أثار قرار وزارة الصحة والخدمات الإنسانية في الولايات المتحدة (U.S. Department of Health and Human Services – HHS) بإزالة مادة الثيميروسال (Thimerosal) من جميع لقاحات الإنفلونزا (Flu Vaccines) نقاشًا واسعًا حول سلامة هذه المادة ودورها في الوقاية من التلوث البكتيري داخل اللقاحات. وعلى الرغم من أن معظم لقاحات الإنفلونزا المتوفرة اليوم خالية من هذه المادة، إلا أن الجدل حولها لا يزال حاضرًا، خصوصًا بين المهتمين بموضوع سلامة الثيميروسال واللقاحات.
ما هو الثيميروسال؟
الثيميروسال هو مادة حافظة تحتوي على عنصر الزئبق (Mercury)، وتُستخدم منذ عقود في اللقاحات متعددة الجرعات (Multi-dose Vials) لمنع نمو البكتيريا والفطريات داخل هذه العبوات. تميّز العلماء بين نوعين من الزئبق:
-
الزئبق الميثيلي (Methylmercury): يوجد عادة في الأسماك وقد يكون ضارًا بجرعات عالية.
-
الزئبق الإيثيلي (Ethylmercury): وهو المكون الأساسي في الثيميروسال، يتم التخلص منه بسرعة من جسم الإنسان، مما يقلل احتمالية تراكمه وحدوث أضرار.
هذه المعلومة جعلت كثيرًا من الخبراء يؤكدون أن العلاقة بين الثيميروسال واللقاحات لا تشكل خطرًا على الصحة في الجرعات المنخفضة المستخدَمة سابقًا.
الثيميروسال واللقاحات وهل هناك مخاطر مثبتة علميًا؟
قبل عقود، ظهرت مخاوف من ارتباط الثيميروسال باضطرابات نمو الأطفال مثل التوحّد (Autism)، لكن الأبحاث العلمية لم تثبت أي علاقة سببية بين الثيميروسال واللقاحات وبين حدوث التوحد وغيره من الاضطرابات. ورغم ذلك، تمت إزالة الثيميروسال من معظم اللقاحات عام 1999 كإجراء احترازي فقط.
اليوم، حوالي 94% من لقاحات الإنفلونزا في الولايات المتحدة لا تحتوي على هذه المادة. النسخ التي ما زالت تضمها توجَد غالبًا في العيادات الريفية التي تَستخدم قوارير متعددة الجرعات بسبب محدودية الموارد.
لماذا أُعيد فتح النقاش؟
الجدل الحالي لا يرتبط بأدلة علمية جديدة، بل بقرار لجنة استشارية تمت إعادة تشكيلها، إذ أبدى بعض أعضائها الجدد شكوكًا حول سلامة اللقاحات بشكل عام. وهنا عبّر خبراء الأمراض المُعدية عن قلقهم من أن يؤدي التركيز المتجدد على موضوع الثيميروسال واللقاحات إلى زيادة التردد في المجتمع تجاه التطعيمات، وربما تقليل معدلات أخذ لقاح الإنفلونزا، خاصة في المناطق التي تعاني أصلًا من ضعف البنية الصحية.
الأبعاد العملية للقرار
التحول إلى لقاحات خالية تمامًا من الثيميروسال قد يزيد التكلفة على العيادات الصغيرة، لأن قوارير اللقاح الأحادية الجرعة (Single-dose Vials) تحتاج لمساحات تخزين أكبر وكلفة أعلى. هذا قد ينعكس على وصول بعض الفئات، خصوصًا في المناطق الريفية، إلى لقاح الإنفلونزا.
يوضح الخبراء أن سلامة اللقاحات لا تتحدد فقط بالمكونات الكيميائية فيها، بل أيضًا بالجرعة. فحتى المواد المفيدة مثل الحديد قد تصبح سامة إذا زادت عن الحد المطلوب. من هذا المنطلق، تبقى مسألة الثيميروسال واللقاحات مرتبطة بميزان توازن دقيق بين الكمية والاحتياجات الوقائية.
نهايةِ، قرار إزالة الثيميروسال من لقاحات الإنفلونزا يمثل خطوة احترازية أكثر من كونه استجابة لخطر مثبت علميًا. فالأدلة العلمية المتراكمة تشير إلى أن مادة الثيميروسال آمنة بالجرعات الصغيرة المستخدَمة سابقًا. ومع ذلك، فإن إعادة طرح النقاش حول الثيميروسال واللقاحات قد يحمل تأثيرات اجتماعية واقتصادية، خاصة على الفئات الأقل وصولًا إلى الخدمات الصحية. لذا يبقى الوعي المبني على الأدلة العلمية أمرًا ضروريًا لفهم العلاقة بين الثيميروسال واللقاحات بعيدًا عن التضخيم أو المخاوف غير المثبتة.