قد لا يظهَر أثر بعض الملوثات في صورة مرض واضح أو عرض مفاجئ، إذ قد يتسلل إلى الخلايا ببطء ويترك بصمته على طريقة عملها. وهذا ما يعيد فتح النقاش حول العلاقة بين التلوث والشيخوخة بعد دراسة حديثة ربطت التعرض لمجموعة من المواد الكيميائية شديدة الثبات، معروفة باسم «المواد الكيميائية الأبدية»، بعلامات تشير إلى تسارع العمر البيولوجي، خصوصًا لدى الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 50 و64 عامًا.
وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة لأن التلوث والشيخوخة لم يعودا موضوعين منفصلين في أبحاث الصحة العامة؛ فالبيئة قد تؤثر في الالتهاب والاستقلاب ووظائف الخلايا، وهي عمليات ترتبط بدورها بتقدم العمر.
ما المواد الكيميائية الأبدية؟
المقصود هنا هو مجموعة كبيرة من المركّبات الصناعية المعروفة اختصارًا بـاسم (PFAS)، أي المواد المشبعة بالفلور والبوليفلوروألكيل (Per- and Polyfluoroalkyl Substances). وتتميز هذه المركّبات بقدرتها العالية على مقاومة الماء والحرارة والزيوت والتفاعلات الكيميائية، ولذلك استُخدمت في منتجات عديدة مثل أواني الطهي غير اللاصقة، والأقمشة المقاومة للماء والبقع، وبعض مواد تغليف الأغذية ورغوات مكافحة الحرائق.
وسُمّيت «كيميائيات أبدية» لأنها تتحلل ببطء شديد، ما يسمح لها بالبقاء في البيئة والتراكم في الجسم لفترات طويلة. وتشير وكالة المواد السامة وسجل الأمراض الأمريكية إلى أن التعرض قد يحدث عبر الماء والغذاء والغبار وبعض المنتجات الاستهلاكية.
وهنا يتقاطع التلوث والشيخوخة بصورة لافتة، إذ لا تقتصر المخاوف من PFAS على وجودها في البيئة، بل تمتد إلى احتمال تأثيرها في العمليات البيولوجية المرتبطة بالعمر.
ماذا اكتشفت هذه الدراسة؟
حلل الباحثون بيانات 326 شخصًا بالغًا تبلغ أعمارهم 50 عامًا فما فوق، ضمن بيانات المسح الوطني الأمريكي للصحة والتغذية (NHANES) للفترة بين عامي 1999 و2000. بلغ متوسط العمر نحو 66.9 عامًا، وكان الرجال يمثلون 51.53% من المشاركين مقابل 48.47% للنساء.
وفحص الباحثون مستويات عدة من PFAS في عينات الدم، ثم استخدموا 12 مؤشرًا يعتمد على مثيلة الحمض النووي (DNA Methylation) لتقدير العمر البيولوجي. أبرز النتائج كانت:
- ارتبط ارتفاع مستويات حمض البيرفلورونونيك (PFNA) بتسارع بعض مؤشرات الشيخوخة المرتبطة بالعمر والوفاة.
- ظهَر هذا الارتباط بصورة أقوى لدى الرجال وفي الفئة العمرية 50–64 عامًا.
- ارتبط وجود مركّبات أخرى، وهي أحماض البيرفلوروسلفونيك (PFSA)، بمؤشر يسمى (LinAge)، يرتبط بعمليات تشمل الاستقلاب وتوقعات طول العمر.
- بلغ معامل الارتباط مع مؤشر (GrimAgeMortacc) نحو 2.74، مع فاصل ثقة 95% بين 1.04 و4.44، في حين بلغ الارتباط مع (GrimAge2Mortacc) نحو 2.45، بفاصل ثقة بين 0.60 و4.31.
