يُعد التشخيص المبكر من أهم الأسلحة في مواجهة الأمراض العصبية، لكن ماذا لو أصبح بالإمكان اكتشاف علامات الخرف المبكرة قبل سنوات من ظهور فقدان الذاكرة أو التراجع في القدرات الذهنية؟ هذا السؤال أصبح محور العديد من الدراسات الحديثة التي تشير إلى أن بعض تحاليل الدم قد تفتح آفاقًا جديدة للكشف المبكر عن هذا المرض، وربما تمنح الأطباء فرصة للتدخل في مرحلة يكون فيها الدماغ أقل تعرضًا للضرر. ورغم أن هذه الاختبارات لا تُغني حتى الآن عن وسائل التشخيص التقليدية، فإن نتائجها تعزز الأمل في تطوير وسائل أكثر سهولة وأقل تكلفة مقارنة بفحوصات تصوير الدماغ أو تحليل السائل الدماغي الشوكي.
لماذا أصبح الكشف المبكر عن علامات الخرف المبكرة أولوية؟
تزداد أهمية البحث عن علامات الخرف المبكرة مع التقدم في العمر، إذ تشير بيانات جمعية ألزهايمر إلى أن نحو 74% من المصابين بمرض ألزهايمر يعانون منه بعد سن 75 عامًا؛ وقد يظهَر أيضًا لدى أشخاص تقل أعمارهم عن 65 عامًا فيما يُعرف بالخرف المبكر (Early-onset Dementia).
ويرى الباحثون أن التغيرات البيولوجية داخل الدماغ تبدأ قبل سنوات أو حتى عقود من ظهور الأعراض، لذلك فإن اكتشاف علامات الخرف المبكرة عبر تحليل دم بسيط قد يساعد في:
- بدء العلاج في مرحلة مبكرة.
- إبطاء تطور المرض.
- متابعة الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة.
- اختيار المرضى المناسبين للتجارب السريرية الخاصة بالعلاجات الجديدة.
بروتينات تاو وبيتا أميلويد قد تكشف التراجع الإدراكي مبكرًا
أظهَرت دراسة نُشرت في مجلة The Lancet عام 2026، وشملت نحو 1300 مشارك تتراوح أعمارهم بين 53 و69 عامًا، لم يكن أي منهم مصابًا بالخرف عند بداية الدراسة، أن ارتفاع مستويات بروتينَي تاو (Tau) وبيتا أميلويد (Beta-amyloid) في الدم قد يرتبط بظهور علامات الخرف المبكرة حتى قبل التشخيص الرسمي بسنوات.
وأوضح الباحثون أن حوالي 6% من المشاركين امتلكوا مستويات مرتفعة من هذين البروتينَين، وبعد مرور 5 سنوات أظهروا تراجعًا إدراكيًا أكبر مقارنة بغيرهم.
ويُعتقد أن البروتين بيتا أميلويد يتراكم داخل الدماغ مُشكّلًا لويحات تؤثر في الخلايا العصبية، في حين يؤدي البروتين تاو عند تعرضه لتغيرات مرَضية إلى تشكيل تشابكات داخل الخلايا العصبية تعيق عملها، وهو ما يُعد من أبرز السمات البيولوجية لمرض ألزهايمر.
بروتين pTau217 قد يتنبأ بالخرف قبل 25 عامًا
في دراسة أخرى نُشرت في JAMA Network Open، تابع الباحثون 2766 امرأة مسنة لم تكن لديهنّ أي مشكلات في الذاكرة أو التفكير عند بدء الدراسة. وأظهَرت النتائج أن ارتفاع مستوى بروتين تاو الفوسفوري 217 (Phosphorylated Tau 217 - pTau217) في البلازما قد يرتبط بظهور علامات الخرف المبكرة قبل ظهور الأعراض بما يصل إلى 25 عامًا.
وضمت المجموعة ذات المستويات المرتفعة من هذا البروتين 1311 مشاركة، وكانت النساء فيها أكثر عرضة للإصابة بضعف إدراكي بسيط أو بالخرف خلال فترة المتابعة. كما لاحظ الباحثون أن خطر التراجع الإدراكي كان أكبر لدى:
- النساء اللواتي تجاوزن عمر 70 عامًا.
- حاملات الجين APOE ε4 المرتبط بزيادة احتمالات الإصابة بمرض ألزهايمر.
ومع ذلك، أكد الباحثون أن الدراسة اقتصرت على نساء بعد انقطاع الطمث، لذلك لا يمكن تعميم النتائج على الرجال أو الفئات العمرية الأصغر دون مزيد من الأبحاث.
