في السنوات الأخيرة، ازدادت شعبية المُحليات الصناعية (Artificial Sweeteners) بشكل ملحوظ، إذ يلجأ إليها الكثيرون كبديل للسكر الطبيعي لتقليل السعرات الحرارية والتحكم في الوزن، أو للحفاظ على مستوى سكر الدم، خاصة عند مرضى السكري. ومع ذلك، تثير الأبحاث العلمية الحديثة قلقًا متزايدًا حول تأثير المحليات الصناعية على القدرات الإدراكية وصحة الدماغ (Brain Health)، خصوصًا لدى الأشخاص في منتصف العمر.
تُشير دراسة حديثة أُجريت في البرازيل على آلاف الموظفين الحكوميين إلى أن الإفراط في تناول المحليات الصناعية قد يكون مرتبطًا بتراجع ملحوظ في القدرات الإدراكية، مثل الذاكرة (Memory) والطلاقة اللفظية (Verbal Fluency). هذه النتائج أثارت نقاشًا واسعًا بين الخبراء حول مدى أمان هذه البدائل التي كان يُنظر إليها سابقًا على أنها خالية من المخاطر.
ما هي المحليات الصناعية؟
المحليات الصناعية (Artificial Sweeteners) هي مواد مُصنّعة أو مستخلصة تُستخدم كبدائل للسكر الطبيعي. من أبرزها:
-
الأسبارتام (Aspartame)
-
السكارين (Saccharin)
-
أسيسلفام-ك (Acesulfame-K)
-
الإريثريتول (Erythritol)
-
السوربيتول (Sorbitol)
-
الزيليتول (Xylitol)
تُستخدم هذه المواد في مجموعة واسعة من المنتجات مثل المشروبات الغازية "الدايت"، ومشروبات الطاقة، والزبادي قليل السعرات، والحلويات منخفضة السعرات، وبعض الوجبات الخفيفة. وعلى الرغم من أنها تحتوي أقل سعرات حرارية من السكر الطبيعي، إلا أن الدراسات الحديثة بدأت تكشف عن تأثير المحليات الصناعية على القدرات الإدراكية، مما يثير قلقًا حول استخدامها المفرط خاصة في مرحلة منتصف العمر.
تأثير المحليات الصناعية على القدرات الإدراكية وتفاصيل الدراسة
أجريت الدراسة على أكثر من 12,700 موظف حكومي في إطار مشروع الدراسة الطولية للصحة عند البالغين في البرازيل (Brazilian Longitudinal Study of Adult Health – ELSA-Brasil). تمت متابعة المشاركين لمدة 8 سنوات تقريبًا، وتراوحت أعمارهم بين 35 و59 عامًا عند بدء الدراسة. كانت النتائج الرئيسية:
-
الأشخاص في منتصف العمر الذين تناولوا كميات أعلى من المحليات الصناعية أظهَروا تراجعًا أسرع في الطلاقة اللفظية (Verbal Fluency) والذاكرة، مقارنةً بأولئك الذين استهلكوا كميات أقل.
-
لم يُلاحَظ نفس التأثير لدى الأشخاص فوق سن 60 عامًا، مما يشير إلى أن تأثير المحليات الصناعية على القدرات الإدراكية قد يكون أكثر وضوحًا في منتصف العمر.
-
سواء كان الشخص مصابًا بالسكري أم لا، فإن الارتباط بين الإفراط في استهلاك المحليات الصناعية وتراجع القدرات الإدراكية ظل قائمًا.
لماذا منتصف العمر مهم؟
منتصف العمر هو الفترة التي يبدأ فيها الدماغ في مواجهة بعض التغيرات الطبيعية المرتبطة بالعمر. وربما إدخال أي عامل إضافي مثل النظام الغذائي أو نمط الحياة قد يسرّع أو يبطئ من التدهور المعرفي (Cognitive Decline)، ويبدو حسب نتائج هذه الدراسة أن تأثير المحليات الصناعية على القدرات الإدراكية في هذه المرحلة قد يكون حاسمًا على المدى الطويل.
مقارنة بين المصابين بالسكري وغير المصابين
-
غير المصابين بالسكري: كان الارتباط الأقوى مع تراجع الطلاقة اللفظية والقدرات العامة للإدراك.
-
المصابون بالسكري: ظهَر التراجع بشكل أوضح في الذاكرة (Memory) والقدرات الإدراكية العامة.
ويُعزى ذلك إلى أن مرضى السكري أكثر ميلاً لاستخدام المحليات الصناعية كبديل عن السكر، مما قد يزيد تعرضهم لهذه التأثيرات. وهنا يظهَر جليًا تأثير المحليات الصناعية على القدرات الإدراكية عند هذه الفئة.
