في السنوات الأخيرة، تصدّر الصيام المتقطع عناوين النقاشات الصحية والأنظمة الغذائية حول العالم، وسط وعود بتحسين الصحة وخسارة الوزن دون الحاجة إلى قيود صارمة في تناول السعرات الحرارية أو نوعية الطعام. لكن رغم شعبيته المتزايدة، بدأ العلماء يدققون في آثاره بعَين أكثر حذرًا، خصوصًا فيما يتعلق بالعلاقة بين الصيام المتقطع وصحة القلب. فهل هو بالفعل أسلوب آمن للجميع؟ أم أن فوائده قد تُخفي مخاطر غير متوقعة، خاصة على الجهاز القلبي الوعائي؟ هذا ما تكشفه أحدث الدراسات العلمية التي تعيد فتح باب النقاش من زاوية أكثر عمقًا.
الصيام المتقطع وصحة القلب
أشارت دراسات سابقة إلى أن تمديد فترة الصيام الليلي يمكن أن يعزز عملية الأيض، ويحفّز إصلاح الخلايا، وربما يساعد في إطالة العمر. لكن في المقابل، ظلّ خبراء التغذية يحذرون من أن تخطي الوجبات لا يُعد حلاً سحريًا، وقد يشكل خطرًا على المصابين بحالات مرضية مزمنة.
في إطار نقاش أوسع حول الصيام المتقطع وصحة القلب، ظهَرت دراسة جديدة تعد الأولى من نوعها على نطاق واسع، لتثير القلق من زاوية أكثر خطورة. فقد حلل الباحثون بيانات أكثر من 19,000 أمريكي، ووجَدوا أن الأشخاص الذين حصروا تناولهم للطعام في فترة تقل عن ثماني ساعات يوميًا كانوا أكثر عرضة بنسبة 135% للوفاة بسبب أمراض القلب والأوعية الدموية مقارنة بمن امتد تناولهم للطعام على مدى 12 إلى 14 ساعة.
تعني هذه النتيجة أن هناك علاقة محتملة بين الصيام المتقطع وصحة القلب بحيث يمكن أن يكون هذا النمط الغذائي محفوفًا بالمخاطر، خاصة لمن لديهم عوامل خطر مثل السكري أو أمراض قلبية سابقة. فعلى الرغم من أن العلاقة بين الصيام والوفيات بشكل عام كانت ضعيفة وغير متناسقة، إلا أن الخطر المرتبط بأمراض القلب ظل مرتفعًا بغضّ النظر عن العمر أو الجنس أو نمط الحياة.
استخدَم الباحثون في هذه الدراسة منهجيةً تعتمد على "الاستدعاء الغذائي"، حين طُلب من المشاركين تذكّر كل ما تناولوه خلال يومين منفصلين، واعتُبرت هذه البيانات ممثلة لأنماطهم الغذائية الطويلة الأمد. وأظهَرت النتائج أن مَن التزموا بتحديد فترة الأكل في ثماني ساعات واجهوا خطرًا أكبر من ناحية أمراض القلب.
وقد ظهَر هذا الارتباط بين الصيام المتقطع وصحة القلب في مختلف الفئات الاجتماعية والاقتصادية، وكان أكثر وضوحًا بين المدخنين والمصابين بالسكري أو بأمراض قلبية سابقة. وقد ظل هذا الترابط قائمًا حتى بعد ضبط عوامل أخرى مثل نوعية النظام الغذائي وتكرار الوجبات والأنشطة اليومية.
في تعليقٍ على هذه النتائج، قال البروفيسور فيكتور وينزي تشونغ، الباحث الرئيسي من جامعة شنغهاي جياو تونغ، إن النظام الغذائي يؤثّر بشكل كبير على تطور أمراض مثل السكري والقلب، لذا لم يكن من الغريب أن نجد صلة بين الصيام المتقطع وصحة القلب. إلا أن المفاجأة كانت في أن الالتزام الطويل بفترات ضيقة لتناول الطعام ارتبط بزيادة احتمال حدوث الوفاة.
ويتعارض هذا مع الأدلة القصيرة الأمد التي أوحَت سابقًا بأن تناول الطعام ضمن فترة زمنية محدودة يمكن أن يُحسن من صحة القلب والتمثيل الغذائي. وفي افتتاحية مرافقة للدراسة، أشار الدكتور أنوب ميسرا، أخصائي الغدد الصماء، إلى أن الصيام المتقطع قد يساهم في فقدان الوزن، وتحسين عمل الأنسولين، وخفض ضغط الدم، وتحسين مؤشرات الدهون في الجسم.
لكن من جهة أخرى، نبّه إلى أن الصيام المتقطع وصحة القلب ليسا دائمًا في علاقة إيجابية، خاصة حين يؤدي الصيام إلى حدوث نقص في العناصر الغذائية، وزيادة في الكوليسترول، وشعور بالجوع المفرط، وتقلب المزاج، والصداع، أو تراجع الالتزام بالنظام على المدى الطويل. أما لمرضى السكري، فقد يكون الصيام غير المُراقَب سببًا في حدوث انخفاض خطير لسكر الدم، وقد يدفعهم إلى الإفراط في تناول الأطعمة غير الصحية خلال فترة السماح بالأكل.
هذا التحذير ليس جديدًا تمامًا. فقد أشارت دراسة منشورة عام 2020 في JAMA Internal Medicine إلى أن الصيام المتقطع أدى إلى فقدان بسيط في الوزن، كان معظمه من الكتلة العضلية، كما لوحظت آثار جانبية تشمل الجفاف، والصداع، وضعف التركيز، والجوع المستمر.
الأسئلة الشائعة
هل الصيام المتقطع مفيد للقلب؟
الصيام المتقطع قد لا يكون مفيدًا لصحة القلب في جميع الحالات، إذ أظهَرت دراسة حديثة أن الالتزام بفترة تناول الطعام أقل من 8 ساعات يوميًا يرتبط بزيادة احتمال الوفاة بأمراض القلب. لذلك، يُنصح بالحذر خاصة لمن لديهم أمراض قلبية أو مزمنة.
هل الأكل بعد الصيام يزيد ضربات القلب؟
نعم، الأكل بعد فترة صيام طويلة قد يؤدي مؤقتًا إلى زيادة ضربات القلب بسبب تحفيز الجهاز العصبي وزيادة تدفق الدم لجهاز الهضم. لكن إذا كانت الزيادة ملحوظة أو مصحوبة بأعراض أخرى، فقد تشير إلى وجود مشكلة مرَضية قد تتطلب استشارة طبية.
نصيحة من موقع صحتك
استنادًا إلى الأدلة المتوفرة حتى الآن، يبدو أن التركيز على نوعية الطعام أكثر أهمية من التركيز على توقيت تناوله. كما ينبغي التفكير جيدًا قبل تطبيق نظام أكل من ثماني ساعات لفترات طويلة بغرض الوقاية من أمراض القلب. تظل العلاقة بين الصيام المتقطع وصحة القلب معقدة وغير محسومة، وليس عليك بالضرورة التخلي عن الصيام المتقطع كليًا، بل التفكير في كيفية ملاءمته لحالة كل شخص. وحتى تكتمل الصورة بالأدلة، قد يكون الأجدى تركيز الانتباه على جودة ونوعية الطعام أكثر من توقيت تناوله.