وتعني هذه الأرقام إحصائيًا أن الأشخاص ذوي التعرض الأعلى لمركّبات PFNA، أظهروا علامات عمر بيولوجي أكثر تقدمًا في هذه المؤشرات، لكن الارتباط بين التلوث والشيخوخة هنا لا يعني أن المادة الكيميائية «أضافت» سنوات فعلية إلى عمر الشخص، ولا أن الدراسة قد أثبتت أن PFAS تسبب الشيخوخة مباشرة.
ماذا يعني «العمر البيولوجي»؟
العمر الزمني هو عدد السنوات منذ الولادة، أما العمر البيولوجي فهو وصف لحالة الجسم على المستوى الخلوي والجزيئي. وتعتمد الساعات فوق الجينية (Epigenetic Clocks) على أنماط كيميائية، أبرزها مثيلة الحمض النووي، لتقدير ما إذا كانت الخلايا تبدو «أكبر» أو «أصغر» من العمر الزمني.
ومن بين هذه الأدوات مؤشر (GrimAge)، الذي صُمم لالتقاط إشارات مرتبطة بمخاطر المرض والوفاة، ومؤشر (LinAge)، الذي يرتبط بجوانب من الاستقلاب وطول العمر. لذلك، فإن ارتفاع هذه المؤشرات لا يشخّص مرضًا بعينه، وإنما يمثل علامة بحثية على تغيرات بيولوجية مرتبطة بالشيخوخة.
وهذه النقطة مهمة عند مناقشة التلوث والشيخوخة؛ فالدراسة تقيس مؤشرات جزيئية، وليس عدد سنوات العمر المتوقع لكل شخص.
لماذا قد يكون الرجال في منتصف العمر أكثر تأثرًا؟
لم تقدم الدراسة تفسيرًا حاسمًا لهذا الاختلاف، لكن الباحثين أشاروا إلى أن منتصف العمر يمثل مرحلة تتغير فيها وظائف القلب والاستقلاب والاستجابة الالتهابية والإجهادية بصورة ملحوظة. وقد تتفاعل هذه التغيرات مع العوامل البيئية.
كما يمكن أن تلعب الاختلافات في الهرمونات وتركيب الجسم والاستقلاب بين الرجال والنساء دورًا محتملًا، لكن هذه الفرضيات تحتاج إلى دراسات إضافية قبل اعتبارها تفسيرًا مؤكداً.
وهكذا تضيف النتائج بعدًا جديدًا إلى أبحاث التلوث والشيخوخة، من دون أن تثبت أن الرجال في الخمسينيات سيعانون بالضرورة من شيخوخة أسرع أو أمراض أكثر.
أين يوجد PFAS وكيف يمكن تقليل التعرض؟
توجد طرق متعددة يمكن أن تصل عبرها مركّبات PFAS إلى الإنسان، وتختلف مستويات التعرض بحسب المكان والغذاء والمياه والمنتجات المستخدَمة. وتشير بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS) إلى أن نحو 71 إلى 95 مليون شخص في الولايات المتحدة قد يعتمدون على مياه جوفية تحتوي على مستويات قابلة للكشف من مركّبات PFAS، وفق نموذج وطني منشور عام 2024.
ولتقليل التعرض، يمكن التركيز على الخطوات العملية التالية:
- التحقق من تقارير جودة مياه الشرب المحلية، خصوصًا في المناطق المعروفة بتلوث PFAS.
- استخدام مرشحات مياه أثبتت فعاليتها في خفض PFAS، مثل أنظمة التناضح العكسي (Reverse Osmosis) أو بعض مرشحات الكربون المنشط (Granular Activated Carbon)، مع الالتزام بتعليمات الصيانة والاستبدال.
- تقليل الاعتماد على أواني الطهي غير اللاصقة القديمة أو المخدوشة، واختيار بدائل مثل الزجاج أو الفولاذ المقاوم للصدأ عند ملاءمتها.
- تقليل تناول الأطعمة الجاهزة التي تأتي في عبوات أو أغلفة قد تحتوي على PFAS.
