أصبحت الأطعمة المصنعة جزءًا أساسيًا من النظام الغذائي لدى ملايين الأشخاص حول العالم، ويرجع ذلك إلى سهولة الحصول عليها وطول فترة صلاحيتها. إلا أن تزايد الاعتماد على هذه المنتجات دفع الباحثين إلى دراسة تأثير مكوناتها المختلفة على الصحة، وخاصة المواد الحافظة التي تضاف لمنع التلف وإطالة مدة التخزين. وفي هذا السياق، كشَفت دراسة حديثة واسعة النطاق عن نتائج مثيرة للاهتمام تشير إلى وجود علاقة محتملة بين المواد الحافظة الغذائية وارتفاع ضغط الدم إضافة إلى زيادة احتمال الإصابة ببعض أمراض القلب والأوعية الدموية. ورغم أن النتائج لا تثبت وجود علاقة سببية مباشرة، فإنها تثير تساؤلات مهمة حول التأثيرات الصحية طويلة المدى لبعض الإضافات الغذائية الشائعة.
المواد الحافظة الغذائية وارتفاع ضغط الدم ، ماذا كشَفت الدراسة؟
اعتمدَت الدراسة على بيانات أكثر من 112 ألف شخص شاركوا في مشروع بحثي غذائي كبير في فرنسا، وتمت متابعة المشاركين لمدة تقارب ثماني سنوات. وخلال هذه الفترة راقب الباحثون الأنظمة الغذائية للمشاركين بدقة، مع التركيز على استهلاك المواد الحافظة الموجودة في الأغذية المصنعة.
أظهَرت النتائج تسجيل آلاف الحالات الجديدة من ارتفاع ضغط الدم (Hypertension) وأمراض القلب والأوعية الدموية (Cardiovascular Disease)، ما أتاح للباحثين دراسة العلاقة بين استهلاك المواد الحافظة وخطر الإصابة بهذه المشكلات الصحية.
ولزيادة دقة النتائج، أخذ الباحثون في الاعتبار العديد من العوامل التي قد تؤثر في صحة القلب وضغط الدم، مثل: العمر والجنس والنشاط البدني والتدخين ومؤشر كتلة الجسم (Body Mass Index) والعادات الغذائية الأخرى.
المواد الحافظة الغذائية وارتفاع ضغط الدم والمواد الأكثر استهلاكًا
تمكن الباحثون من تحديد 58 نوعًا مختلفًا من المواد الحافظة التي استهلكها المشاركون، إلا أن التحليل ركّز على الأنواع الأكثر شيوعًا. ومن أبرز المواد الحافظة التي تبين أنها واسعة الانتشار:
- حمض الستريك (Citric Acid).
- الليسيثين (Lecithins).
- الكبريتيتات (Sulphites).
- حمض الأسكوربيك (Ascorbic Acid).
- نتريت الصوديوم (Sodium Nitrite).
- سوربات البوتاسيوم (Potassium Sorbate).
- إريثوربات الصوديوم (Sodium Erythorbate).
- أسكوربات الصوديوم (Sodium Ascorbate).
- ميتابيسلفيت البوتاسيوم (Potassium Metabisulfite).
- نترات البوتاسيوم (Potassium Nitrate).
وتوجد هذه المواد في مجموعة واسعة من المنتجات الغذائية مثل: اللحوم المصنَّعة والمشروبات الغازية وبعض المخبوزات والوجبات الجاهزة والصلصات التجارية.
المواد الحافظة الغذائية وارتفاع ضغط الدم.. أرقام لافتة
أظهَرت الدراسة أن ارتفاع استهلاك المواد الحافظة بشكل عام ارتبط بزيادة الإصابة بارتفاع ضغط الدم بنسبة 24%. كما سجل الباحثون نتائج أخرى مهمة، إذ ارتبط الاستهلاك المرتفع للمواد الحافظة غير المضادة للأكسَدة بزيادة هذا الخطر بنسبة 29%، بينما ارتبطت المواد الحافظة المضادة للأكسدة بزيادة بلغت 22%.
وتشير هذه النتائج إلى أن العلاقة بين المواد الحافظة الغذائية وارتفاع ضغط الدم قد تكون أكثر تعقيدًا مما كان يعتقد سابقًا، خاصة أن التأثيرات ظهَرت حتى بعد استبعاد العديد من العوامل الصحية والغذائية الأخرى.
أي نوع من المواد الحافظة الغذائية كان الأكثر ارتباطًا؟
عند تحليل كل مادة حافظة بشكل منفصل، وجَد الباحثون أن بعض الأنواع ارتبطت بارتفاع أكبر في الإصابة بارتفاع ضغط الدم. وكانت أبرز النتائج كما يلي:
- سوربات البوتاسيوم: زيادة هذا الخطر بنسبة 39%.
- حمض الستريك: زيادة الخطر بنسبة 25%.
- ميتابيسلفيت البوتاسيوم: زيادة الخطر بنسبة 16%.
