أصبحت الأطعمة المصنَّعة جزءًا أساسيًا من النظام الغذائي الحديث، ما أدى إلى زيادة التعرض اليومي لمختلف المضافات الغذائية، وعلى رأسها المواد الحافظة. وبينما تُستخدم هذه المركّبات لإطالة مدة صلاحية الأغذية والحفاظ على جودتها، تتزايد التساؤلات حول تأثيرها المحتمل على الصحة العامة، وخاصة صحة القلب والأوعية الدموية. في هذا السياق، قدّمت دراسة فرنسية واسعة النطاق ضمن مشروع NutriNet-Santé أدلة جديدة تشير إلى وجود علاقة بين استهلاك بعض المواد الحافظة وضغط الدم وأمراض القلب والأوعية الدموية.
ما هي دراسة NutriNet-Santé؟
تُعد دراسة NutriNet-Santé واحدة من أكبر الدراسات الغذائية المستقبلية في العالم، وقد تابعَت المشاركين في فرنسا خلال الفترة الممتدة بين عامي 2009 و2024 بهدف دراسة تأثير العادات الغذائية والمضافات الغذائية على الصحة.
شملت الدراسة:
- 112,395 مشاركًا.
- 78.7% من المشاركين هم من النساء.
- متوسط عمر المشاركين بلغ 42.8 عامًا.
- فترة المتابعة المتوسطة بلغت 7.9 سنوات.
اعتمد الباحثون على سجلات غذائية متكررة لمدة 24 ساعة، وصل عددها إلى 96 تسجيلًا لبعض المشاركين، مع توثيق العلامات التجارية للمنتجات الغذائية المستهلكة، ما أتاح تسهيل التقدير الدقيق للتعرض الفعلي للمواد الحافظة.
كيف تم قياس استهلاك المواد الحافظة؟
تميزت الدراسة بمنهجية متقدمة لتقويم التعرض للمضافات الغذائية، حيث دمج الباحثون عدة مصادر بيانات تشمل:
- قواعد بيانات تركيب الأغذية.
- معلومات العلامات التجارية للمنتجات.
- تحاليل مخبرية مباشرة للأغذية.
- بيانات الهيئة الأوروبية لسلامة الغذاء (EFSA).
- قواعد بيانات رسمية للمضافات الغذائية.
كما راعى الباحثون التغيرات التي تطرأ على تركيبة المنتجات الغذائية بمرور الزمن، مما ساعد على تحسين دقة تقدير الجرعات المستهلَكة من المواد الحافظة.
أنواع المواد الحافظة التي تمت دراستها
شملت الدراسة 58 مادة حافظة مختلفة استهلَكها المشاركون، وقسمها الباحثون إلى مجموعتين رئيسيتين:
1. المواد الحافظة التقليدية
وهي المركّبات المستخدَمة لمنع نمو البكتيريا والفطريات وإطالة صلاحية المنتجات الغذائية.
2. مضادات الأكسَدة المستخدَمة كمضافات غذائية
رغم أن وظيفتها الأساسية منع أكسَدة الأغذية، فقد اعتبرها الباحثون أيضًا ضمن المواد الحافظة لأنها تؤدي دورًا في حماية المنتجات من التلف.
ما هي أبرز مجموعات المواد الحافظة التي خضعت للتحليل؟
شملت الدراسة عددًا من المجموعات الكيميائية الشائعة في الصناعات الغذائية، منها:
- السورباتات (E200-E203)
- البنزوات (E210-E212)
- الكبريتيتات (E220-E228)
- النتريتات (E249-E250)
- النترات (E251-E252)
- البروبيونات (E280-E282)
- الأسكورباتات (E300-E304)
- التوكوفيرولات (E306-E307)
- الإريثورباتات (E315-E316)
- البوتيلات (E319-E321)
- السترات (E330-E333)
كما جرى تحليل المواد الحافظة الأكثر استهلاكًا بشكل منفصل عندما توفرت بيانات كافية عنها.
المواد الحافظة وضغط الدم: ماذا أظهرت النتائج؟
أظهَرت النتائج وجود ارتباطات إحصائية مهمة بين التعرض المرتفع للمواد الحافظة وحدوث بعض الأمراض القلبية الوعائية.
دراسة المواد الحافظة وضغط الدم أظهرت ارتفاع احتمال الإصابة بارتفاع ضغط الدم
وجَد الباحثون أن الأشخاص الأكثر استهلاكًا للمواد الحافظة غير المضادة للأكسدة كانوا أكثر عرضة للإصابة بارتفاع ضغط الدم بنسبة تقارب 29% مقارنة بالأشخاص الأقل استهلاكًا. كما ارتبط الاستهلاك المرتفع للمواد الحافظة المضادة للأكسَدة بزيادة الإصابة بارتفاع ضغط الدم بنسبة بلغت نحو 22%.
