامتنان مرتبط علمياً بنوم أفضل ومناعة أقوى.
تحرك
يعيد النشاط البدني التوازن بين الجسد والعقل، فممارسة رياضة المشي، أو اليوغا، أو أي تمارين رياضية يسهم في إفراز هرمونات السعادة وتحسين المزاج.
افصل نفسك عن الإنترنت
يكون الحل الأفضل في بعض الأحيان هو أخذ استراحة كاملة من وسائل التواصل الاجتماعي، حين يتيح الانفصال التركيز على العلاقات الحقيقية والهوايات والأهداف الشخصية.
اطلب المساعدة
إذا أصبح التصفح السلبي عادة يصعب السيطرة عليها، فقد يكون من الضروري طلب الدعم من مختص نفسي، فالعلاج السلوكي المعرفي مثلاً يساعد على كسر العادات السلبية وتبني بدائل صحية.
الأسئلة الشائعة
لماذا ينجذب الناس إلى التصفح السلبي؟
غالباً لأن الأخبار السلبية تبدو عاجلة أو ضرورية، ولأن المشاعر القلقة تدفع الشخص للبحث عما يؤكدها، وهكذا يدخل الفرد في دائرة يصعب كسرها.
هل يؤثّر التصفح السلبي على الصحة الجسدية؟
نعم، فبالإضافة إلى القلق والاكتئاب، قد يؤدي إلى ارتفاع الكورتيزول بشكل متكرر إلى زيادة الإصابة بالالتهابات، والإرهاق، وتدني جودة النوم.
هل من الممكن التخلص من التصفح السلبي تدريجياً؟
بالتأكيد، فليس من الضروري التوقف فجأة، بل يمكن تقليل الوقت تدريجياً عبر خطوات بسيطة مثل تحديد وقت محدد أو إلغاء متابعة مصادر معينة.
ما دور الامتنان في مواجهة التصفح السلبي؟
يعيد الامتنان التوازن النفسي ويعزز المشاعر الإيجابية، ويساعد النظر إلى ما نملك بدلاً من التركيز على الأخبار السلبية على رفع المعنويات.
نصيحة من موقع صحتك
قد يبدو التصفح السلبي مجرد عادة بسيطة، ولكنه مع الوقت يسرق راحة البال ويعمّق القلق والاكتئاب. يبدأ الحل بالوعي ثم بتطبيق خطوات صغيرة مثل وضع الحدود، وممارسة الامتنان، واختيار المحتوى الإيجابي، والابتعاد عن الشاشات، وفي النهاية، يستحق الأمر بذل الجهد لتحقيقه لأن استعادة التوازن النفسي والعيش بهدوء أهم بكثير من متابعة كل خبر سلبي يظهَر على الشاشة.



