الحليب هو طعام مغذٍ يوفر للجسم البروتينات والأحماض الدهنية والفيتامينات والمعادن، وقبل إدخال البسترة في أوائل ومنتصف القرن العشرين، كان استهلاك الحليب نيئاً (الحليب الخام) هو الموضة الشائعة آنذاك.
ويبدو أن موضة شرب الحليب الخام عادت من جديد، وحتى إن بعض الولايات في أمريكا اتجهت إلى سن قوانين لإضفاء الشرعية على بيعه، ما يتعارض مع إرشادات الصحة العامة التي توصي ببسترة الحليب، وهي عملية تقضي على البكتيريا الضارة وتحمي من الأمراض الخطيرة المنقولة عن طريق الغذاء، بما في ذلك مرض السل.
الحليب الخام مقابل الحليب المبستر
الحليب الخام هو الحليب الذي لم تتم بسترته، أي الحليب الذي ينقل مباشرة من ضرع الحيوان إلى المستهلك، وهو يأتي في المقام الأول من البقر والماعز والغنم والجاموس والجمال، وفترة صلاحيته لا تتجاوز 4 أيام، ويُستخدم لصنع طائفة واسعة من الألبان والأجبان والآيس كريم، وهناك تقديرات تفيد أن 1% من الأمريكيين يشربون الحليب الخام.
في المقابل، فإن الحليب المبستر هو الحليب الذي خضع إلى البسترة، وهي عملية تتضمن تسخين الحليب لفترة وجيزة من أجل قتل البكتيريا والخمائر والعفن التي تسبب فساده، وتهدف العملية أيضاً إلى زيادة العمر الافتراضي للحليب. وهناك عدة طرق لبسترة الحليب أشيعها:
- البسترة العالية الحرارة القصيرة المدة، وتتضمن تسخين الحليب من 72 إلى 75 درجة مئوية لمدة 15 إلى 20 ثانية، ومن ثم يبرد الحليب ويحفظ بارداً، وتحافظ هذه الطريقة على صلاحية الحليب لمدة تصل 3 أسابيع.
- البسترة بالحرارة الفائقة، وفيها يتم تسخين الحليب إلى 135 درجة مئوية لمدة 2 إلى 4 ثوان، ومن ثم يُودَع الحليب في عبوات معقمة مقاومة للحرارة والهواء والضوء. وتسمح هذه الطريقة بإطالة عمر الحليب إلى مدة تصل 9 أشهر.
الحليب الخام.. هل من فوائد؟
في عصرنا الرقمي هذا، يتم تداول الكثير من المعلومات الكاذبة والمضللة حول الفوائد الصحية ومخاطر الحليب الخام، لدرجة أنها خلطت الحابل بالنابل، وبات الناس في حيرة من أمرهم. ومع تزايد شعبية الأطعمة الطبيعية والمحلية، زاد استهلاك الناس للحليب الخام بناء على ادعاءات تقول إنه طبيعي وأغنى بالمغذيات والمضادات الميكروبات، بالمقارنة مع الحليب المبستر.
ويقول مناصرو الحليب الخام إنه الخيار الأفضل للذين يعانون من الحساسية وعدم تحمل اللاكتوز وأمراض المناعة، وقد ذهب البعض إلى تشجيع إعطائه للرضع والأطفال الصغار، لأنه، حسب زعمهم، يحتوي على فوائد صحية أكثر من الحليب المبستر. ويزعم بعض المدافعين عن الحليب الخام، بأن البكتيريا الضارة، كعصيات السل، التي يتم تدميرها بالبسترة لم تعد تخدم غرضها، ومع ذلك فإن معظم هذه الادعاءات لا يدعمها العلم.
الادعاءات التي يتشبث بها مناصرو الحليب الخام
الادعاء رقم 1: الحليب المبستر يحتوي على عدد أقل من العناصر الغذائية
يدعي مناصرو الحليب النيء أنه أغنى بالعناصر الغذائية مقارنة بالحليب المبستر، وأرجعوا السبب إلى البسترة التي أدت إلى خسارة في الفيتامينات والمعادن والأحماض الدهنية، إلا أن الدراسات كشفت أن الخسارة المذكورة طفيفة فيما يتعلق بالفيتامينات، وأنه يمكن تعويضها بسهولة من المصادر الأخرى في النظام الغذائي، مثل الفواكه والخضراوات والحبوب الكاملة واللحوم. أما بخصوص المعادن والأحماض الدهنية، فلم تجد الدراسات فروقات واضحة تتعلق في صورة المعادن والأحماض الدهنية في الحليب النيء الحليب والحليب المبستر.
