قد يبدو تحريك الجسم أمرًا مقلقًا لمرضى الرجفان الأذيني، خصوصًا لدى من يعانون الخفقان أو التعب أو ضيق النفس. لكن دراسة نرويجية أفادت أن النشاط البدني لمرضى الرجفان الأذيني قد يعود بالفائدة عليهم؛ حتى عندما يكون بمستويات منخفضة، فقد يرتبط بانخفاض خطر السكتة الدماغية والوفاة مقارنة بالخمول. ولا تعني هذه النتائج أن ممارسة الرياضة تعالج الرجفان الأذيني أو تغني عن الأدوية، لكنها تدعم الأدلة التي تدعو إلى إدراج النشاط البدني ضمن خطة شاملة لضبط هذا الاضطراب.
ماذا وجدت الدراسة الجديدة عن النشاط البدني لمرضى الرجفان الأذيني ؟
حلل الباحثون بيانات 87,340 شخصًا بالغًا من دراستين سكانيتين كبيرتين في النرويج، هما دراسة HUNT ودراسة Troms، لمتابعة العلاقة بين النشاط البدني والرجفان الأذيني والسكتة الدماغية والوفاة. وكان من بين المشاركين 6,539 شخصًا مصابين بالرجفان الأذيني عند بداية الدراسة أو أصيبوا به خلال فترة المتابعة.
وتابع الباحثون المشاركين لمدة متوسطها نحو 13.5 عامًا، مع الاستعانة بالسجلات الصحية الوطنية لتحديد حالات الرجفان الأذيني والسكتة الدماغية والوفيات. وصُنّف المشاركون وفق مستوى نشاطهم البدني إلى مجموعات تراوحت بين الخمول والنشاط المنخفض والمتوسط والمرتفع.
وخلال فترة المتابعة، سُجلت 3,415 حالة سكتة دماغية و7,833 وفاة. وأظهرت النتائج أن المستويات الأعلى من النشاط البدني ارتبطت عمومًا بانخفاض خطر السكتة والوفاة مقارنة بالخمول، وكانت هذه العلاقة موجودة حتى لدى الأشخاص الذين أبلغوا عن مستويات منخفضة من النشاط.
ما حجم الانخفاض في خطر السكتة والوفاة بممارسة النشاط البدني لمرضى الرجفان الأذيني ؟
مقارنة بالأشخاص غير النشطين، ارتبط النشاط البدني المنخفض والمتوسط والمرتفع بانخفاض خطر السكتة الدماغية بنسبة:
-
9% مع النشاط المنخفض.
-
19% مع النشاط المتوسط.
-
18% مع النشاط المرتفع.
كما ارتبطت هذه المستويات من النشاط بانخفاض خطر الوفاة الناتجة عن مختلف الأسباب بنسبة:
-
11% مع النشاط المنخفض.
-
18% مع النشاط المتوسط.
-
22% مع النشاط المرتفع.
وتشير هذه النتائج إلى أن الانتقال من الخمول الكامل إلى قَدْر من النشاط قد يكون خطوة مفيدة، على عكس المفهوم الشائع بأن الفائدة لا تبدأ إلا بعد الوصول إلى مستويات مرتفعة من اللياقة. لكن من المهم الانتباه إلى أن هذه النسب تمثل انخفاضًا نسبيًا في الخطر، ولا تعني أن ممارسة الرياضة تضمن تجنب السكتة أو الوفاة.
هل تثبت الدراسة أن النشاط البدني يمنع السكتة الدماغية؟
ليس بالضرورة. فالدراسة رصدية، أي إن الباحثين تابعوا مستويات النشاط لدى المشاركين، وقارنوها بالنتائج الصحية، ولم يوزعوا المشاركين عشوائيًا على برامج رياضية مختلفة النشاط. لذلك، لا يمكن الجزم بأن النشاط البدني هو السبب المباشر لانخفاض خطر السكتة أو الوفاة. فقد تكون هناك عوامل أخرى مرتبطة بنمط الحياة والصحة العامة ساهمت في حدوث هذه النتائج. كما أن مستوى النشاط البدني اعتمد على ما أبلغ عنه المشاركون، وليس على قياسات مستقلة بواسطة أجهزة تتبع النشاط.