- نتريت الصوديوم: زيادة الخطر بنسبة 16%.
- حمض الأسكوربيك: زيادة الخطر بنسبة 14%.
- إريثوربات الصوديوم: زيادة الخطر بنسبة 14%.
- الكبريتيتات: زيادة الخطر بنسبة 11%.
- مستخلصات إكليل الجبل: زيادة الخطر بنسبة 10%.
وتوضح هذه الأرقام أن بعض المواد الحافظة المستخدَمة في المنتجات الغذائية قد تستحق مزيدًا من الدراسة لفهم تأثيرها المحتمل على ضغط الدم وصحة القلب.
ما علاقة المواد الحافظة وأمراض القلب
لم تقتصر النتائج على ضغط الدم فقط، إذ وجَد الباحثون أن الاستهلاك المرتفع لبعض المواد الحافظة ارتبط أيضًا بزيادة معدلات الإصابة بأمراض القلب والشرايين.
وكان حمض الأسكوربيك (الفيتامين سي C) المستخدَم كمادة حافظة هو المركّب الوحيد الذي حافظ على ارتباط إحصائي واضح بزيادة الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية بنسبة 15%.
ومن المهم الإشارة إلى أن هذه النتيجة لا تعني أن الفيتامين سي الموجود طبيعيًا في الفواكه والخضروات ضار بالصحة، بل تتعلق باستخدامه كمادة مضافة في المنتجات الغذائية المصنَّعة.
هل تثبت الدراسة وجود علاقة مباشرة؟
رغم أهمية النتائج، فإن الباحثين شددوا على أن هذه الدراسة من النوع الرصدي (Observational Study)، وهو ما يعني أنها تستطيع رصد الارتباطات بين العوامل المختلفة لكنها لا تستطيع إثبات أن المواد الحافظة هي السبب المباشر في الإصابة بارتفاع ضغط الدم أو أمراض القلب.
وبعبارة أخرى، قد تكون هناك عوامل أخرى غير معروفة تلعب دورًا في هذه العلاقة، وهو ما يستدعي إجراء المزيد من الدراسات المستقبلية لفهم الآليات البيولوجية المحتملة بشكل أوضح.
لماذا يهتم العلماء بدراسة المواد الحافظة الغذائية وارتفاع ضغط الدم ؟
تكمن أهمية هذه النتائج في أن المواد الحافظة أصبحت جزءًا من النظام الغذائي الحديث. فمع الانتشار الواسع للأطعمة فائقة المعالجة (Ultra-Processed Foods)، أصبح من الصعب تجنب التعرض لهذه المواد بشكل كامل.
كما أن كثيرًا من المنتجات التي يستهلكها الناس يوميًا تحتوي على أكثر من نوع من المواد الحافظة، وهو ما يزيد من أهمية تقييم تأثيراتها المحتملة على المدى الطويل، خاصة فيما يتعلق بصحة القلب والأوعية الدموية.
نصيحة من موقع صحتك Sehatok
لا تعني هذه الدراسة ضرورة التوقف تمامًا عن تناول جميع المنتجات الغذائية الجاهزة، لكنها تبرز أهمية الاعتدال والاعتماد بصورة أكبر على الأغذية الطبيعية. وللمساعدة في تقليل التعرض للمواد الحافظة يمكن اتباع الخطوات التالية:
- الإكثار من تناول الخضروات والفواكه الطازجة.
- اختيار الحبوب الكاملة بدل المنتجات شديدة التصنيع.
- تقليل استهلاك اللحوم المصنعة الغنية بالنترات والنتريت.
- الحد من تناول المشروبات الغازية والمشروبات المحلاة.
- قراءة الملصقات الغذائية بعناية قبل الشراء.
- اختيار المنتجات التي تحتوي على عدد أقل من المكونات المضافة.
كما أن زيادة استهلاك الألياف الغذائية (Dietary Fiber) من المصادر الطبيعية تدعم صحة الأمعاء والقلب، وقد تساعد في تحسين جودة النظام الغذائي بشكل عام.
نهايةً، تسلط هذه الدراسة الضوء على ملف صحي يزداد أهمية مع تزايد استهلاك الأغذية المصنَّعة حول العالم. وبينما لا تزال الحاجة قائمة لإجراء المزيد من الأبحاث، فإن النتائج الحالية تشير إلى أن المواد الحافظة الغذائية وارتفاع ضغط الدم قد يرتبطان بطريقة تستحق الاهتمام والمتابعة.
ويبقى السؤال مفتوحًا أمام الباحثين والجهات الرقابية: هل ستؤدي هذه النتائج إلى إعادة تقييم سلامة بعض المواد الحافظة المستخدَمة حاليًا؟ وهل سيصبح المستهلكون أكثر وعيًا بما تحتويه الأطعمة التي يتناولونها يوميًا؟ السنوات القادمة قد تحمل الإجابة.