- عدم الإفراط في استخدام المنتجات المقاومة للبقع والماء عندما لا تكون ضرورية.
- الانتباه إلى مصادر التعرض المهنية، خصوصًا في بعض الصناعات ومواقع استخدام رغوات مكافحة الحرائق.
ولا يعني ذلك أن التخلص الكامل من PFAS ممكن بسهولة؛ فالهيئات الصحية تؤكد أن التعرض يحدث عبر مصادر متعددة، وأن معرفة المخاطر الدقيقة لبعض المركّبات الجديدة ما زالت قيد البحث.
ماذا نعرف عن المخاطر الصحية الأخرى؟
لا تزال دراسة التلوث والشيخوخة مجالًا بحثيًا ناشئًا، لكن PFAS دُرست بالفعل في سياقات صحية أخرى. وتذكر وكالة المواد السامة وسجل الأمراض وجود ارتباطات بين التعرض لبعض أنواع PFAS وارتفاع مستويات الكوليسترول، وتغيّر بعض إنزيمات الكبد، وانخفاض الاستجابة لبعض اللقاحات، إضافة إلى ارتباطات بأنواع محددة من السرطان ظهَرت في بعض الدراسات. وتؤكد الوكالة أن درجة الخطر تتأثر بجرعة التعرض ومدته وطريقته والعوامل الفردية.
كما أن الدراسات الحديثة لا تتناول جميع مركّبات PFAS بالطريقة نفسها؛ فبعض المركّبات القديمة، مثل حمض البيرفلوروأوكتانويك (PFOA) وسلفونات البيرفلوروأوكتان (PFOS)، حظيت بقدر أكبر من الدراسة، في حين لا تزال سمية بعض المركّبات الأخرى مثل PFNA وPFSA أقل وضوحًا.
نصيحة من موقع صحتك Sehatok
لا داعي للهلع لمجرد قراءة أن التلوث والشيخوخة قد يكونان مرتبطَين؛ فهذه الدراسة قائمة على بيانات 326 شخصًا، وبيانات المشاركين تعود إلى 1999 و2000، كما أن تصميمها لا يثبت وجود علاقة سببية مباشرة. والأرقام التي ظهرت في المؤشرات، مثل 2.74 و2.45، هي علاقات إحصائية مرتبطة بمقاييس العمر فوق الجيني وليست «2.74 أو 2.45 سنة إضافية» بالضرورة لكل شخص.
وفي المقابل، لا ينبغي تجاهل الإشارة العلمية. والأفضل هو تقليل التعرض الممكن للمصادر المعروفة، والاهتمام بجودة مياه الشرب، واتباع نمط حياة صحي يدعم صحة القلب والاستقلاب، بدل البحث عن اختبارات تجارية غير مثبتة تزعم تحديد «العمر البيولوجي» بدقة مطلقة.
تكشف الدراسة أن التلوث والشيخوخة قد يلتقيان على مستوى أكثر دقة مما كنا نتصور، ليس بالضرورة عبر ظهور مرض مباشر، وإنما من خلال تغيرات جزيئية يمكن قياسها في الخلايا. ومع ذلك، فإن الارتباط الإحصائي ليس إثباتًا للسببية، والنتائج تحتاج إلى دراسات أكبر وحديثة وطويلة الأمد لمعرفة ما إذا كان خفض التعرض لـمواد PFNA وPFSA يؤدي فعلًا إلى تباطؤ مؤشرات الشيخوخة.
ويبقى السؤال الأهم: إذا كانت بعض المواد الكيميائية قادرة على ترك أثر طويل الأمد في أجسامنا، فإلى أي حد يمكن أن تؤثر البيئة التي نعيش فيها في سرعة الشيخوخة التي نختبرها؟ وهل تستطيع الوقاية المبكرة من هذه الملوثات أن تغيّر مسار التلوث والشيخوخة قبل أن تتحول التغيرات الجزيئية إلى مشكلات صحية ملموسة؟