الادعاء رقم 2: البسترة تدمر بروتينات الحليب
تتألف بروتينات الحليب من بروتين الكازيين الذي يشكل نسبة 80%، أما النسبة الباقية، أي 20% فهي بروتين مصل اللبن. لا تؤثر بسترة الحليب على مستوى بروتين الكازيين الذي يبقى مستقراً رغم تعرضه للحرارة، في المقابل، فإن بروتين مصل اللبن يتعرض للتلف بسبب حرارة البسترة، إلا أنه يبدو أن البسترة لا تؤثر على قابلية هضمه وتكوينه الغذائي.
أفادت دراسة أجريت عام 2008 على 25 شخصاً من الأصحاء الذين شربوا الحليب النيء أو المبستر أو المعقم لفترة أسبوع، أن بروتينات الحليب المبستر تملك نفس النشاط البيولوجي في الجسم تماماً كما الحال مع بروتينات الحليب النيء.
الادعاء رقم 3: الحليب الخام يحمي من الحساسية والربو
تحدث حساسية بروتين الحليب عند 2 إلى 3% من الأطفال الذين يعيشون في البلدان المتقدمة، ولكنها تختفي من تلقاء نفسها على مشارف السنة السادسة من العمر.
ربطت عدة دراسات بين استهلاك الحليب الخام عند الأطفال وانخفاض معدل الإصابة بالحساسية والربو والعدوى في الجهاز التنفسي، ولكن هذه الدراسات أظهرت انخفاضاً يتعلق بالمخاطر، ولكنها لم تظهر بالضرورة ارتباطاً مباشراً. لاحظ الباحثون أن التعرض المتزايد للميكروبات داخل البيئات الزراعية يرتبط هو الآخر بانخفاض مخاطر الإصابة بالربو والحساسية، وهذا ما يفسر بعض النتائج.
الادعاء رقم 4: الحليب الخام أفضل للأشخاص الذين يعانون من عدم تحمل اللاكتوز
تشير بعض الأدلة القصصية إلى أن الحليب الخام يمكن تحمله بشكل أفضل من قبل أولئك الذين يعانون من عدم تحمل اللاكتوز، ربما بسبب وجود بكتيريا تنتج إنزيمات تساعد على تكسير اللاكتوز، ومع ذلك، لم تدعم الأبحاث هذه الادعاء، ففي دراسة عمياء شملت 16 شخصاً، يعانون من عدم تحمل اللاكتوز، تناولوا الحليب الخام والحليب المبستر أو حليب الصويا على ثلاث فترات مدة كل واحدة 8 أيام بترتيب عشوائي، جاءت نتائج الدراسة لتقول بعدم وجود فروق في الأعراض الهضمية بين الحليب النيء والحليب المبستر، خاصة أنهما يحتويان على نفس الكمية من سكر اللاكتوز.
يجدر التنويه هنا، إلى أن اللاكتوز هو سكر الحليب الذي يتم هضمه بواسطة إنزيم اللاكتاز، الذي يتم إنتاجه في الأمعاء الدقيقة، وأن بعض الأشخاص لا ينتج كمية كافية منه، مما يؤدي إلى تخمر اللاكتوز غير المهضوم في الأمعاء، ما يتسبب في اندلاع أعراض مزعجة، مثل انتفاخ البطن والمغص والإسهال.
الادعاء رقم 5: يحتوي الحليب الخام على المزيد من مضادات الميكروبات
يحتوي الحليب على باقة من مضادات الميكروبات، يقف على رأسها اللاكتوفيرين، والغلوبيولين المناعي، والليزوزيم، واللاكتوبيروكسيداز، والأوليغوساكاريدات، والبكتيريوسينات، والكزانتين أوكسيداز، وتساعد هذه المركبات في السيطرة على الميكروبات الضارة وتمنعها من إفساد الحليب. لقد تبين أن تبريد الحليب، سواء كان نيئاً أم مبستراً، يقلل فقط من نشاط اللاكتوبيروكسيداز بنسبة الثلث تقريباً، أما ما تبقى مضادات الميكروبات فيظل على حاله من دون تغيير يذكر.