ولهذا، فإن الصياغة العلمية الأدق هي أن النشاط البدني ارتبط بانخفاض احتمال حدوث السكتة والوفاة لدى المصابين بالرجفان الأذيني، دون أن يثبت أنه يمنع هذه الأحداث.
لماذا قد يكون النشاط البدني مهمًا لمرضى الرجفان الأذيني ؟
الرجفان الأذيني هو اضطراب في نظم القلب يجعل ضربات القلب غير منتظمة، وقد يؤدي إلى ضعف تدفق الدم وزيادة احتمال تشكل الجلطات لدى بعض المرضى، ما يزيد احتمال حدوث السكتة الدماغية.
لكن أهمية النشاط البدني لمرضى الرجفان الأذيني لا تقتصر على خفض خطر السكتة. فالنشاط المنتظم يمكن أن يساعد على تحسين اللياقة القلبية وجودة الحياة، كما تشير الأدلة إلى إمكانية مساهمته في تقليل أعراض الرجفان الأذيني وعبء النوبات لدى بعض المرضى.
تضع إرشادات الجمعية الأوروبية لأمراض القلب لعام 2024 معالجة عوامل الخطر والأمراض المصاحبة ونمط الحياة ضمن إطار أساسي لضبط الرجفان الأذيني، في حين تتضمن الإرشادات الأميركية توصيات محددة بشأن التدريبات الهوائية لدى المصابين بالرجفان الأذيني.
هل يحتاج مريض الرجفان الأذيني إلى 210 دقائق من النشاط أسبوعيًا؟
ليس شرطًا أن يحقق كل مريض 210 دقائق من النشاط البدني أسبوعيًا منذ البداية. لكن يوصى بالتدريب الهوائي المتوسط إلى شديد الشدة بهدف الوصول إلى 210 دقائق أسبوعيًا للأشخاص المصابين بالرجفان الأذيني، بهدف المساعدة في تقليل أعراض الرجفان وعبئه وتحسين القدرة الوظيفية وجودة الحياة.
لكن هذه التوصية لا تعني أن الشخص غير النشط لن يستفيد إلا بعد الوصول إلى 210 دقائق، فالدراسة النرويجية الحديثة تشير إلى أن المستويات المنخفضة من النشاط ارتبطت أيضًا بانخفاض الخطر مقارنة بالخمول.
وهنا تكمن الرسالة العملية: إذا كان الشخص قليل الحركة، فقد يكون البدء بقدر بسيط يمكن تحمله خطوة أفضل من انتظار القدرة على ممارسة التمارين لفترات طويلة. ومع مرور الوقت، يمكن زيادة مدة النشاط وشدته وتكراره تدريجيًا، وفق الحالة الصحية وقدرة الشخص.
ما التمارين المناسبة؟
لا يعني النشاط البدني لمرضى الرجفان الأذيني البدء بتمارين شديدة أو طويلة. وبالنسبة لمن اعتادوا الخمول، يمكن البدء بأنشطة بسيطة مثل:
-
المشي لفترات قصيرة وزيادة المدة تدريجيًا.
-
ركوب الدراجة أو استخدام الدراجة الثابتة.
-
السباحة إذا كانت مناسبة للحالة الصحية.
-
تقسيم النشاط إلى فترات قصيرة خلال اليوم.
-
زيادة مدة التمرين تدريجيًا قبل زيادة شدته.
والهدف الأساسي هو الاستمرارية والتدرج، وليس الوصول إلى أقصى جهد ممكن. كما ينبغي أن يكون مستوى التمرين مناسبًا للحالة القلبية والأعراض والأمراض المصاحبة، خصوصًا لدى الأشخاص الذين لديهم قصور في القلب أو مرض قلبي آخر.
وتؤكد الإرشادات الأميركية أن التدريبات الهوائية المنتظمة يمكن أن يكون جزءًا من استراتيجية تحسين أعراض الرجفان الأذيني، مع تحديد مستوى النشاط وفق حالة كل مريض.