تحليل pTau217 قد يتفوق على بعض فحوصات الدماغ
في دراسة نُشرت في مجلة Nature Communications عام 2026، تابع العلماء 317 شخصًا تتراوح أعمارهم بين 50 و90 عامًا لمدة متوسطها 8 سنوات، ولم يكن أي منهم يعاني من مشكلات معرفية عند بداية الدراسة. وأظهَرت النتائج أن ارتفاع مستوى pTau217 في الدم ارتبط بتسارع التراجع الإدراكي، كما ارتبط بزيادة تراكم بروتين أميلويد بيتا (Amyloid-beta) داخل الدماغ.
وأشار الباحثون إلى أن نتائج تحليل الدم كانت في بعض الحالات قريبة جدًا من نتائج التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني (Positron Emission Tomography - PET) المستخدَم للكشف عن ترسبات الأميلويد، بل إن إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (Food and Drug Administration - FDA) اعتمدتا بالفعل اختبارين سريرين قائمين على قياس هذا البروتين.
وتشير هذه النتائج إلى أن علامات الخرف المبكرة قد تُكتشف مستقبلًا بواسطة تحليل دم بسيط بدلًا من الاعتماد على الفحوصات المعقدة مرتفعة التكلفة.
بكتيريا الأمعاء قد تحمل علامات الخرف المبكرة
لم تعد الأبحاث تركّز على الدماغ وحده، بل امتدت إلى دراسة العلاقة بين الأمعاء والدماغ فيما يُعرف بمحور الأمعاء والدماغ (Gut-Brain Axis).
فقد درس باحثون من جامعة إيست أنجليا البريطانية عينات دم وبراز من 15 شخصًا تجاوزوا سن 50 عامًا، واستخدموا تقنيات التعلم الآلي (Machine Learning) لتحليل 33 مستقلَبًا (Metabolites) ناتجًا عن نشاط بكتيريا الأمعاء.
وأظهَرت النتائج أن الأشخاص الذين ظهَرت لديهم علامات الخرف المبكرة أو ضعف إدراكي بسيط سُجل لديهم:
- انخفاض في المركّبات الواقية للخلايا العصبية.
- ارتفاع في مركّب إندوكسيل سلفات (Indoxyl Sulfate) المعروف بتأثيراته السامة على الخلايا.
ورغم أن الدراسة صغيرة الحجم ولا تثبت وجود علاقة سببية، فإنها تعزز فرضية أن صحة الأمعاء قد تؤثر في صحة الدماغ، وقد توفر مستقبلًا وسيلة إضافية للكشف المبكر.
ماذا تعني هذه النتائج للمرضى؟
رغم الحماس الكبير لهذه الدراسات، فإن الخبراء يؤكدون أن هذه الاختبارات لا تُستخدم حاليًا كوسيلة تشخيص نهائية، وإنما تساعد في تقييم الإصابة ورصد علامات الخرف المبكرة لدى الأشخاص الأكثر عرضة لهذا المرض.
كما أن نتائج تحاليل الدم ينبغي تفسيرها إلى جانب التاريخ المرَضي، والفحص العصبي، واختبارات الذاكرة، وأحيانًا فحوصات التصوير الطبي، لأن الإصابة لا تعتمد على مؤشر واحد فقط.
نصيحة من موقع صحتك Sehatok
إذا كان لديك تاريخ عائلي للإصابة بمرض ألزهايمر أو بدأت تلاحظ تغيرات مستمرة في الذاكرة أو التفكير، فلا تتجاهل الأمر. مراجعة الطبيب في وقت مبكر قد تساعد على اكتشاف علامات الخرف المبكرة قبل تطور الأعراض، كما أن الحفاظ على النشاط البدني، واتباع نظام غذائي متوازن، والسيطرة على ضغط الدم والسكري والكوليسترول، والنوم الجيد، وتحفيز الدماغ بالقراءة والتعلم، كلها عوامل قد تقلل خطر التدهور الإدراكي مع التقدم في العمر وفق الدراسات.
وفي النهاية، تمثل هذه الأبحاث خطوة واعدة نحو مستقبل قد يصبح فيه تحليل دم بسيط قادرًا على كشف علامات الخرف المبكرة قبل سنوات من ظهور المرض. لكن هل ستتحول هذه النتائج إلى اختبارات متاحة للجميع؟ وهل ينجح الاكتشاف المبكر وحده في تغيير مسار المرض مع تطور العلاجات الجديدة؟ السنوات المقبلة قد تحمل الإجابة.