وتُعد هذه النتائج من أقوى الأدلة المتوفرة حتى الآن على وجود علاقة محتملة بين زيادة استهلاك المواد الحافظة وارتفاع ضغط الدم عند الإنسان.
المواد الحافظة وأمراض القلب والأوعية الدموية
لم تقتصر النتائج على ضغط الدم فقط، بل أظهَرت هذه الدراسة أيضًا أن ارتفاع استهلاك المواد الحافظة غير المضادة للأكسَدة ارتبط بزيادة الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية بنسبة تقارب 16%.
وشملت الحالات القلبية الوعائية التي جرى تتبعها:
- احتشاء عضلة القلب.
- الذبحة الصدرية.
- المتلازمة الإكليلية الحادة.
- القسطرة التداخلية للشرايين التاجية.
- السكتة الدماغية.
- النوبات الإقفارية العابرة TIA.
هل تثبت الدراسة أن المواد الحافظة تسبب ارتفاع ضغط الدم؟
الإجابة المختصرة: لا.
رغم أن الدراسة أظهَرت ارتباطًا واضحًا بين المواد الحافظة وضغط الدم وأمراض القلب، إلا أنها تبقى دراسة رصدية (Observational Study)، أي أنها تكشف وجود علاقة إحصائية، لكنها لا تستطيع إثبات أن المواد الحافظة هي السبب المباشر للمرض. وقد تكون هناك عوامل أخرى غير مقاسة تؤثر جزئيًا في النتائج، رغم أن الباحثين استخدَموا نماذج إحصائية متقدمة للحد من هذا الاحتمال. لذلك يؤكد الباحثون ضرورة إجراء تجارب سريرية ودراسات لفهم الآليات البيولوجية المحتملة التي قد تفسر هذه العلاقة.
كيف يمكن تقليل التعرض للمواد الحافظة؟
في ضوء الأدلة الحالية، قد يكون من المفيد اتباع بعض الخطوات العملية:
- زيادة استهلاك الأغذية الطازجة وغير المصنّعة.
- قراءة بطاقات المكوَنات الغذائية قبل الشراء لمعرفة المحتويات المضافة.
- تقليل استهلاك اللحوم المصنَّعة.
- الحد من الأطعمة الفائقة المعالَجة.
- الاعتماد على نظام غذائي غني بالخضروات والفواكه والحبوب الكاملة.
الأسئلة الشائعة
ما هي الآثار الجانبية للمواد الحافظة؟
تشير الأبحاث الحالية إلى أن الإفراط في استهلاك بعض المواد الحافظة الموجودة في الأطعمة المصنَّعة قد يرتبط بزيادة حدوث ارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والأوعية الدموية، كما قد تؤثر بعض أنواع المواد الحافظة في توازن ميكروبيوم الأمعاء، وقد تثير تفاعلات تحسسية لدى بعض الأشخاص، إلا أن درجة التأثير تختلف باختلاف نوع المادة الحافظة والكمية المستهلَكة منها.
ماذا تفعل المواد الحافظة في الجسم؟
المواد الحافظة تساعد على منع فساد الأغذية وإطالة مدة صلاحيتها، لكن بعض الدراسات تشير إلى أن الإفراط في استهلاك بعض أنواعها قد يؤثر في صحة الأوعية الدموية وتوازن بكتيريا الأمعاء وقد يرتبط بزيادة ارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب.
نصيحة من موقع صحتك Sehatok
يبقى النظام الغذائي الغني بالخضروات والفواكه والبقوليات والحبوب الكاملة من أكثر الأنماط الغذائية دعمًا لصحة القلب وضغط الدم، لذا يُنصح باتباعه كنمط حياة للحفاظ على صحة جيدة. كما يُنصح بقراءة الملصقات الغذائية واختيار المنتجات الأقل معالَجة كلما أمكن، مع التركيز على جودة النظام الغذائي ككل بدلًا من القلق بشأن مكوَن واحد فقط. ورغم أن نتائج الدراسة لا تثبت وجود علاقة سببية مباشرة، إلا أنها تضيف دليلًا علميًا مهمًا إلى النقاش المتزايد حول تأثير المواد الحافظة في الصحة القلبية الوعائية، كما تدعم نتائج هذه الدراسة التوصيات التي تشجع على تقليل الاعتماد على الأغذية الفائقة المعالَجة والاتجاه نحو الأنماط الغذائية الأكثر طبيعية وتوازنًا.