هل يمكن للنشاط البدني أن يحل محل علاج الرجفان الأذيني؟
لا. النشاط البدني لمرضى الرجفان الأذيني هو جزء من نمط الحياة الصحي ومن الإدارة الشاملة لهذا المرض، لكنه لا يحل محل العلاج الطبي. فبعض المرضى قد يحتاجون إلى أدوية للتحكم في سرعة القلب أو نظم القلب، وقد يحتاج آخرون إلى إجراءات مثل تقويم نظم القلب أو العلاج بالقسطرة وفق نوع الرجفان والأعراض والاستجابة للعلاج.
كما أن الوقاية من السكتة تعتمد على تقييم خطر السكتة لدى كل مريض، وقد يكون من الضروري استخدام مضادات التخثر لدى معظم المرضى. لذلك، لا ينبغي إيقاف مضاد التخثر أو أي دواء آخر موصوف بسبب بدء ممارسة الرياضة أو تحسن اللياقة البدنية.
متى ينبغي الحذر؟
لا يعني تشخيص الرجفان الأذيني أن المريض ينبغي أن يتجنب النشاط البدني، لكن من المهم أن يتناسب مستوى التمرين مع حالته الصحية العامة. ويُفضل استشارة الطبيب قبل بدء برنامج رياضي جديد، خصوصًا إذا كان الشخص:
-
لا يمارس النشاط البدني منذ فترة طويلة.
-
يعاني نوبات متكررة أو شديدة من الرجفان الأذيني.
-
يعاني من مرض قلبي آخر.
-
يعاني ضيقًا واضحًا في التنفس أو دوخة مع الجهد.
-
لم تتم السيطرة على سرعة القلب لديه بشكل مناسب.
-
يعاني من أعراض قلبية جديدة أو متفاقمة.
وينبغي التوقف عن التمرين وطلب التقييم الطبي عند ظهور أعراض شديدة مثل ألم أو ضغط في الصدر، أو ضيق تنفس شديد أو غير معتاد، أو إغماء أو شبه الإغماء، أو أعراض حادة جديدة. كما لا ينبغي للمريض أن يرفع شدة التمرين بصورة مفاجئة لمجرد محاولة الوصول إلى هدف أسبوعي محدد.
ماذا تقول الدراسة عن الحركة الخفيفة؟
أحد أهم جوانب الدراسة الجديدة هو أنها لا تقدم رسالة مفادها أن الرياضة «الأكثر دائمًا أفضل» بصورة مطلقة، وإنما تشير إلى أن الابتعاد عن الخمول قد يكون مهمًا حتى عندما تكون مستويات النشاط في البداية منخفضة.
وهذا مهم خصوصًا للأشخاص الذين يشعرون أن ممارسة الرياضة تتطلب ساعة كاملة يوميًا أو مستوى مرتفعًا من اللياقة. فقد يكون المشي لفترة قصيرة بداية عملية، ثم يمكن زيادة النشاط تدريجيًا مع تحسن القدرة البدنية.
ومع ذلك، لا ينبغي تفسير النتائج على أن أي قدر من الحركة يمنع السكتة، لأن الدراسة رصدية ولا تثبت علاقة سببية مباشرة.
نصيحة من موقع صحتك Sehatok
إذا كنت مصابًا بالرجفان الأذيني وكنت قليل الحركة، فلا تجعل الخوف من اضطراب النبض سببًا للخمول التام. ابدأ بما يمكنك القيام به بأمان، ثم زد النشاط تدريجيًا وفق حالتك الصحية وتوجيه طبيبك.
أشارت الأدلة الحديثة إلى أن النشاط البدني لمرضى الرجفان الأذيني يمكن أن يكون جزءًا مهمًا من نمط حياة صحي، كما ارتبط في الدراسة النرويجية الجديدة بانخفاض خطر السكتة والوفاة حتى عند مستويات النشاط المنخفضة مقارنة بالخمول.
لكن النشاط البدني لا يحل محل تناول أدوية مضادات التخثر أو أدوية التحكم في النظم والسرعة أو أي علاج آخر يصفه الطبيب.
والرسالة الأهم: لا تنتظر حتى تصبح قادرًا على ممارسة الرياضة لفترة طويلة كي تبدأ؛ فالابتعاد عن الخمول قد يكون الخطوة الأولى، ثم يأتي التدرج والاستمرار.