مخاطر شرب الحليب الخام
يعد الحليب الخام أرضاً مثالية لنمو البكتيريا الضارة، التي تضم الكامبيلوباكتر، والسالمونيلا، والعصيات القولونية، والليستيريا، والكريبتوسبورديوم، والبروسيلا، واليرسينيا. والمكورات العنقودية الذهبية، وغيرها.
وتحذر مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة الأمريكية, من أن البكتيريا الضارة قد تسبب أعراضاً تشبه تلك التي تشاهد في الأمراض المنقولة عن طريق الغذاء، وتشمل الإسهال والغثيان والقيء والجفاف والصداع والحمى وآلام البطن، وقد تزيد تلك البكتيريا من خطى الانزلاق نحو أمراض مهددة للحياة.
مَن هم الأكثر تعرضاً لخطر الحليب الخام ؟
بما أن البكتيريا الضارة تسرح وتمرح في الحليب النيء، فإنه يمكن لأي شخص يستهلكه أن يتأثر بها، ولكن هناك فئات أكثر تعرضاً للخطر هي:
- الأطفال الصغار.
- الحوامل.
- كبار السن.
- المصابون بضعف المناعة.
الأسئلة الأكثر شيوعاً
-
هل يحتوي الحليب الخام على بكتيريا جيدة؟
لا يحتوي الحليب النيء أو الخام على بكتيريا ضارة وحسب، بل يوجد فيه بكتيريا جيدة، مثل البيفيدوس، واللاكتوباسيلوس.
-
هل حدثت وفيات جراء تناول الحليب الخام؟
استنادًا إلى البيانات الصادرة عن مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، فإن استهلاك الحليب الخام أدى إلى حدوث وفيات.
-
هل بسترة الحليب تؤدي إلى تغييره بطريقة قد تسبب الحساسية؟
لا، إن بروتينات الحليب التي تسبب الحساسية لدى الأشخاص الذين يعانون من حساسية الألبان موجودة في كل من الحليب الخام والحليب المبستر.
-
هل شرب الحليب المبستر يسبب عدم تحمل اللاكتوز؟
لا، يرجع عدم تحمل اللاكتوز إلى عدم إنتاج الجسم للإنزيم اللازم لتكسير اللاكتوز، وهو بيتا غالاكتوزيداز. يوجد سكر اللاكتوز في الحليب الخام والحليب المبستر بنفس التركيز، ولا تؤثر البسترة على تركيزه.
في الختام, في المجتمعات المثقلة بالنظافة، غالباً ما يكون الحليب الخام موضع استياء، لأنه قد يكون مصدراً لالتهابات عنيفة سببها جراثيم قد تحمل معها الشر المسيطر، مثل الليستريا والسالمونيلا والعصيات القولونية. قد لا يكون شرب الحليب النيء مشكلة في بلدان تكون فيها النظافة مثالية، أما في البلدان التي لا تتوفر فيها أسس النظافة، فشرب الحليب النيء قد يكون مشكلة المشكلات، لأن أشياء كثيرة يمكن أن تؤثر على سلامته وجودته، بدءاً من مصدره وحتى وصوله إلى المتجر، لهذا لا يوصى به في مثل هذه البلدان.
إن الطريقة الوحيدة للتأكد من أن الحليب قابل للشرب هي البسترة، التي تقتل العوامل المُمْرضة وتطيل من أمد صلاحيته. قد يقول مناصرو الحليب النيء بأن البسترة تقتل البكتيريا الحيوية، ولكن حتى لو كانت هذه البكتيريا ميتة، فهي تظل تلعب دوراً إيجابياً على صعيد المناعة والميكروبات الحيوية، ولعل الأكثر أهمية في البسترة أنها تضمن السلامة، التي لا يمكن تحقيقها مع الحليب النيء حتى ولو تم الحصول عليه من مزرعة موثوق بها.