آليات بيولوجية محتملة
يَعتقد الباحثون أن هناك عدة آليات قد تفسر تأثير المحليات الصناعية على القدرات الإدراكية مثل:
-
تأثيرات وعائية (Vascular Effects): بعض المحليات مثل الإريثريتول ارتبطت بزيادة نشاط الصفائح الدموية (Platelet Reactivity) وزيادة احتمالية تكوّن الجلطات (Thrombosis)، مما قد يقلل من تدفق الدم إلى الدماغ.
-
ضعف إنتاج أكسيد النيتريك (Nitric Oxide Production): وهو مادة مهمة للحفاظ على تدفق الدم داخل الأوعية الدماغية، وانخفاضها قد يضر بصحة الدماغ.
-
الإجهاد التأكسدي (Oxidative Stress) والالتهاب العصبي (Neuroinflammation): هي عمليات قد تسبب تلف الخلايا العصبية وتدهور الذاكرة والقدرات المعرفية.
كل هذه العوامل تعزز من احتمالية أن يكون هناك بالفعل تأثير للمحليات الصناعية على القدرات الإدراكية.
اختلاف بين المحليات
لم تُظهِر هذه الدراسة وجود علاقة بين جميع المحليات الصناعية والتدهور الإدراكي. فمثلاً:
-
تأثير واضح: الأسبارتام، والسكارين، والأسيسلفام-ك، والإريثريتول، والسوربيتول، والزيليتول.
-
لا تأثير ملحوظ: التاجاتوز (Tagatose)، وهو نوع طبيعي من السكر.
هذا يشير إلى أن تأثير المحليات الصناعية على القدرات الإدراكية قد يختلف حسب نوع المُحلّي المستخدَم.
دور الأغذية فائقة التصنيع
الأطعمة والمشروبات فائقة التصنيع (Ultraprocessed Foods) مثل المشروبات الغازية "الدايت"، ومشروبات الطاقة، والحلويات منخفضة السعرات، والوجبات الخفيفة، تُعد المصدر الأساسي لهذه المحليات الصناعية. وبينما يرى بعض الأشخاص أنها بديل صحي للسكر، بدأت الأدلة تتراكم على وجود تأثير للمحليات الصناعية على القدرات الإدراكية، مما يجعل الاعتماد المفرط عليها أمرًا مقلقًا.
تفسيرات بديلة وآراء الخبراء
رغم قوة الدراسة، إلا أن هناك بعض القيود:
-
تم الاعتماد على استبيانات غذائية، مما قد يؤدي إلى أخطاء في الإبلاغ.
-
بعض المحليات مثل السكرالوز (Sucralose) والاستيفيا لم تُدرج في الدراسة.
-
لم يتم قياس استهلاك الأغذية إلا مرة واحدة في بداية البحث.
لكن الخبراء يشيرون إلى أن هذه النتائج تعزز من فكرة أن المواد المضافة في الأغذية، والتي كان يُعتقد أنها آمنة، قد يكون لها بالفعل تأثير على القدرات الإدراكية لم يكن متوقعًا.
هل هناك بدائل صحية؟
اقترح بعض الباحثين أنه قد يكون من الأفضل استخدام بدائل طبيعية للسكر مثل:
-
العسل (Honey)
-
دبس القيقب (Maple Syrup)
-
السكر المستخرَج من جوز الهند (Coconut Sugar)
-
صلصة التفاح (Applesauce)
نهايةً، ورغم أن المحليات الطبيعية تحتوي على سعرات حرارية أعلى من المحليات الصناعية البديلة، إلا أنها قد تكون أقل ضررًا من حيث تأثير المحليات الصناعية على القدرات الإدراكية. نتائج الدراسة البرازيلية تسلط الضوء على قضية هامة قد تغيّر نظرتنا للمحليات الصناعية. فبينما كان يُعتقد أنها بديل آمن وصحي للسكر، تُظهِر الأدلة الجديدة أن هناك تأثيرًا للمحليات الصناعية على القدرات الإدراكية، خاصة لدى الأشخاص في منتصف العمر.
لا يعني ذلك بالضرورة أن كل مَن يَستخدم هذه المواد سيعاني من مشاكل في الدماغ، لكن الحذر والاعتدال أصبحا ضرورة. المستقبل يحتاج إلى المزيد من الأبحاث لفهم هذه العلاقة الدقيقة، لكن من الحكمة أن نتذكر أن صحة الدماغ تعتمد بشكل كبير على اختياراتنا الغذائية اليومية.